الرئيسية » مقالات » العمل في بطن الخزان – ( قصة قصيرة بمناسبة يوم العمال العالمي)

العمل في بطن الخزان – ( قصة قصيرة بمناسبة يوم العمال العالمي)

بينما كان عاصم ” المنفي رغما ً عن أنفه ” يمشــي على ضفة نهر الدانوب العظيم كانت يده في جيب سترته التي اشتراها من البالة تعدّ السنتات (مخشخشة) بصوت مسموع سيما عندما يسرع في مشيته .. ولما كان يفكر في همومه المادية الصعبة رمى بتلك الســنتيات دون أن ينتبه ، الأمر الذي أغاظه ســـيما وأنها تعادل ثمن تذكرة الترامواي … وأقسم أنه سيشتري وبنفس القيمة ورقة يانصيب (أو شــبكة لوتو) .
في اليوم التالي جمع كل ما تبقى في بيته من تلك السنتيات وذهب إلى ال Trafieg المجاور لبيته ليشتري شبكة يانصيب ، فأرقام الحظ يختارها متشابهة ، مفردة و لم يربح ولا لمرة واحدة طيلة السنوات الخمس الأخيرة التي عاشها في تعاسة مع زوجته .. ولا حتى سنتا ً واحد .
التقى هناك بصديق غربته (أبو العبد) فأسرّ له بأنه ومنذ ستة أشهر عاطل عن العمل وأنه بحاجة لعمل يكفيه شر ّ الوقوف على باب (دائرة المساعدات) .
ضرب ابو العبد يده على صدره وقال : ” .. لعيونك الشغل جاهز ” هيا بنا نذهب إلى شركة كنت قد سجلت فيها اسمي منذ أيام ، تسجل اسمك مثلي وسننتظر أن يدعونا صاحبها إلى العمل ..
ركبا السيارة ، وانطلق أبو العبد بسيارته متوجها ً إلى بلغاربلاتس ومن ثم إلى شارع (غريلبارتسير) المنعطف نحو اليمين . صف أبو العبد سيارته بجانب شركة مغمورة أسماها أصحابها (DSZ ( بسمل أبو العبد قبل دخوله فيها ، وقدم عاصم طلبه على أمل الحصول على عمل .
في المساء اتصل أبو العبد بعاصم يخبره أن مندوب الشركة اتصل به على هاتفه الخليوي وطلب منه الحضور صباح اليوم التالي في السادسة صباحا ً والانتظار أمام باب الشركة ، وأردف قائلا ً للمنفي رغما ً عن أنفه أعتقد أن العمل سيكون في الفويست ألبينا ، اتفقنا ، اتفقنا كذلك جاوبه عاصم .
استيقظ صاحبنا في الخامسة صباحا ً ليجد أن أن الشمس تستيقظ لتوها على أصوات العصافير الدورية التي اعتاد بعض سكان بنايته على إطعامها ، يتركوا لها حبات السمسم في أوعية خاصة ويضعوها في شرفات منازلهم .
حمل حقيبة ملابسه وطعام الغذاء وشيئا ً من عصير الفاكهة (مؤونة الشغل) كان قد جهزها في الليلة السابقة كي لا يضيع الوقت في مثل هذا الصباح الجميل (هكذا حدث عاصم نفسه) ودون أن يشرب فنجان قهوته التي يغليها عادة على الطريقة التي علمته إياها أمه قبل نفيه منذ سنين طويلة ، عودته أن يشربها في مطلع كل يوم مع الصلاة على النبي والتسبيح للواحد القهار .
في تمام الساعة الخامسة والنصف وصل أبو العبد بسيارته البيجو الحمراء ، زمرّ ، حمل عاصم حقيبته وركض (وكأنه لا يركض) نزل درجات السلم محاولا ً عدم إصدار صوت لحذائه المطاطي الذي اشتراه خصيصا ً لهذا الغرض ، فجيرانه مثل كل سكان هذا البلد الهادئئ حتى لتحسب الناس نياما ً طوال النهار .. لا يتحملوا أصوات الأحذية والبساطير .
اتجها نحو الشركة ، بدأ أبو العبد بتمتمة صلواته ودعواته لكلاهما بالتوفيق بهذا العمل والمباركة بهذا النهار . وصلا في الموعد المحدد شارع غريلبارتسير ، أوقف أبو العبد سيارته بجانب باب الشركة ونزلا منها ينتظرا وصول بطل الفيلم الذي سيشغلهما لديه ..
صباح الخير .. (باشراه بالسلام) ..
– صباحو .. تفضلا ..
فََـَتح باب الشركة ، ثلاثتهم ولجوها معا ً ..

– هل لديكما ألبسة عمل ؟
– نعم ، في العربة .
– أرياني إياها من فضلكما .
– أسرعا ، عاصم وأبو العبد إلى السيارة ، حملا أمتعتهما الخاصة بالعمل ، ورجعا بسرعة .
– الحذاء لابأس به ، لكن السروال والمعطف غير مناسبان ، كما .. كما يتوجب عليكما احتذاء جزمة مطاطية طويلة ، عملكما صعب ويتطلب هذه الألبسة .
– ولكن .. !!
– هذا بنطال جينز ، هذا معطف ، وقميص ، العمل في هذا الفصل الحار لا يتطلب أكثر من ذلك .. وماذا بعد ؟ .. !!
– لا لا ، هذا المعطف غير مناسب ، عملكما صعب ويتطلب ارتداء معطف آخر ، وأنتما بحاجة للجزمة المطاطية الطويلة ، وسأعطيكما سروالين ، تعالا معي .
دخل المستودع ، دخلا وراءه فتح الخزنة واخرج لكل منهما حذاء ً مطاطيا ً ، وبنطال ، ومعطف يناسب برد أيام القر وليس حرارة أيام الحر في ذلك الصيف من عام 1999 ..
هلما نوقع العقد .. مندوب العمل قال لهما .. كتب عاصم فيما بعد في مذكراته : ” .. لاحظنا أن الراتب مغر جدا ً ، ثمانية عشر شلنغ في الششهر ، إضافة إلى جوائز أسبوعية ، وساعات عمل إضافية ” أجرى في نفسه حساب فوجد أن المرتب سيكون اثنان وعشرون ألف شلنغ شهريا ً صاف من كل الحسومات التي تحسم عادة كالضريبة على الراتب ، والمبلغ المدفوع لشركة التأمين ..
– رائع .. قال عاصم ، وأردف : هات أوراقي ، وهذا توقيعي .. توقيع آخر .. وهنا توقيع .. وفي ظهر الصفحة توقيع ، وثمة أوراق صغيرة وقصاصات أخرى ..
– لكن ، انتظر لحظة .. يفترض أن أملأ الاستمارة بنفسي .. قال عاصم .
– لا وقت لدينا ، فصاحب العمل ينتظرنا في الفويست . ولما همـّا بالخروج سأله عاصم : وهل الملابس غالية؟
– هذا غير مهم ، سأجعله يحسم ثمنها على دفعات ولمدة طويلة .. هيا نلحق المعلم .
صعد المعلم سيارته وبدورهما صعدا سيارتهما وانطلقوا ، سيارة تلو الأخرى عبر شارع فرانك شتراسه ، فالأوتستراد باتجاه الفويست .
أوقف السيد هيلموت سيارته عند الباب الرئيسي ، توقف أبو العبد وعاصم ، ترجل .. ترجلا ..
كانت هناك سيارة بيك آب تابعة لشركة فيدس ( FiDS) داخلها شخص ذو ملامح شرقية وعلى الأرجح أنه تركي ، وثمة سيارة أخرى فارهة وقفت بمحاذاة سيارة أبو العبد ، ترجل منها شخص ذو ملامح أوربية بحتة ، تحدث مع مندوب الشركة هيلموت الذي وقعا في مكتبه تلك التواقيع الكثيرة ، والذي راحا يدعوه بأبي التواقيع ، مالبث أن تقدم نحوهما .. نحّـاهما جانبا ً وقال لهما يرشدهما : إذا سألكما منذ متى تعملان في شركتنا ، قولا له : منذ ستة أشهر . لقد قلت له ذلك ، ومدحتكما ، وقلت له أنكما من عمالي النشيطين .
عاد إليه .. واصلا حديثهما ، بينما انتهز أبو العبد وعاصم الفرصة لإحتساء بعض الشاي الذي كان أبو العبد قد أعده في البيت مسبقا ً وأحضره في (الترمس)* ليحتفظ بحرارته .
انتهت مهمة السيد هيلموت ، تركا سيارتهما عند باب الفويست وركبا سيارة المعلم الجديد ، الهادئ في سياقته ، والذي لم ينبس ببنت شفة ، ولم يعرّفهما على نفسه .
انعطف يسارا ً في ممر جانبي ، ثم انعطف ثانية حتى وصلوا إلى منطقة مليئة بالصهاريج ، صهاريج سوداء مطلية بالأسفلت وكبيرة .. و عالية ، عالية جدا ً ، وورائهم توقفت سيارة البيك آب التي كانت تتبعهم وفيها تركي واحد في العقد الخامس من عمره اسمه عرفان ، قدم نفسه وبلكنة تركية على أن اسمه Arfan (قرفان) .
ترجل الجميع من السيارات ، جمعهم السيد هوفر (المعلم الجديد) وراح يوجه تعليماته الخاصة بالعمل .. ” هذا العمل يتطلب نشاطا ً متميزا ً ، لا تنسوا أن تلبسوا الجزمة المطاطية وطاقية البلاستيك .. لكن اخلعوهما قبل دخولكم هذا المبنى ( أشار إلى المبنى بيده) وفيها .. غرف الإدارة ، صالة تبديل الملابس مع الحمامات ، وغرفة تناول الطعام .. ” ..
ثم تابع القول : ” استراحة الفطور من التاسعة حتى التاسعة والربع .. استراحة الغذاء من الثانية عشر حتى الثانية عشر والنصف .. يبدأ العمل في السابعة صباحا ً وينتهي في الخامسة مساء ً .
سـلم ّ كل منهم طاقية واقية من الإرتطام .. وأوفر – أول أبيض ، كفوف ، وسدادات للأذنين .
– هيا للعمل .
لبسوا ماتسلموه بسرعة ، حمل عاصم (الكومبريصة) الموجودة في أسفل الصهريج .. صعد السلم إلى فتحة فوق ، دائرية تقع في منتصفه تماما ً .. وصاحبه (أبو العبد) حمل (الكومبريصة) الأخرى .. تبعهما حسـن إلى الأعلى ، جاء شخص رابع قيل لهم انه المشرف على العمل (forarbeite) .
ثلاثتهم دخلوا في الفتحة والرابع قعد على بابها تلقى ما يخرجوه ليرميه خارجا ً ، في الجانب الآخر كانت هناك ثمة مجموعة أخرى من العمال .
(الكومبريصة) تعـن ّ .. وهي تقص الأسفلت ـ أتعبت عاصم من ثقلها فهي تزن أكثر من عشرين كيلوغراما ً ، وأبو العبد يمارس هوايته المفضلة (الأعمال الشاقة) ويعامل الأسفلت بالمعول والرفش ، ولودفيغ (الفور أربايتر) والقاعد على الفتحة يخلصها ويناولها لحسـن .. وهكذا ..
في زحمة العمل تعرف أفراد المجموعة على أفراد المجموعة الأخرى التي تعمل بجانبهم ، كلهم من البوسنة .. ادريس .. ياسمير .. ميرساد .. يتبعون لشركة (مقاولات عمال) أخرى مقرها في سالزبورغ المدينة المحاذية لألمانيا من جهة ميونيخ ، وهم مزودون بمكائن أكثر تطورا ً من مكائن ورشة عصام وأبو العبد وحسن ولودفيغ ، أو بالأحرى من ورشة السيد هوفر ، هذا إضافة إلى الصهريج (الخزان) الذي يسوقه في العادة (ياسمير) وله خرطوم أسود طويل يشفط الأسفلت من دوائر (الخزان) بعد إذابتها بالماء الحار .
عشر ساعات قضوها وتحت أشعة الشمس المحرقة في بطن خزان واحد رجعوا بعدها إلى بيوتهم يشحذوا هممهم لليوم التالي .
أكلوا ، ناموا .. وتتالت الأيام .. من ( الفرشة إلى الورشة) .
تفائلا خيرا ً (عاصم وأبو العبد) يشكرا الله على النعمة ، يكرر عاصم مايردده أبو العبد في تسبيح مقسم الأرزاق .. ويدعياه أن يكفّ عنهما شرور الغازات السامة ، ويعنهما على مقاومة آلام الظهر واليدين ، واحتراق جلد وجهيهما وأياديهما بسبب تعرضهما لحرارة الشمس التي تذيب الأسفلت داخل الخزان فتحيله إلى سائل يجاهدان ومعهما حسـن التركي لتخليص أرجلهم من الإلتصاق به أثناء العمل ، ولم ينسى عاصم في مذكراته أن يكتب : ” .. وأنكر أني وقعت مرّة على ظهري فالتصق الأوفر – أول بالأسفلت مما اضطرني أن أخلعه لأنجو بحياتي .. وإلا .. للصقت إلى الأبد .. ” !!.
خلال الأيام الثلاثة الأولى توارد ستة عمال ، ثلاثة منهم يوغسلاف ، والبقية من جنسيات مختلفة ، لم يقاوم منهم أحد ، جميعهم تركوا العمل بعد سويعات قليلة ولم يبق في الميدان إلا عاصم وصاحبه .
في الأسبوع التالي جاءت مجموعة جديدة أخرى : عثمان (تركي) .. يوهان (روماني) وآلان (كردي) من كردستان العراق . بوصولهم تم تقسيم العمل على صهريجين ، ثم إلى خزان كبير يبعد حوالي مائتي متر .
يتسع كل خزان منها لمليونين وخمس مائة متر مكعبة هي – بقايا أسفلت – بخار ماء وأنابيب حارّة تحرق الأسفلت وواجب العمال هو أن يدخلوا مع الخرطوم يساعدونه في شطف كل تلك الشوائب .
وضع عاصم كمامة على فمه إسوة بالآخرين ، ودخل .. يقول في مذكراته أنه تحّـمل الرائحة والحرارة أكثر من غيره ، أربعون دقيقة بالضبط ، بينما لم يستطع غيره التحمل لأكثر من عشرين ..
في اليوم التالي اضطر صاحبنا لزيارة طبيبة الأسنان في شارع (موتسارت شتراسه) ، شرطت له الفك العلوي فتقيأ دما ً وقيحا ً . كتبت الطبيبة له تقريرا ً واستراحة من العمل (نقاهة) ليوم واحد لم يوافق عليها السيد هيلموت ، طلب منه التوقيع مجددا ً على أربعة صفحات جديدة اعتقد عاصم بأنها طلب حصول على إجازة يوم واحد (دون أجر) .
استمر عاصم بعدها بالعمل لمدة عشرة أيام متتالية بما فيها عطلة نهاية الأسبوع ويوم الأثنين الذي كان قد صادف يوم عطلة رسمية في تلك البلاد .
قبيل انقضاء العشرة أيام بيوم ألم ّ به ألم شديد في المعدة ، وضيق في التنفس . وحال وصوله عيادة طبيب العائلة سألته السكرتيرة وقد أعياه المرض وظهر على وجهه التعب عن مرضه ، فقال لها : معدتي وصدري ، فما كان منها إلا أن كتبت له استراحة لمدة ثمانية أيام دون أن تسأله إن كان بحاجة للطبيب أم لا .
في اليوم التالي اتصل عاصم بالسيد هيلموت وسأله ليتأكد بأنه لايزال في إطار العمل : ” هل آتي غدا ً ، فأجاب هيلموت بالإيجاب .
– في الثامنة صباحا ً ؟ – سأله عاصم .
– لا .. في السابعة – أجابه هيلموت .

في السادسة والنصف من صباح اليوم التالي كان عاصم واقفا ً بالقرب من سيارة الورشة ينتظر سائقها لتبديل الملابس ..
مرت خمسة عشر دقيقة ، توارد زملاء العمل .. الأول تركي ، الثاني تركي ، الثالث تركي .. الرابع الخامس ، جميعهم أصبحوا أتراك !! .
ثم حضر السيد هوفر وسأله : ماذا تفعل هنا ؟ فأجابه عاصم : لقد اتصلت بالسيد هيلموت فأخبرني أن أحضر الساعة السابعة لمباشرة العمل .
لم يعلق السيد هوفر بشئ ، وبعد قليل وصل السيد هيلموت الذي لم يقل شيئا ً ولكن لما سأله السيد هوفر عن عاصم توجه إلى عاصم وسأله : لماذا أنت هنا ؟!!
– البارحة قلت لي أن آتي .. أجابه عاصم ز
– لا .. قلت لك تعال إلى المكتب !!
تدارك السيد هوفر الموقف وقال موجها ً كلامه للسيد هيلموت : العمال اليوم أكثر من الحاجة ، إختر من تريد واترك البقية يذهبون إلى بيوتهم .
أخرج السيد هيلموت شخصين ، ثم قال : عاصم .. غيرّ ملابسـك .
مالبث أن عاد وغيرّ رأيه عندما تدخل عثمان .. ثالث تركي يأتي إلى العمل بعد عاصم وبعد أبو العبد ، وقد أصبح يؤخذ برأي عثمان بعد إصابة عاصم بالمرض وبعد أن ترك أبو العبد العمل …
عاد عاصم مجددا ً إلى صندوق الملابس ليغير ألبسته.. ومن جديد باشر العمل .. (كومبريصة) .. وزئير يعم ّ المكان تزززرررر .. زززز !
لاحظ أن معاملة عثمان التركي تغيرت معه بعد أن كانا معا ً يأكلان ويشربان ويعلقان على العمال ورب العمل ..
الآن تغيـّر .. لمح ّ له .. قال له ماقاله كارل ماركس ذات مرّة : ” لكل نمط من المعيشة نمط من التفكير ” فعثمان أصبح (خيال رب العمل) وأداته . تغير أســلوبه كليا ً في التعامل مع زملاءه ، فمسح الجوخ للسيد سـّهل له الحصول على امتياز عن بقية العمال .
ولجَ عاصم ثانية مع الخرطوم في فتحة الخزان .. وكمال (العامل التركي الآخر) راح يرش بخار الماء بغزارة نحو الاسفلت محاولا ً إذابته بقدر الإمكان لتسهيل عبوره خلال الخرطوم .
بقي الحال على هذا الحال ساعتان اتفقوا بعدها أن يتناوبوا .. واحد في الداخل ، وواحد في الخارج .. هكذا حتى النصف المتوقد من النهار .
وحده عاصم عمل دون انقطاع ، ولكن لم يستطع التحمل أكثر من أربع ساعات في بطن الخزان .. كاد الغاز المنبعث من الأسفلت يقتله لم يستطع التحمل ..
في النهاية وقع مغميا ً عليه ، لم يستطع الاستمرار ، فالكماشة كانت ضرورية !! وقع .. رفع رأسه .. جاهد من أجل الوصول إلى مجرى الماء ، ركب سيارته واتجه كيفما اتفق إلى مركز الإسعاف .. تسارع رجلان ، سألاه عن الأمر .. قال لهما : إنه التسمم !!
أمسكاه من يديه .. تراكضوا نحو سيارة الإسعاف ، كان عاصم يتخبط في المشي ويتألم .. كيفما اتفق .. يتلعثم في الكلام ..
وضع رجل الإسعاف كمامة على فم عاصم ، وسأله ماهي طبيعة عملك ؟ كيف حدث هذا ؟
لم يفهما منه شيئا ًالصورة ليست واضحة لا أمامه ولا أمامهم !! ..
أدار السائق محرك سيارة الإسعاف .. توجه مسرعا ً نحو مكان الحادث ( ليتحقق من الأمر) بينما كان زميله الآخر يحكم كمامة الأكسجين على فم عاصم وأنفه .
– هنا مكان عملي .. عند الباب الرئيسي .. قبله قليلا ً إلى اليمين .. مشوا .. هرولوا ، هذا مكان عملي ، لا .. إلى الأمام قليلا ً هناك .. هذا الخزان ؟
– بهذا الخزان ..
– هذا الخزان .. الخزان الكبير ؟ !!
– ياللمصيبة ..
– إنه .. نعم مصيبة .
ركضوا والرجل يحمل الكمامة ويتبع عاصم .. يروح ويجئ كما يفعل عاصم حيث أخذ مفعول الغاز يظهر شيئا ً فشيئا ً !!.
– هناك تعمل ؟
– لا في الطرف الآخر .
– توجه إلى الطرف الآخر .
– لا .. لا إلى الأمام قليلا ً .. مشوا .. هرولوا ..
– هناك .. هذا هو الخزان .. قال لهم عاصم .
– بهذا الخزان .. هذا الخزان الكبير ؟!!
– نعم .
– وهل جرى لزميلك ماجرى لك ؟
– إنه يضع كمامة كالعادة ، ولم يشكو إلا من العطش !
عادوا إلى السيارة .. انطلقت مع صفير تهرب منه كل العصافير الجميلة ..
حمالة .. كرسي حمالة ، دخلوا غرفة الإسعاف الأولى .. تحقيق آخر ..
طبيب يسأل ، امرأة تكتب على الكومبيوتر ، بعد قليل امرأة تسأل ، رجل يتابع ، يسأل .
تم تحويله إلى القسم رقم (3) .. تحلقت حوله مجموعة من الناس ، وضعوا الكمامة على فمه ، ذكروه بكمامة فرع المخابرات .. تحقيق آخر .. كتابة ..
سرير متحرك ، تركض ممرضة ، خلعوا ملابسه ، صوروه أمام عدسة أشعة رونتجن ، أدخلوه غرفة أخرى .
شابتان جميلتان خلعتا له ملابسه ، ودتا تحميمه ، استحى .. اعتذر ، خرجتا ليغسل روائح الأسفلت العالقة تحت أظافر قدميه ..
لم يقبل أن يريهن ّ عورته .
كمامة الهواء جاهزة مع السرير ، ممرضتان تسعيان ، قالت إحداهن للأخرى إنه شاب جميل ، ثم التفتت إليه وقالت : هذا الزر للراديو ، وهذا للضوء ، وهذا إن احتجت لإحدانا ..
امرأة أخرى تدخل ، معها عدة أنابيب ، وخزته بابرة ، راحت تمص بواسطتها دمه لتنقله إلى أنابيب أخرى في المختبر .
لم يكن معه هاتف للإتصال بزوجته .. انتظر حتى الخامسة مساء ، تذكر أنه ترك سيارته بعيدا ً بالقرب من سيارة الإسعاف التي أسعفته ، وأن ألبسته في الخزانة ، وهي دون قفل .
طلب من الممرضة الحسناء هاتفا ً للإتصال بزوجته فجاءته بهاتف نقال .. اتصل بزوجته فارتعشت من الخوف وراحت تسأله أسئلة عديدة .
– قال لها : من فضلك ، الهاتف مكلف ، وهو ليس لي ، أسرعي إلي لخبرك بما حدث .
أعاد الهاتف للحسناء ، وشكرها على لطفها ورفعة ذوقها .
تتالى الزوار على زميله المجاور ، تأخرت زوجته نصف ساعة ولم تأت .. الوقت يمرّ ببطء شديد ، وزوار زميله يتكاثرون ، كل أعضاء المسرحية تناوبوا على زيارته ، فتاة ناعمة وحدها كانت إلى جانبه طيلة الوقت .
في تلك المدينة هما وحيدان ، زوجته وهو ، لا أهلها ولا أهله .. ولا ولد ، والأصدقاء منهمكون في زحمة العمل من أجل استمرار الحياة .
أخيرا ً وصلت زوجته ومعها صديقتها .. والهاتف اليدوي ، حققتا معه مجددا ً ، فأجاب مقتضبا .
حاول الإتصال بأبو العبد صديقه وصاحبه لكن لم يستطع لأن أبو العبد هذا يغيرّ أرقم هواتفه باستمرار ، عاصم نسي رقم هاتفه الأخير ..
يرتاح إليه أكثر من غيره لأنه لا يتكلم على غيره كالآخرين ..
عاصم وزوجته ليس لديهم أصدقاء نمساويون ، فالنمساويون لايحبون الغرباء .. يخجلوا حتى من العلاقة معهم ، وإن أحب أحدهم أن يكون أمميا ً أكثر من اللازم فإنه يصادق أفريقي ليظهر للآخرين مدى أمميته !!
يخافوا الغرباء ، ويعتقدوا أنهم وبتزاوجهم منهم سيخلقوا مشكلة ديموغرافية في مستقبل البلاد .
عاصم يخاطب زوجته أحيانا ً ، يقول لها : إننا وحيدين في الغربة .. منفيان .. مبتذلان ..
نراهق أحيانا ً .. نسرق احيانا ً ، ولكننا لانكذب ّّ ..
كل يوم تتناوب ممرضتان على خدمته ، ومنظفة ، وواحدة تجلب الأكل ، وواحدة للقهوة والشاي ، وواحدة تسأل عن الصحة . وطبيب وطبيبة ..
تعرف على البعض من أسمائهن .. تبادل معهن الحديث ، فحديثهن شيق !! إحداهن تساعده يالإتصال مجانا ً بالهاتف ، وواحدة أهدته ثلاثة ليترات من عصير الفاكهة ، وواحدة تومئ إليه بنظرات عطشى ..
يبتسم في وجوههن ويسترق النظر إلى قفاهن ، فجمال المرأة في وجهها .. جيدها .. قفاها .
لم يهديهن غير الدعاء ، زوجته تنعته بالكحتوت خارج علاقتهما الزوجية ، والحياة علمته الكثير .
في القسم العلوي ” قسم العناية المركزة ” ودعته ليزا حتى باب المصعد ، وشيعته بابتسامة لذيذة .
===========
* كاتب وناشط سياسي .






اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *