الرئيسية » مقالات » دارفور المنسية: ثمن الدم وضريبة الصمت!

دارفور المنسية: ثمن الدم وضريبة الصمت!

الشيء المستغرب بالنسبة للرئيس السوداني عمر حسن البشير ليس هو كونه قد تغاضى عن عمليات القتل لمئات الألوف من الرجال والنساء والأطفال المنتمين للقبائل الأفريقية السوداء، وإنما هو أن جذوره ربما تمتد إلى قبيلة أفريقية. ربما كان الرئيس البشير على علم بمذابح ضد أناس من بني جلدته.

والأميركيون غالبا ما يسيئون فهم معنى المذابح الجماعية، إذ يعتقدون أنه من المستحيل إيقاف تلك المذابح، لأن السبب فيها عادة ما يكون أحقادا وثارات عرقية مترسبة من أزمان بعيدة. لكن هذا ليس أمراً صحيحاً، لأن المذابح الجماعية كانت في معظم الأحيان تتم بناء على أوامر وقرارات متخذة بروية وهدوء وبشكل محسوب بواسطة القادة والزعماء المحليين، بناء على اعتقاد مؤداه أن أفضل طريقة لحل مشكلة ما أو للبقاء في السلطة هي أن يختار الزعيم كبش فداء يتمثل في مجموعة معينة من الشعب، ثم يقوم بالقضاء عليها… ينطبق هذا على معظم المذابح الجماعية التي تمت في الماضي، كما ينطبق أيضاً على مذبحة دارفور.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فهناك أيضاً “موسى هلال” الذي يقال عنه إنه زعيم “الجنجويد” والذي أطلق رجاله ليمارسوا القتل بطريقة وحشية للغاية ضد قبيلة “الزغاوة” الأفريقية. ويستطيع المرء أن يقود سيارته لساعات في المناطق التي كانت قبيلة الزغاوة تعيش فيها، فلا يجد سوى قرى كاملة محروقة، وبقايا أشلاء بشرية مبعثرة في الخلاء، أو ملقاة في الآبار بشكل عمدي بهدف تسميمها.

وعلى الرغم من تلك الوحشية ضد قبيلة الزغاوة، فإنني سمعت من أشخاص ينتمون إلى نفس البلدة التي ينتمي إليها موسى هلال أن أمه تعود أصولها إلى قبيلة الزغاوة ذاتها.

وعلى نفس المنوال، نجد أن متمردي دارفور قد انقلبوا أحياناً على قبائلهم، وقتلوا واغتصبوا بني وبنات جلدتهم، أو القبائل المتحالفة معهم.

والسؤال الذي يقفز إلى الذهن في هذا السياق هو: ما الذي يحرك هؤلاء الناس ويدفعهم إلى ارتكاب المذابح الجماعية؟ الإجابة هي أن هذا الشيء ليس هو الأحقاد القديمة وإنما هو الطمع، فهؤلاء الأشخاص ليسوا متطرفين على النمط “الطالباني”، وإنما هم انتهازيون عديمو الأخلاق والرحمة يعرفون كيف يحققون مطامعهم.

ولو عدنا إلى المشكلة من بدايتها فسوف نجد أن الحكومة السودانية كانت قد واجهت مشكلة حقيقية عام 2003 عندما كانت القبائل الأفريقية (بما في ذلك الزغاوة) تشن تمرداً في دارفور. وكان استدعاء الجيش لمواجهة هذه المشكلة مسألة إشكالية، لأن العديد من جنود الجيش السوداني النظامي كانوا ينتمون إلى القبائل الأفريقية في دارفور، وكان من المشكوك فيه أن يحاربوا بإخلاص ضد قبائلهم.

آنذاك، لم تجد الحكومة السودانية أمامها سوى أن تجرب نهجاً كان قد سبق لها تجربته ضد المتمردين في الجنوب، وهو تسليح ميليشيات غير نظاميه، ومنحها تفويضاً بإبادة المدنيين، وتفريغ مناطق واسعة من السكان لأن ذلك يؤدي إلى حرمان المتمردين من قاعدة دعمهم، ويرسل في ذات الوقت تحذيراً لأي قبيلة أخرى في السودان قد تفكر في التمرد على الحكومة.

وعلى ما يفترض فإن الحكومة السودانية ربما خمنت أن الدول الأجنبية قد لا تحب فكرة القتل الجماعي، ولكنها رأت أنه يمكنها مواجهة ذلك من خلال حرمان الصحفيين الفضوليين من تأشيرات الدخول للسودان كي لا يرووا ويكتبوا عن عمليات القتل الجماعي، بالإضافة إلى الاعتماد على حماية الصين الدبلوماسية في الأمم المتحدة.

ولذلك، وبعد أن قام بحساب الموقف من كافة جوانبه والمقارنة بين مزاياه وعيوبه، فإنها قررت أن المذابح الجماعية هي أسهل وسيلة لمقاومة التمرد.

وليس هناك شك في أن بعضاً ممن مارسوا القتل والسلب والنهب في دارفور، قد فعلوا ذلك بدافع التعصب، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من قيام المهاجمين العرب بتوجيه إهانات عنصرية بشكل روتيني ضد السود. أما موقف الزعماء تجاه تلك المذابح فكان يتسم ببلادة الحس واللامبالاة. فموسى هلال وعدد من زعماء التمرد أيضاً، كانوا ينظرون إلى عمليات القتل والاغتصاب على أنها ليست سوى مجرد وسائل لتجميع السلطة وتكديس ثرواتهم من المواشي.

كل ذلك يجعل من إيقاف مذبحة دارفور مسألة أسهل بكثير مما يعتقده معظم الناس. فعندما يتعلق الأمر بحساب التكاليف والأرباح فإنه يكون من السهل على الغرباء أن يقوموا بفرض تكاليف إضافية وتغيير المحصلة النهائية. وهذا تحديداً ما نحن بحاجة إلى فعله إذ يجب على الولايات المتحدة أن تقود الدول الأخرى في الضغط بقوة على جميع الأطراف المتحاربة من أجل التوصل إلى اتفاقية سلام من خلال المفاوضات، لأن هذه هي الوسيلة المثلى لإنهاء المذابح؛ سواء في دارفور أو في الدول المتاخمة لها، مثل تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى.

إنني أجد أن فهمَ سبب وحشية ما يحدث في دارفور أمر ميسور للغاية، أما الشيء الذي يصعب على الكثيرين فهمه فهو رفض الرئيس الأميركي جورج بوش التصدي للمذبحة التي تدور رحاها هناك منذ أربع سنوات كاملة، وعدم قيامه بفرض منطقة حظر طيران… أو بتنظيم مؤتمر دولي بشأن دارفور… أو دعوة بعض الناجين من تلك المذبحة إلى الولايات المتحدة للالتقاء بالصحافة لتسليط الضوء على مأساتهم… أو إلقاء خطاب عن دارفور في الفترات التي يشتد خلالها الإقبال على المشاهدة التلفزيونية..! في النهاية قد نجد أن الأسباب المفسرة لسلبية بوش هي ذاتها الأسباب المفسرة لوحشية المتحاربين. نعم، هناك احتمال أن يكون بوش قد أجرى حساباته، ونظر إلى عدد النداءات والخطابات التي يتلقاها حول دارفور، ووازن بين المزايا والعيوب، ثم توصل إلى قرار مؤداه أن الأميركيين لا يأبهون بتلك المذبحة بدرجة قد تؤدي إلى تكبيده ثمناً سياسياً باهظاً، إذا ما استمر في تغاضيه عنها.


نيكولاس كريستوف – كاتب ومحلل سياسي أميركي

“نيويورك تايمز”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *