الرئيسية » مقالات » قراءة في اضراب ستراسبورغ

قراءة في اضراب ستراسبورغ

اعلن العشرات من الكردستانيين الاضراب عن الطعام امام مجلس البرلمان الاوربي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية تنديداً بالجريمة الوحشية التي ارتكبها السلطات التركية بتسميم القائد والمفكر الكردي السيد عبدالله اوجلان ، حيث كان ضمن هؤلاء سبعة عشر شخصاً اعلنوا عن اضراب مفتوح عن الطعام حتى تحقيق مطالبهم بارسال لجنة دولية طبية مستقلة الى سجن جزيرة ايمرالي لمعالجة السيد اوجلان والتوقف على حالته الصحية. وثلاثة وخمسون اضربوا عن الطعام لمدة خمسة ايام بشكل دوري حيث سيتم تبديلهم بمجموعات اخرى تنضم اليهم بعد خمسة ايام ، وقد انضم الى الاضراب الكثير من الشخصيات الكردية السياسية وممثلي الحركات الوطنية الكردستانية من امثال السيد رمزي قارتال نائب رئيس مؤتمر الشعب الكردستاني ، وعلي يكيت رئيس المؤتمر الوطني الكردستاني ، ونظام الدين توغوج رئيس كونفدرالية الجمعيات الكردستانية في اوروبا، علما ان الثلاثة كانوا سابقاً في دورة 1990-1994 ممثلين عن الشعب الكردي في البرلمان التركي . اضافة الى العديد من ممثلي الجمعيات الكردية في اوروبا وبعض الفنانيين الكرد ورجال الدين وعدد من النساء الكرديات.

بعد ان تم تسليم الملف من قبل ثلاثة مضربين عن الطعام الى مجلس البرلمان الأوروبي، قٌرء البيان والذي تضمن اسباب الأضراب عن الطعام والأهداف المتوخاة من ذلك، بحضور الكثير من مراسلي الفضائيات والصحفيين الفرنسيين اضافة الى تغطية مباشرة من الفضائية الكردية (روج تي في). تم البدء بمسيرة من المجلس الى مركز الاضراب في الجمعية الكردية الثقافية في ستراسبورغ ، وذلك بعد رفض السلطات الفرنسية منح الأذن للمضربين للتمركز امام المجلس الاوربي او ساحة اخرى في المدينة. والذي كان يميز المسيرة هذه بالمقارنة مع المسيرات الاخرى هو ارتداء المضربين للكفن الابيض والذي كتب عليه بالفرنسية “الاضراب عن الطعام من اجل اوجلان” وهم يحملون اللافتات التي كتب عليها ( يتم تسميم اوجلان في سجن امرالي )، ( نريد هيئة طبية مستقلة لمعالجة اوجلان) ،( تسميم اوجلان هو تسميم لنا ) ،( الحرية لاوجلان ) ،( نريد اغلاق سجن امرالي الانفرادي ) …الخ ، وبعد ان وصلوا الى الجمعية كان قد تم تحضير كل شيء ، وتوزع المضربون في الغرف بشكل نظامي، حيث كان في انتظارهم المئات من ابناء الشعب الكردي هناك.

وما كان يلفت النظر في الاضراب هو العنصر النسائي ، وبشكل خاص الفتيات اللواتي لم تتجاوزاعمارهن الخامسة عشر،والامهات اللواتي في سن السبعين ممثلين عن مؤسسة امهات من اجل السلام ، اي ان المراة اصبحت المشاركة الرئيسية في جميع الفعاليات او الأنشطة حتى الاضراب عن الطعام ، وهذا ما لم يكن متواجدا في المجتمع الكردي سابقاً حتى ان الكثير من النسوة اللواتي شاركن وتشاركن في الاضراب سواء في الاضراب المفتوح الدائمي او الاضراب المحدد بخمسة ايام ، كان لهن الدور الكبير في التنظيم والنقاش، وكن ينضمن الى النقاشات والحوارات ، ومناقشة المسائل بشكل اكثر جدية، ويظهر هذا ان المراة التي كانت مسلوبة الارادة اصبحت من خلال نهج حركة الحرية رائدة في كل المجالات .

الجانب الاخر من هذا الاضراب ورغم ضيق المكان ، لان العدد تجاوز السبعين ، فقد كان هناك مسحة للتعاون والمحبة الخالصة، وكأٌن الجميع من عائلة واحدة ، يعرفون بعضهم البعض مسبقاً رغم ان الاضراب جمعهم لاول مرة ، وهو الجديد في المجتمع الكردستاني ويدل على وصوله الى الشخصية المستقلة صاحبة الموقف والكلمة والتصرف والمشاعروالاخلاق الواحدة ،والتي كانت جلية من خلال النقاشات وتبادل الاراء والتعامل والتعاون فيما بينهم .

والجانب الثالث هو ان المنضمون في الاضراب قدموا من جميع الدول الاوربية من مسافات بعيدة ليثبتوا للعالم اجمع ، بانهم مع اوجلان في السراء والضراء، قلبا وروحا ،وما الاضراب عن الطعام إلاٌ خيرتعبيرعلى وقفتهم المبدئية معه ، يرون فيه مستقبلهم المشرق وامانيهم وطموحاتهم .

اما الردٌ الجماهيري بالتضامن مع المضربين فقد كان سريعاً دون تاخير ،بالتوافد على شكل مجموعات الى ستراسبورغ وعقد الكثيرمن الاجتماعات والقيام بالمسيرات ، اضافة الى اضرابات اخرى عن الطعام لفترات محددة في مختلف الدول الاوربية ، واصبحت الجمعية بمثابة المركز الذي يقصده الكردستانيون من كل الدول وحتى من تركيا مبدين روح المسؤولية واليقظة تجاه بعضهم البعض .

زيارة الاجانب وممثلي المنظمات والاحزاب السياسية ، اضافة الى الفضائيات والصحفيين الذين اجرو المقابلات مع المضربين كان ملفتاً للنظر، وهم يحدقون في المضربين عن الطعام وخاصة النسوة المسنات والرجال المسنين والشابة الصغيرة روجين التي عمرها 15 سنة ، ويقفون حيرى امام هذه الارادة العظيمة حتى ان بعضهم عندما كنت تقول لهم اقعدوا بدلا من الوقوف والتحدق فيردٌون كيف نقعد هنا وهؤلاء مضربون عن الطعام؟ . وبهذا يتعرفون اكثر على حقيقة الشعب الكردي الملتف حول زعيمه الذي أُريد الاعداء من خلال شخصه تسميم شعب وقضية .

عندما يتمعن الانسان بهذه العملية وماهيتها بكل تجلياتها، يعرف حقيقة الشعب الكردستاني والمستوى الذي وصل اليه من خلال حركة التحرر الكردستانية وانه اصبح يمثل ارادته ويقرر مصيره بنفسه ويخوض نشاطاته وفق معتقداته لا كما كان يفكر به ويعرفه الاعداء بانه وسيلة سهلة في يدهم لاستخدامه من اجل مآربهم واهدافهم متى ارادوا . وبهذا يثبت الكرد للاصدقاء قبل الاعداء بانه مرتبط بحقوقه واهدافه العادلة ومستعد للتضحية باغلى ما يملك من اجل قضيته ويعلن للعالم اجمع من خلال عملية الاضراب عن الطعام في مدينة ستراسبورغ الفرنسية بانه مستعد لترك امعائه فارغة حتى الموت ويضحي بنفسه كما فعل قادته سابقاً امثال خيري وكمال وعاكف …الخ في سجون دياربكر،اذا كان الدفاع عن القيم والكرامة والشرف يتطلب ذلك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *