الرئيسية » مقالات » موقع الكرد في الانتخابات السورية

موقع الكرد في الانتخابات السورية

لايختلف اثنان على فهم المزاج العام للجمهور الكردي – كما هو الحال لدى شعبنا السوري برمته – والمعبر عنه بعدم مبالاته بحسه الأصيل بمسرحية الانتخابات بفصليها البرلماني والرئاسي ومضيه في الحياة العادية بشكلها الطبيعي وكأن الأمر لايعنيه من قريب أو بعيد فذاكرته تشي له بما حصل في سابق السنين في ظل القوانين اياها والسلطة ذاتها التي توظف في برلمانها من تشاء ليس من العرب فحسب بل من الكرد والقوميات الأخرى كما أن شعبنا اختبر في العمق وعلى أرض الواقع في بعض دورات هذه المسرحية بالماضي القريب أنفارا من بني جلدته من الذين أكرمت عليهم سلطة الاستبداد وأوصلتهم الى جنة البرلمان دون أن يحركوا ساكنا أو يبلطوا شارعا في منطقتهم أو يحققوا حتى اعادة جنسية واحد من مئات آلاف المجردين من حقوق المواطنة أو يتمكنوا من درج القضية الكردية في جدول أعمال جلسة ولو يتيمة من جلسات مجلسهم وبذلك يمكن فهم الموقف الكردي على حقيقته متجسدا في اللامبالاة السلبية ولسان حاله يقول : لا مشاركة في المسرحية ترشيحا وتمثيلا واقتراعا . وبسبب السيولة الزائدة في المجموعات الحزبية هذه الأيام وتعدد الآراء الجادة منها والعشوائية والافتقار الى توفر قوى سياسية منظمة ومؤثرة وذات قاعدة شعبية عريضة في الوسط الكردي حتى تعبر فعلا وبصورة موضوعية عن جوهر الموقف القومي الكردي من كافة الظواهر والأحداث الوطنية مثل موضوعة الانتخابات ولا ضير هنا من بلورة موقفين مختلفين قابلين للاجتهاد والبحث والنقاش واحد مع المقاطعة الكاملة وآخر مع المشاركة الكاملة ( من دون موقف البين البين أو المشاطعة ) وطرح ما لدى الطرفين من حجج ومبررات وأسباب وأيهما أكثر تمثيلا لمصالح الكرد والشعب السوري وقضية التغيير الديموقراطي والوحدة الوطنية لأنني أزعم باستحالة الفصل بين هذه المسائل التي تتكامل مع بعضها من حيث الجوهر .
قد يراقب البعض بامتعاض وحزن ما يشهده هذه الأيام من تقلبات سريعة وعدم استقرار من جانب بعض المجموعات الحزبية والأفراد ( بعضهم قاطع في الليل وشارك في النهار ) أو العكس والبعض انسحب بعد طول انتظار – لغودو – الذي لم يصل أبدا , وحتى نكون أكثر موضوعية لم يقتصر هذا المشهد على الكرد فحسب بل يكاد يطغي على الساحة الوطنية عموما لأسباب عديدة يمكن ملامسة أهمها :
أولا : اغلاق جميع الأبواب أمام الارادة الشعبية الحرة بواسطة أدوات النظام وبناه الدستورية والقانونية التي وضعت وسنت حسب مقاسه ومن أجل الحفاظ عليه منذ أربعة عقود والتي أدت من جملة ما آل اليه الوضع الى وأد أية تقاليد أو تجارب في مجال المنافسة الديموقراطية الحرة لمصلحة الهيمنة الشمولية وبقوة أجهزة القمع والخوف .
ثانيا : وكتحصيل حاصل لنتائج تسلط النظام الشمولي الاستبدادي لمدة زمنية طويلة تواكب جيلا كاملا وكي لانبرر أوجه التقصير نقول : لأسباب ذاتية أيضا أقلها الضعف والتردد وعدم التسلح بالبرنامج السليم لم تظهر حتى اللحظة حركة معارضة منظمة تستطيع المواجهة السياسية والجماهيرية الفعلية وتطرح برنامج الحد الأدنى في تجسيد ارادة ومصالح الأغلبية الساحقة من السوريين بمختلف قومياتهم ومكوناتهم الثقافية والاجتماعية حتى بيانات مقاطعة الانتخابات من جانب الطرفين الرئيسيين في المعارضة الوطنية ( الجبهة والاعلان ) اما لم يسمع بها الا قلة من النخب ولم يلتزم بدعواتها الا الأقل وجاءت ضبابية من حيث الأسباب والأهداف الاستراتيجية ومتأخرة جدا بعد أن ترشح من ترشح خاصة في العاصمة والمدن الرئيسية .
ثالثا : في سياق تبرير المشاركة من جانب البعض أرى من الضروري مناقشة حجتين تجانبان الصواب حسب فهمي أولاها عندما قورنت الحالة السورية بالوضع في تركيا من جهة أحقية وجدوى المشاركة الكردية في الانتخابات وبالتالي الاقتداء هنا بما حصل هناك وكما هو واضح فالمقارنة بين الحالتين لا تستند الى أساس متين لأن هناك تقاليد ديموقراطية نسبية وقانون انتخاب وقانون لحرية الأحزاب والجمعيات وقانون حر للاعلام وقضاء يتميز بهامش من الاستقلالية وأخيرا هناك تهيب من مراقبة أوروبا لقضايا الحريات وحقوق الانسان أما هنا فحدث ولا حرج من حيث طبيعة النظام الاستبدادية وحكم الحزب الواحد وحتى قانون الانتخاب المعمول به , وهناك كتلة كردية متماسكة متمركزة حتى الآن حول تيار – ب ك ك – السائد الذي بامكانه استقطاب الأغلبية الشعبية وتوجيهها كما يشاء وقد حقق نجاحا في السيطرة الكاملة على مجالس بلديات اقليم كردستان تركيا ولم يحقق النصر في الانتخابات البرلمانية بسبب الشروط التعجيزية التي فرضتها الحكومة من منطلقات عنصرية أما هنا فصورة العجز في الحركة السياسية الكردية واضحة وجئنا على أهمها ولا تحتاج الى سرد التفاصيل , أما ثانيها فكان الدعوة الى فك ارتباط الكرد عن حركة المعارضة الديموقراطية السورية المقاطعة للانتخابات والانفراد بالمشاركة وهنا حتى لو سلمنا بضعف المعارضة وعدم انتظار – انتصارها – في المدى المنظور لايجوز التخلي عن التحالف والعمل معها حول الأهداف المشتركة فالابتعاد عنها يعني التخلي عن العيش المشترك والصداقة والعلاقة المصيرية مع شعب سورية وأغلبيته العربية وقومياته الأخرى من منظور أن النظام الحاكم لايمثل الشعب السوري والعرب على وجه الخصوص ولا يعبر عن ارادتهم في ممارساتنه الشوفينية العدائية تجاه الكرد في حين أن حركة المعارضة الوطنية ستبقى الحليف الراهن والمستقبلي لشعبنا وقضيتنا المشروعة بالرغم من كل المآخذ والملاحظات , وكلنا يعلم مدى الخذلان الذي أصيب به التيار اليميني المهادن لسلطة الاستبداد والذي لم يحصد خلال محاولاته منذ عقود سوى المهانة وضروب الندم , والتجربة السياسية الكردية في بلدان المنطقة أثبتت للمرة الألف استحالة حل القضية القومية الكردية في ظل أنظمة الاستبداد والدكتاتورية الشمولية وضرورة التفاهم مع القوى الديموقراطية في القوميات السائدة وهي خيار يحتاج الى المزيد من الجهد والصبر والمثابرة من جانب الوطنيين الكرد كثمن لأهمية وقدسية قضيتهم أما الفصل الميكانيكي حسب تمنيات ذاتية تحت ضغط الحدث العابر وأمزجة من خارج معاناة تجربة الحركة القومية فلن تجد لها أثرا يذكر في المستقبل الكردي .
رابعا : ان كل ما شهدناه حتى الآن من مظاهر سلبية في الشارع الوطني ومن ضمنه الكردي وما سنشهده لاحقا نابع حسب ظني من واقع ماثل جاسم على أرض الواقع منذ عقود نخطىء عندما نغفله أو نقفز عليه وهو نجاح نظام الحزب الواحد الشمولي وبمرور الزمن في تشييد بنية تحتية ادارية بشرية وحتى مجتمعية في كافة مناطق البلاد كقاعدة لبنى النظام الفوقية من مؤسسات الرئاسة والحكومة والبرلمان والجيش وخطاب سياسي وثقافة وآيديولوجيا تدير تلك القاعدة منظومة أمنية متعددة التشعبات ومركزية القرار تتلقى الأوامر والتوجيهات في كل صغيرة وكبيرة من الدولة المصغرة في العائلة الرئاسية وهنا آمل أن لا أتهم بالمبالغة عندما أقول أن كل الأبواب مغلقة باحكام أمام أية مناورة من جانب أي طرف معارض صغيرا كان أم كبيرا يحاول المشاركة في الانتخابات بهامش استقلالي وخارج قوائم السلطة ليحقق الفوز وبخلاف مخططات سلطوية معينة لتلميع البعض وايصالهم الى المجلس – كمعارض – ( وهذا اسلوب أمني متبع في بلادنا ) فان نسبة الاختراق تكاد تكون معدومة وهذه الحقيقة كفيلة بتفسير مظاهر التردد والضياع والانتظار واللاحسم – والمشاطعة – من جانب بعض المجموعات الكردية بالذات التي كان عليها استيعاب الدروس الماضية في هذا المجال ان كان من تجربتها الخاصة أو من من سبقتها .
خامسا : من الملاحظ أن هذه الدورة أيضا لم تشهد في الساحة الكردية أية- حماوة – تذكر بانعدام تزاحم أجهزة النظام في فرز صفوف المنتظرين من بعض مسؤولي المجموعات الحزبية الطامحين واستحضارهم الى البرلمان كما حصل في دورة سابقة شهيرة ما زالت مثيرة للجدل في الوسط الكردي التي تستحق أن نطلق عليها تسمية – أم الدورات – كرديا فماذا تغير يا ترى ؟ هل أن النظام لم يعد بحاجة الى تمثيل كردي في برلمانه بعد انعدام الأسباب الضاغطة ؟ أم أن خارطة القوى قد تغيرت منذ الهبة الكردية الآذارية قبل ثلاثة أعوام ؟ أم أن أوساط النظام في مرحلة مراجعة لأوراقها بعد التطورات اللبنانية وانشغالها بمسألة الصلح مع اسرائيل ؟ أم أن الحركة السياسية الكردية لم تعد تشكل خطرا كما في السابق بسبب تفككها وضعف برنامجها وتراجع سياساتها وترهل قياداتها وبالتالي لا يتطلب الأمر عناء البحث والمتابعة واهدار الوقت لوجود أولويات أهم ؟ كل هذه التساؤلات المشروعة برسم المثقفين والسياسيين الكرد للاجابة عليها بوضوح لفائدة قضيتنا الوطنية المشتركة في تحقيق التغيير الديموقراطي في البلاد ومصلحة حركتنا الكردية التي أحوج ما تكون اليوم الى اعادة البناء تنظيميا وذاتيا وفكريا وسياسيا لتقوم بدورها المنشود على أكمل وجه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *