الرئيسية » مقالات » التاريخ يتكلم الحلقة 75 وصلت بغداد خريف 1983

التاريخ يتكلم الحلقة 75 وصلت بغداد خريف 1983

شعرت بالقلق لان طالت اقامتي في ذلك المهجر, وطلبت ممن استضافني ان اغادر البيت. اخبروني بامكانية ايصالي الى بغداد.
وهكذا توجهت في الرابعة صباحا الى بغداد بسيارة خاصة يرافقني (خ), كنت قد ارتديت الملابس العصرية واستقليت الحوض الخلفي للسيارة. تجاوزنا نقطة السيطرة الاولى فالجنود كانوا مايزالون يغطون في النوم. بسرعة فائقة كان (خ) يقود ليتجاوز النقطة الثانية, وكلما وصلنا الى واحدة من تلك النقاط كنت اتظاهر بالنوم بسبب دوار الطريق. تجاوزنا سيطرات خمس بسلام, وواصلنا الانطلاق لنصل مشارف بغداد ظهرا. كانت مجازفة ولكنها تكللت بالنجاح, اوقف (خ) سيارته بعيدا عن المنزل وترجل اليه طالبا من اصحابه فتح الباب الخلفي وهو باب المطبخ لادخل منه دون ان يلاحظ ذلك الجيران. كان ذلك ما اتمناه فقد كنت اتطلع الى اللقاء بالمحامي (ر) (استعمل الرموز كناية فاصحابها مازالوا يعيشون في العراق, والافصاح عن اسمائهم يشكل خطرا عليهم وقد يضع نهاية لحياتهم) اني اكن لهم احترام من نوع خاص ومودة لا نظير لها وخصوصا المحامي (ر) الذي قبل وجهي لدى لقائي به حيث سقطت من عينيه دمعة. انه من الاصدقاء المقربين لوالدي . كان يشعر بالالم لعدم تحقيقي لامنيتي باللقاء بالوالد, الذي كان يحلم برجوعي بالدكتوراة وتبوئي لتلك الدرجة العلمية.
كان للمحامي (ر) اطلاع واسع على الوضع السياسي وبوضع الحكم القائم.
في تلك الفترة اعتمد نظام للمراقبة في بغداد باعداد استمارات خاصة توزع على المواطنين تستعلم عن عدد الافراد القاطنين في كل منزل, وعن الضيوف ان, وجدوا, ومدة بقائهم, وهل هناك مجندون من بين افراد العائلة؟ فتذكر اسماء وحداتهم العسكرية ومكانها. كان النظام يحصي حتى الانفاس, فلا يستطيع المرء العيش بسلام وامان حتى في عقر داره.
كنت لا اخرج الا في الليل او في الصباح الباكر, مرة في الاسبوع, اذا غادرت مبكرة اعود تحت جنح الظلام, فتطفأ انوار البيت الخارجية وانوار الحديقة لتفادي افتضاح امري من قبل الجيران. غرفتي كانت في الطابق الثاني موصدة الابواب والنوافذ.
تقطن البيت أم مع اثنين من بناتها اما الذكور فهم عسكر وبينهم من هو خارج العراق. كنت استرق السمع الى الفتيات وهن يطرزن او ينسجن الصوف اذ كان الموسم شتاء.
كنت اشغل الفراغ بالقراءة او النسج فهي ايضا وسيلة تسلية وقضاء للوقت واحيانا اطلب النزول الى المطبخ لاقوم باعداد الطعام والطهو لاني كنت بحاجة الى الحركة, كانت ابواب ونوافذ المطبخ تغلق قبل نزولي اما اذا رن جرس الباب الخارجي فكنت اغادر المطبخ فورا لادخل غرفتي واحكم اغلاق الباب والنوافذ.
كنت اتطلع الى اللقاء بالمحامي (ر) (استعمل الرموز كناية فاصحابها مازالوا يعيشون في العراق, والافصاح عن اسمائهم يشكل خطرا عليهم وقد يضع نهاية لحياتهم) اني اكن لهم احترام من نوع خاص ومودة لا نظير لها وخصوصا المحامي (ر) الذي قبل وجهي لدى لقائي به حيث سقطت من عينيه دمعة. انه من الاصدقاء المقربين لوالدي . كان يشعر بالالم لعدم تحقيقي لامنيتي باللقاء بالوالد, الذي كان يحلم برجوعي بالدكتوراة وتبوئي لتلك الدرجة العلمية.
كان للمحامي (ر) اطلاع واسع على الوضع السياسي وبوضع الحكم القائم.
كان اللقاء حار (ر) اكثر من ساعة تحدثنا فيها عن الامور السياسية وعن وضع النظام العراقي, كما سألني عن الخطط المستقبلية للبيشمركة وهل بامكانهم اسقاط النظام؟ متى ؟ وكيف؟ قلت انا الانطلاقة كانت من البيشمركة ,لكن قوة المعارضة تقاس بقوتها وتأثيرها في الداخل, بقدرتها على التعبئة الجماهيرية والتأثير على الوضع القائم. لم استشف منه أي رد ايجابي ولم يعكس صورة متفائلة عن الخطط المستقبلية ولم يبعث في الامل اطلاقا. وعوضا من الاسترسال على ذلك النحو, وهمي الوحيد ان اكون على بينة مما يجري في الداخل. تحول للتحدث عن دراستي وعن اموره العائلية وعن اصدقاء له في صفوفنا. استدركت والغم يسيطر علي والخيبة تراودني بأن تقديراتنا كانت كما يبدو غير واقعية واننا متفائلون اكثر مما يجب. اجاب بلهجة العالم بالامور, ان النظام اقوى مما نتصور, اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.
بعد مغادرته, انكببت على كتابة تقرير سياسي مستندة الى المنعكسات والمعطيات التي تبلورت لدى حديثي مع المحامي (ر) وارسلته للقيادة في الموجودة حينها في كردستان.
في اليوم التالي رتبت مع (ط) ان يجمع بعض اصدقائه الجامعيين واسمع حديثهم من وراء الستار دون ان يلتقو بي . جاء (ط) مع شلة من اصدقائه وهم زملاء له في الجامعة وكلهم من المعارضة. كانوا في صالون البيت( الهول) بينما انا في صالة المعيشة, كانوا يتحدثون بهدوء عن الوضع السياسي الراهن. طلبت من (ط) ان يكون يفتح الحديث عن”الوضع السياسي والمعارضة والحرب العراقية الايرانية وهي في عامها الثالث”لاسمع وليكون بمقدوري متابعة ما يدور حول المعارضة, وانا انصت من وراء الباب. ايقنت من خلال ارائهم صعوبة التحرك ان لم نقل استحالته, فالقمع والبطش والارهاب والاساليب البربرية هي السياسة المتبعة من قبل النظام. كانت آمالهم معلقة على البيشمركة, والبيشمركة ينتظرون الزلزال القادم من الداخل! الكل يتمنى لكن كيف الطريق الى تحقيق ذلك؟ اسمع الحوار وادونه, وارسل التقارير المسهبة اصف فيها قوة النظام وسطوته, تحتاج ازاحته الى تنظيم قوي داخل القوات المسلحة. وكان الصراع حول كيفية خلق تلك الركائز, فقادة الجيش من المقربين للطاغية او الغارقين بنعمه, لقد خلق طبقته العسكرية متمثلة بقادة التشكيلات الغارقين في الرفاه والبحبوحة المادية, الجنود عندهم آلات لتنفيذ مآربهم, وارواحهم ودماؤهم ارخص من التراب لديهم, ولا يتوانون عن التضحية بالآلاف منهم ارضاء لنزوات الطاغية.
كنت – كما اسلفت – اتجول مرة كل اسبوع. كنت استقل الباص من الصباح الباكر وحتى المساء ترافقني البنات الشابات (أ-ا) واحيانا لوحدي. ادخل المحال التجارية متظاهرة بالشراء واتبادل الحديث بلهجة لبنانية (لخلق جو من الاطمئنان) حول الحرب العراقية – الايرانية. القدرة الشرائية عالية وملفتة للنظر داخل العاصمة والمدن غير الحدودية, الحياة طبيعية ومشاريع العمران مستمرة والشركات الاجنبية تنجز في العاصمة خطوط السير السريع مغيرة معالم المدينة, فيما تقوم عمارات سكنية في شارع حيفا وزيونة, مزودة بكل وسائل التقنية المركزية الحديثة. وكان من بين شعارات الحكم ذلك الوقت ” يد تبني ويد تقاتل ” ” القلم والبندقية فوهة واحدة ” ونشّطت دائرة التوجيه السياسي والعسكري من جهودها لتحصين المقاتلين ورفع روحهم المعنوية, والتقليل من الامكانات والخبرات العسكرية للعدو والسخرية منه, وخلق انطباع بانهم يقاتلون عدوا تقوده شراذم مهووسة. هذا عن المجندين من القوات النظامية والاحتياط. لكن الجانب الاكثر حساسية, والذي خلق تذمرا وردود افعال عنيفة وصلت حد المجابهة المسلحة, فكانت هي الحملات النظامية للجيش الشعبي لتعبئة الافراد والمقاتلين من جميع فئات الشعب وحتى المرضى والمسنين, وزجهم في الحرب. وقد دفع الثمن الطبقات الفقيرة التي لا تستطيع دفع الاتاوة لقادة التشكيلات (وهم الحزبيون الطامعون في الحصول على الترقيات والمكاسب الشخصية) كلما هيأوا الاعداد الوفيرة من المقاتلين, هذا اولا, وثانيا, كان يتم انتقاء نماذج من ذوي الحرف والاثرياء لانجاز بناء مسكن لهم, وحرث حقل او تأثيث دار, ناهيك عن الهدايا التي كانت تقدم لهم من مال ومجوهرات من قبل المجندين, عنوة, لقاء اعفائهم من الخدمة في قواطع الجيش الشعبي او منحهم اجازات طويلة, حالهم حال قادة تشكيلات القوات النظامية. وبالمقابل كان يجري التشدد مع غير القادرين او غير المتنفذين, اذ كانت تجري ملاحقتهم في مساكنهم او دوائرهم او في الازقة والطرقات, وكانوا يساقون الى جبهات القتال بدل القادرين والمتنفذين. فاحتمى المواطنون في دورهم واطفأوا الانوار واسدلوا الستائر, وكلما بدأت الاستعدادات لتهيئة قاطع, وهو يستغرق عادة بين الاسبوعين الى ثلاثة اسابيع يهرع المواطنون الى مغادرة منازلهم او الانتقال الى المدن الاخرى او التغيب عن العمل باجازات رسمية او مرضية او بدونها, فلا تلاحظ في الشوارع غير النساء و”النشامى”! من المصريين, الذين احتلوا اماكن العراقيين في الداخل, او باتوا هم اصحاب المحال التجارية والمهنية والحرفية, اذ دأبت السلطة على منحهم الامتيازات وحقوق التملك ومساواتهم بالعراقيين, بل كانوا يحصلون على حقوق اكثر. فاذا حصلت اية مشاحنة بين عراقي ومصري فان اللوم كان يلقى على العراقي وينال العقاب في كثير من الاحيان, ناهيك عن تغلغل العمالة المصرية والكوادر الاخرى في دوائر ومؤسسات الدولة. وفي الوقت الذي منع كل العراقيين من السفر حتى للعلاج كان يحق للمصري السفر مرتين سنويا وتحويل مرتباتهم بالعملة الصعبة الى بلدهم اضافة الى عملية التخريب الاقتصادي المنتظمة وذلك باستيراد الممنوعات, والتخريب الاجتماعي اذ تفنن الوافدون بنقل خبراتهم في استعمال المخدرات وخاصة الادوية ذات المكونات المهدئة, (كانوا في البداية يستعملون ادوية السعال الحاوية على مادة الكودائين) وانتقلت تلك الممارسات الى الشباب العراقي الذين كانوا يرتادون الصيدليات لابتياع تلك العقاقير, كان معدل ما يستنزف من العملة الصعبة شهريا اذا قورن بملايين المصريين العاملين رقما يتجاوز 500 مليون دولار شهريا.
كثرت حالات النصب والاحتيال والزواج من ارامل الشهداء والاستيلاء على ماورثنه من الامتيازات الممنوحة لهن ومن ثم الفرار بها الى بلدهم, ولدى مرورك في الشوارع المقفرة لم تكن ترى الا النساء بلباس الحداد, او المسنين, واذا صادفك شاب او رجل فانه لا يعدو كونه اما مصريا او باكستانيا او من بنغلاديش او الفلبين! اولئك الاقوام والاجناس التي تقاطرت على العراق في عقود للشركات الاجنبية التي اخذت على عاتقها انجاز البنى التحتية للبلد. الكوادر الطبية المساعدة, كان معظمها من الفلبين والهند وكوبا, وكذلك العمالة في كثير من المرافق السياحية. خيرات البلد وزبدته امتصتها تلك السياسة المتخبطة بين تلك الاحتكارات وكبريات الكارتلات والشركات الاجنبية, وبين الحرب الممزقة لاوصال وامكانات الوطن البشرية والمادية والاجتماعية.
نيسان 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *