الرئيسية » مقالات » في ذكرى الجلاء: الاستقلال بين صانعيه ومضيّعيه

في ذكرى الجلاء: الاستقلال بين صانعيه ومضيّعيه

يستحضر السوريون في السابع عشر من نيسان من كل عام ذكرى عزيزة غالية على القلوب والنفوس،مرتبطة بالجهاد المقدس والتضحيات الجسام والعزة والكرامة.ذكرى رحيل آخر جندي فرنسي عن الأرض السورية،بعد استعمار دام نحو ربع قرن ذاق السوريون خلاله صنوف العذاب والحرمان والاضطهاد والتشرد.
يستذكر السوريون هذا اليوم بكل إجلال وافتخار واعتزاز،فقد قام أبناء بررة لهذا الوطن بأكثر مما تتطلبه العقيدة السمحاء والوطنية الحقة والغيرة على الدين والعرض والكرامة وأرض الآباء والأجداد ومستقبل الأبناء والحفدة.
يستذكرون جهاد وزير دفاعهم يوسف العظمة وإخوانه المجاهدين المتطوعين وهم يواجهون الغزاة بصدور عارية ولكن عامرة بالإيمان وحب الوطن والشعب،وهم على علم تامّ أن ميزان القوى المادية ليس في صالحهم،ولكنهم على علم أيضاً أن المنية خير من الدنيّة،وأن حياتهم الحقيقية هي عندما يستشهدون من أجل المبادىء التي يؤمنون بها.
يستذكرون في مثل هذه الأيام الشيخ العالم العامل كامل القصاب وتحريضه الناس على الخروج إلى ميسلون،وهو صاحب القولة المشهورة: ” أيها الفرنسيون: لن تمروا إلا على هذه الأجساد”.كما يستذكرون باعتزاز وفخر ابن جبلة الساحلية البارّ العالم الجليل العامل عزالدين القسام،الذي لم يسعه إلا أن يبيع داره ـ وهي كل ما يملك من حطام هذه الدنيا ـ ويشتري بثمنها عدداً من البنادق ليقاتل بها الغزاة الفرنسيين الصليبيين،حتى إذا استنفدت الذخيرة توجّه مع رفيق دربه وشقيق روحه كامل القصاب إلى مدينة حيفا الفلسطينية،ليستأنف الجهاد العلميّ والعسكريّ هناك ضد المحتل البريطاني والعصابات الصهيونية وضد الجهل والتخلف.
يستحضر السوريون في ذكرى الاستقلال جهاد القائد البطل المتوكل على الله ابن حارم،حفيد صلاح الدين الأيوبي،إبراهيم هنانو ومعاركه البطولية،وحركة المريدين وجته في جبل الكرد،وثورة عمر البيطار وإخوته والشيخ صالح العلي في الساحل السوري،وثورة الدنادشة الأبطال في تل كلخ،والتضامن الكردي ـ العربي في منطقة الجزيرة ضد العدو الفرنسي المشترك.
وفي ذكرى الاستقلال يزفّ السوريون تحية إكبار وإجلال لقائد الثورة السورية الكبرى (1925ـ1927م) سلطان باشا الأطرش وإخوانه الصناديد في جبل العرب الأشمّ،والأب الروحي للثورة الشيخ بدرالدين الحسني،العالم الرباني وبقية السلف الصالح في أرض الشام المباركة،والقائد البطل المغوار حسن الخراط وغيره من المجاهدين في هذه الثورة،الذين افترشوا الأرض والتحفوا السماء وذاقوا خلالها الخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس والثمرات،ولكنها في الوقت نفسه لقّنت المحتلين دروساً قاسية كانت بداية النهاية لهم في أرض سورية الطهور.
وفي هذه الذكرى العزيزة الأثيرة لا ينسى أبناء الوطن جهود العلماء والسياسيين والإعلاميين على درب تحرير سورية من المحتل الدخيل،في مقدمتهم يأتي العلاّمة محب الدين الخطيب والشيخ رشيد رضا وشكيب أرسلان والشيخ طاهر الجزائري والعلآمة محمد كرد علي والشيخ عبد القادر المغربي ورموز الكتلة الوطنية الشيخ علي الطنطاوي وشكري القوتلي وهاشم الأتاسي وعبدالرحمن الشهبندر وفارس الخوري وفخري البارودي وغيرهم وغيرهم ممن لا يقعون تحت حصر.
وإنْ ننس فلن ننسى الشهداء الأبطال أفراد الحامية السورية المكلفة بحراسة مبنى المجلس النيابي،الذين قضوا أثناء القصف الوحشي الفرنسي لمبنى البرلمان السوري قبل أن يُفرَض وقفُ إطلاق النار على الفرنسيين ويُجبَروا على الانسحاب من سورية.
وفي هذا المقام، من الوفاء أن نذكّر بالدور المشرّف لمفتي القدس الحاج أمين الحسيني ـ رحمه الله تعالى ـ الذي لم يصرفه همّه الفلسطيني عن الاهتمام بإخوانه السوريين،فهبّ يجمع التبرعات والأدوية والمساعدات لمجاهدي الثورة السورية والمتضررين من الأعمال الوحشية الفرنسية.وكذلك الحال بالنسبة لأفراد الجاليات السورية في المهجر،الذين ظلوا في تواصل مع الوطن الأم،وفي ارتباط وتضامن معه خلال المحن التي ألمّت به،فكانوا يرسلون التبرعات لإخوانهم،ويفضحون الممارسات غير الإنسانية للاستعمار الفرنسي تجاه مواطنيهم في الوطن.
لقد كان استقلال سورية وجلاء الفرنسيين عن وطننا الحبيب ثمرة جهاد السوريين ونضالهم،على اختلاف انتماءاتهم ومناطقهم ومشاربهم،باستثناء فئة قليلة ارتبط مجدها الزائف بوجود المحتل اللئيم،وساء هذه الفئة أن يرحل المستعمر ويتركها تواجه المحاسبة الشعبية العادلة على ما اقترفت يداها الآثمتان.
غير أن سفينة الوطن لم تجر بعد الاستقلال على الدوام كما تشتهي،وكما يشتهي ربابنتها،فقد هبّت عليها ريح وعواصف بين فينة وأخرى تبعدها عن شاطىء السلامة،وتهددها بالغرق والتدمير،إلا أن حكمة السوريين وحرصهم على وديعة الأجداد في أن يبقى الوطن عزيزاً معافى مستقلاً كانت تحول بين السفينة والمخاطر التي تتهددها.
لكنّ أعتى هذه العواصف وأشدّها خطراً وأطولها عمراً،وأكثرها إلحاقاً للضرر بالسفينة ـ وما زالت ـ كانت تلك التي هبّت عام 1963م،عبر انقلاب أسود في ليل بهيم أسود،على يد بعض المحسوبين على أبناء الوطن،تحت شعارات ولافتات برّاقة خدّاعة لم يكن لها نصيب على أرض الواقع،انخدع بها السذّج والبلهاء من الناس.
لقد كان هذا الانقلاب بمنزلة ارتكاسة وانتكاسة للاستقلال،وتفريغ له من مضامينه الحقيقية،عبر جملة من الإجراءات ” الثورية “،مثل تعطيل الحياة الحزبية،وتمييع الحياة النقابية والنيابية،وضرب الجيش ـ حامي حمى الأوطان،بتسريح ضباطه الأكفاء بحجج واهية وذرائع سخيفة،وإحلال أنصاف رجال وأشباه ضباط مكانهم،مؤهلاتهم الوحيدة أنهم من طائفة الانقلابيين وموالون لهم.وكان التفريط بأجزاء مهمة من أرض سورية أبرز إنجازات الانقلابيين،كهضبة الجولان المنيعة من خلال حرب خاطفة لم يعدّوا لها عدّتها،وكان هذا التفريط ثمن بقائهم في سدّة الحكم.
وإذا كان جيل الاستقلال قد حقق الاستقلال نتيجة تمسّكه بالوحدة الوطنية وقيم الأمة والشعب المستقاة من مبادىء الإسلام العظيم،فإن الانقلابيين قد ضربوا الوحدة الوطنية بممارسات قومية عنصرية تجاه الكرد إخوان العقيدة والوطن والتاريخ المشترك والمصير المشترك، وأفسدوا أخلاق الجيل الصاعد والناشئة،من خلال التمييز الطائفي والاستئثار بمقدرات البلد ودفع الطلبة وإلزامهم بالانخراط في معسكرات الطلائع واتحادات شبيبة الثورة،التي تحولت في أحيان كثيرة إلى مقرات لنشر الإباحية والرذيلة وتدمير القيم والأخلاق وإفساد الذمم.
لقد كان الانقلاب إعادة بسورية إلى الوراء،وكان الانقلابيون وجهاً آخر من أوجه النفوذ الأجنبي (السوفياتي،ثم الغربي الأوربي والأمريكي،فضلاً عن النفوذ الصهيوني)،الأمر الذي يتطلب من الوطنيين السوريين الغيارى التكاتف وتناسي خلافاتهم أو تأجيلها والتصدي للزمرة الحاكمة في دمشق وإسقاطها، وتخليص البلاد والعباد من شرورها،وإعادة الألق للاستقلال،ليعود الناس للاحتفال بهذه الذكرى العزيزة وهم يرفلون في ظلالها ونعيمها.فهل نطالب بالمستحيل؟وهل نطلب إلا حقنا الذي تأخرت مطالبتنا له كثيراً ؟