الرئيسية » مقالات » الكرد والعرب واليهود والسلطان العادل

الكرد والعرب واليهود والسلطان العادل

15/04/2007

الكرد والعرب واليهود والسلطان العادل
15/04/2007درويش محمىمن المفارقات العجيبة، ان يجتمع شخص محرر القدس مع من احتلها في ذاكرة واحدة، فبمجرد ذكر كلمة الكرد يقفز السلطان العادل وبصحبته البعبع اسرائيل الى الذاكرة العربية، صلاح الدين الايوبي الرجل الذي شغل العالم وما يزال، وانزل في قلوب اعداءه الرهبة والاحترام، وفي افئدة مريديه الطاعة والالتزام، وحكم مصر وبلاد الشام، وفتح بيت المقدس فتحا مبينا، وهزم الغزاة الصليبيين شر الهزيمة، واسرائيل الدولة الصغيرة جداً جداً، التي احتلت قدس كل القدس، ولم تهزم منذ اكثر من ستة عقود، وانتصرت المرة تلو الاخرى، على خصومها العرب، من محيطهم الى خليجهم .

احدهم حرر القدس والاخر احتلها، مقولة قد تشكل حجة واهية لذاكرة البعض في الجمع بين المتناقضين، لكن الامر المحير حقاً، هو الجمع بين الكرد احفاد الايوبيين مع احفاد اسحاق عليه السلام، ووضعهم في نفس الخانة والمرتبة من الخطورة والعداء للعرب، وما يعنيه ذلك من اجحاف وظلم كبيرين، فالكرد واليهود لا يجمعهما عرق ولا دين، ولا صداقة ولاسفارة، ولا جيرة ولا حدود، ولا حتى اكلة الفلافل التي تجمع اليهود وابناء عمومتهم العرب، ولارابطة الدم” السامية” ولا كلمتي شلوم والسلام التي تطلق وتقال صباح مساء هباءا منثورا، وعلى العكس الشيئ الوحيد الذي يجمع الكرد واليهود، هو انتمائهم للشرق، مع فارق بسيط، الكرد شعب مرابط لم يبرح ارض ابائه يوما ما، واليهود عادوا الى ارض الميعاد بعد قرون من الهجرة، كما ان الكرد لم يستوطنوا ارض الغير بل استوطنت ارضهم وعربت وتركت وفرست، والكرد لم يغزو ارض الغير لا فاتحين ولا مغتصبين، بل فتحت ارضهم وتعرضت للخراب وانتهكت حرياتهم واغتصبت اعراضهم، واليهود يمتلكون الاسلحة النووية والكيمياوية وجيشاً قوياً، والكرد تعرضوا للاسلحة الكيمياوية ولا حول لهم ولا قوة، واليهود يعملون على تهويد القدس، والكرد تعربت قدسهم كركوك، كما ان اليهود كانوا وما زالوا يعادون الاسلام والمسلمين، والكرد شعب مسلم مسالم، لا يناصبهم العداء الا اخوة لهم في الدين من امة لا الاه الا الله .

لا تقتصر حالة الغبن والاجحاف بحق الكرد وجدهم صلاح الدين، على الذاكرة العربية الظالمة وحسب، بل تتعداها الى اجتهاد البعض من ارباب الذكاء من العرب، بينهم ساسة وكتاب ومفكرين،لابتكار بدعة جديدة تتمثل بدعوة 40 مليون كردي للانصهار في جسم الامة العربية على طريقة صلاح الدين الايوبي، وهذا الاجتهاد العنصري يتميز بالسذاجة لامور عدة، فمقومات الامة الواحدة متوفرة لدى الكرد كما هي لدى العرب ان لم تكن اكثر، فالكرد قوم يجمعهم العرق والثقافة واللغة والتقاليد والجغرافية والتاريخ المشترك والطموح المشترك، كما ان التشرذم والتمزق الحاصل اليوم في العالم العربي، لايؤهله ليكون بالعاً لغيره من القوميات، الامر الساذج الاخر، اعتبار صلاح الدين الايوبي مثالاً للانصهار في العروبة، امر صارخ فيه الكثير من الجهل والظلام المبين، فزمن السلطان العظيم كان زمن الصراعات الدينية، ولم يكن مفهوم القومية قد وجد اصلاً، ولانه كان مسلماً تقياً اخلص لربه ودينه كان جزءاً من الصراع الديني، ولايوجد دليل واحد يثبت العكس، وصلاح الدين لم يحارب تحت لواء القومية، ولو فعلها فرضاً، وباعتباره سلطاناً تميز بالعدل والحكمة، لحارب وبدون ادنى شك لرفع لواء قومه من الكرد، والخلط بين الاسلام والعروبة، من الاخطاء الفاحشة التي يقع فيها دعاة الانصهار، فالاسلام والعروبة امرين مختلفين رغم ان العرب استخدموا الاسلام كأداة للتوسع والانتشار، والسلطان صلاح الدين كان مسلما ومعظم الكرد يدينون بالاسلام ويخلصون لدينهم، لكن هذا لا يعني بتاتاً التنازل عن قوميتهم في الوقت الذي يصر الاخر على قوميته ويتمختر بها .

للانصاف اقول ان الذاكرة الكردية ليست بافضل من الذاكرة العربية، فصلاح الدين يوسف بن ايوب لا يملك للاسف قلوب ابناء جلدته من الكرد كما ملك قلوب الاخرين، فهو جد لنا ونحن احفاده، وفيه من الرجولة والشهامة، والعدل والاستقامة، والخصائل الحميدة، ما يجعل الكرد يفتخرون به وبفرسانه، الذين قهروا الغرب والشرق بشجاعتهم وسماحتهم، انه لامر مؤسف حقاً ان لا يذكره الكرد الاعابرا، ربما لجهلهم بحقائق الامور، او ربما لما عانوه على ايدي العرب والفرس والترك من ظلم واجحاف، وهم اخوة لهم في الاسلام، الدين الذي اخلصوا له وضحوا من اجله وتفانوا، والسلطان الايوبي خير مثال على الحقيقة التاريخية تلك، على اخلاص الكرد لامة محمد، والعكس غير صحيح .

يخطأ العرب بمطالبتهم للكرد ان يكونوا كصلاح الدين ويتنازلوا عن هويتهم، فصلاح الدين لم يتنازل عن هويته، لان الهوية وقتها كانت للدين، واخلاصه لدينه كان اخلاصا لملته، ويخطئ الكرد وهم يلومونه على تقاعسه عن تحريرهم، وكلا الطرفين الكردي والعربي يخلط الماضي بالحاضر والواقع بالخيال، فصلاح الدين كان ابن عصره، وعصره لم يكن الا عصر الديانات وصراعها، وكان حقاً افضل رجال عصره بامتياز .

“قم ياصلاح الدين لقد عدنا” قالها الجنرال الفرنسي غورو، وهو يركل قبر السلطان صلاح الدين الايوبي بحذائه، بعد ان دخل دمشق غازياً في العشرينات من القرن الماضي، اهل الغرب الصليبيين ومنذ القدم، كانوا اخلص منا لعدوهم السلطان الايوبي العادل، سواء في كرههم او احترامهم له، ولا اعتقد ان غورو بتصرفه اراد اهانة السلطان العادل، بل اساء الى كل من ورث عن السلطان الكردي تراثاً عظيماً متكاملاً من العدل والشجاعة والانصاف والسماحة، ولم يعمل بها، وكم تمنيت لو كنا نحن المسلمون في نفس المرتبة من الصدق والوفاء لرجل مثل صلاح الدين الايوبي، لكان حالنا اليوم افضل من هذا الحال، وماكان لغورو ان يصل الى مرقد ولي من اوليائنا الا راكعاً خاشعاً، ولما هودت القدس ولا كركوك تعربت، ولما شبه البعض صدام بصلاح الدين، ولا برر البعض مأساة حلبجة، المدينة الشهيدة مرتين، مرة يوم ضربت بالاسلحة الكيمياويةعام 1988، ومرة عندما كان نصيبها من شهداء حرب تحرير فلسطين 1948هو الاكبر بالنسبة لباقي المدن العراقية .


درويش محمى
كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *