الرئيسية » مقالات » رحلة ليلية الى كوردستان

رحلة ليلية الى كوردستان

موظفة الخطوط الجوية قالت : واين احجز لك في الطائرة ؟ على الشباك او في الوسط او في المقعد الثالث ؟ قلت لها : ارجوك على الشباك . قالت طيب ، ولكنك ستسافر ليلا ولا ترى شيئا. قلت لها : اعتقد انني سأرى اشياء قد لايمكن لغيري ان يراها . استسلمت لطلبي واعطتني رقما لمقعد يقع على شباك الطائرة واعتقد انها تخيلت ان لابد ان يكون بي مس.

….. انني الان اطير فوق مزارات الكورد الايزديين ، انها تغرق في جنات من الشجر البري ، وانهر رقراقة المياه تنثال على جنباتها ، واسمع ترانيم المؤمنين ينشدون من مصحف الكورد الاولين دروس الحياة والمحبة ، الطائرة الان فوق هضبات زاكروس ، انوار بعيدة تنتشر هنا وهناك ، اكاد اسمع هسيس الغابات المحروقة والقرى الشهيدة التي قامت لتوها لتزيل رماد القهر والموت ، واكاد اشم عبق عطر حدائق النرجس الربيعي التي افترشت من جديد منحدرات تلك الارض الندية ، اكاد اسمع انفاس الاطفال الذين ولدوا بعد انتهاء الطوفان ، ولم يروا ويلات الانفالات والقتل الكيمياوي غارقون في احلام زمن جديد ات بالخير والكتب الملونة الكوردية و الكثير من الطعام والاقلام و الملابس الجميلة والمحبة والضحكات .

اكاد ارى من بين حلكة الليل ومسافات الارض والسماء الصبايا الكورديات وهن يذهبن الى المراعي مع مواشيهن دون خوف او وجل من ذئاب بشرية تقطع عليهن الطريق ، اراهن يرتبن اشياءهن الجميلة الجدية الخاصة بهن ، تلك التي اشترينها من دكان القرية العامر او جئن بها من اسواق دهوك الجديدة …. ارى جبالا ما زالت مكللة بثلوج الشتاء الفائت تناطح نجوم السماء ، وعلى ذراها ثمة عيون صقور تحدق صوب الحدود تراقب تحركات الغربان السود الذين كانوا ومنذ ان وجدوا تصيبهم العمى اذا رأوا فانوسا يضوى وسط حلكة ليل الكورد ، حاقدين على اغنيات الفرح الجبلي ونيران نه وروز ، جشعين يصيبهم الجنون عندما يرون سنبلة قمح تتفتح في حقل كوردستاني ، او وليد كوردي يفتح عينيه للحياة ، همج لايفهمون قصص العشق ، والف شيرين وفرهاد ، ومليون مه م وزين لا يساوي عندهم شيئا يذكر.

انني ارى شوارع نظيفة وجسورا جديدة وغابات من الرافعات ترتفع فوق سماء المدينة ، ومع صعاب المخاض والامه ثمة امال حقيقية تتوالد على ارض كوردستان . والذي تحقق لم يأت كهبة من احد وفي مهرجان كرنفالي ، بل انه تحقق نتيجة حروب وتضحيات غالية جسيمة عمرها عشرات السنين من المواجهة والنضال القومي الكوردي.

ورأيت مهرجانا من الرايات الملونة المنتشية بالاصفر والابيض والاحمر والاخضر ترفرف فوق قلعة اربيل ، ومباني البرلمان تزدهي مشرئبة الى الاعالي تناطح بيوت القلعة وعلى جنبات جدرانها تنعكس انوار باباكركر البعيدة ، وثمة كورد يعرضون مطالبهم بلغة العصر ، ارى اسرابا من الحمام تطير حول المنارة القديمة اتت من ديار بكر والقامشلي ومهاباد تبارك تشييد هذا الملاذ الامن ، وتحت ظلال الاشجار الوفيرة في الحدائق الجديدة اكاد اسمع وارى بواكير قصص حب تولد وابتسامات خجلى تنبئ بجمال الحياة والامل.

ورأيت نفسي اجثو امام معبد النار الباباكركري في كركوك وهي تلتهب كما هي منذ ملايين السنين لا تأبه لا للمطر ولا للثلج ولا للغزاة الذين مروا بها ، تخنقني العبرات المشتعلة بذكريات مرابع الصبا ، واكثر من خمسة عشر عاما من البعاد ، ومخلفات حرب عنصرية طائشة تديرها عصابات الحقد العنصري ضد اهل مدينتي ، سرت في شوارع رحيم اوا وامام قاسم وخرائب قيل لي انها للمرحلين ، بينما مستوطنون اغراب يحتلون بيوتهم ، واما بيت قديم مبني من الحجر في الشورجة رأيت وجه امي…

” ايها السيد رجاء وصلنا الى عنوان بيتك ” فتحت عيني ، كنت في سيارة تاكسي ….. اه ، انني ما زلت في سيدني وموعد الرحلة لم يأت بعد. ولا اعرف متى ستتحقق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *