الرئيسية » التراث » المستشرقة أولغا زيغا لينا وأسرار الخانات الكوردية في خراسان

المستشرقة أولغا زيغا لينا وأسرار الخانات الكوردية في خراسان

بالنسبة للمطلعين على الدراسات الأوروبية عن الكورد، يعد إسم( أولغا زيغا لينا) معروفاً بدرجة كافية، ولا يترك ذكر إسمها الروسي إلى جانب المقالات والدراسات العلمية حول جوانب مختلفة من تاريخ وحياة الكورد، وبالأخص كورد إيران، ومنذ أكثر من عقدين من الزمن، إلا وقعاً إيجابياً. لكن حتى المهتمين بالشأن الكوردي والمعتادين على قراءة نتاجاتها سيجدون دون شك متعة إضافية في استكشافهم لاسم هذه العالمة، مقترناً بعملها العلمي لتسليط الضوء على فئة مهمة من الكورد يجهل وجودها الكثيرون من المتابعين الناشطين للدراسات الكوردية، وهم كورد خراسان، من خلال كتابها النفيس: ((الخانات الكوردية في خراسان في عهد السلالة القاجارية))، الصادر عن دار(فوستوجنايا ليتراتوا) بموسكو2002م.
والغرابة المستدعية للدهشة هنا في هذا الكتاب، ليست فقط من متعة التجول في الأطلال والآثار التي خلفها نبلاء المجتمع الكوردي الخراساني، أو في المعلومات النادرة عن هذه الأنحاء الخلابة – المهجورة من الذاكرة الكوردية- والتي ساد فيها العنصر الكوردي ردحاً طويلاً من الزمن، ولكن أيضاً من نوعية معالجة ومعاينة هذه المستشرقة الروسية للعديد من الظواهر الكبيرة والصغيرة، بل وخفايا حياة الخانات وأسرارها، والمجتمع الكوردي برمته، وذلك كله بمهارة وعناية فائقة.
إن أهمية هذه الدراسة تصبح أكثر حيوية إذا عرفنا إن الكثير من التفاصيل لهذه الصفحات الغابرة كانت غائبة تماماً او مجهولة عن التأريخ الكوردي الحديث.
الدراسة مدونة في إطار تسلسل تاريخي مقتضب، إذ تذكر المؤلفة الأحداث الرئيسية في إقليم خراسان الإيراني نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، ثم تتناول بإسهاب مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية (للمجتمع الكوردي الخراساني) في تلك الآونة، والذي كان يسمي حسب الإصطلاح المتداول آنذاك بـ (كوردستان الخراسانية)، لأن قوام النسيج الإداري الذي ساد المنطقة تألف من أربع (خانات) كوردية، كل منها تمركز حول مدينة، وهي حسب أهميتها: (كوجان)، و(بوزنورد)، و(كيلات)، و(دره كيز). بالإضافة إلى إن الكورد، وفي نفس هذه الحقبة، كانوا يشكلون غالبية السكان في دائرتي (رودكان) و(جيناران) في مقاطعة مشهد.
إن الخانات أو الإمارات الكوردية كانت على درجة جيدة من القوة العسكرية والمادية، وكان لكل منها جيشها الرسمي، المسلح بدرجات متفاوتة، وإدارتها الذاتية شبه المستقلة عن المركز، لتجبي الضرائب، وتبت في الأمور القضائية، وتسهم بدرجة نشطة في إستقرار الأمن، وتملك أهمية إستثنائية في الحفاظ على الحدود الشمالية من الإمبراطورية الفارسية آنذاك، لقاء التمتع بسلطتها المطلقة في إدارتها، ولقاء منح الألقاب والأوسمة الرسمية التي كان شاهات إيران لا يبخلون بها عليهم. وكان بعضها مثل دائرة (بوزنورد) و(كوجان) تملك، وفي فترات مختلفة، علاقات خارجية جيدة مع روسيا وإنكلترا. وقد سافر بعض أمراء الخانات الطموحين عدة مرات إلى تركستان وروسيا وأوروبا، بل حضر أحدهم ( يار مامد خان) وهو زعيم (بوزنورد) حفل تنصيب القيصر نيكولاي الثاني، في سان بترسبورغ في العام1894. وحينما بلغ السبعين، وكان في آخر سنوات عهده ( 1902)، إذ حكم ثلاثين عاماً، تخلص من مهامه بحجة الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، فذهب الى أوربا للاطلاع على الحضارة الأوروبية والإستفادة من تجاربها في تنظيم الحياة هناك. وكان هو نفسه قد طلب ضم إمارته إلى الإمبراطورية الروسية أسوة بإمارة (بخارى وكوكان) وإمارات اخرى، التي سادت في نفس الوقت في آسيا الوسطى، وضم قادتها على التوالي إداراتهم إلى الإمبراطورية الروسية.
وتتحدث المؤلفة بطريقة شيقة عن أمور تفصيلية من حياة هذه الخانات وشعبها، وعن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، كما تورد أمثلة عديدة عن الأحوال التجارية التي كما يبدو من سردها قد إحتكرتها عدة عوائل أرمنية كانت تأتي إلى المنطقة بشكل منتظم بغية شراء الجلود والقطن والمنتجات الزراعية الأخرى وبالأخص الفواكه الجافة…، وكذلك تتناول بمتعة إستثنائية أولى خطوات التصنيع في (كوردستان الخراسانية)، فهنا تذكر أمثلة حية عن تشغيل عدة معامل لحلج ونسج القطن وأخرى لصنع الزيت من بذرة القطن، وعن المحاولات الأولى للتنظيم الجمركي والبريد وشق وتحسين طرق القوافل وبالأخص تلك التي تؤدي إلى المقاطعات الروسية القريبة، حيث كانت مراكز هذه الخانات والبلدات فيها مكتظة بالسلع الروسية والإنكليزية. والدراسة غنية بالأمثلة الكثيرة حول كيفية المزاحمة والمضاربة بين السلع الأجنبية في أسواق (كوجان)، و(بوزنورد)، و(شيرفان)، وعن السبل التي كانت تتبعها القنصليات الأجنبية في المنطقة والمخبرين المحليين بغية مضايقة توزيع سلع هذه الدولة أو تلك.
إن التكوينات الإدارية الكوردية الأربعة (والتي تشبه لحد بعيد في تكوينها الإمارات العربية الحالية في الخليج حسب تعبير المؤلفة نفسها)، كانت في الحقيقة (إمارات) كوردية شبه مستقلة عن المركز طهران، وقد نشأت على خلفية تأريخ طويل مليء بالأحداث الجمة، التي غيرت الكثير من معالم الجغرافيا والاُثنوغرافيا. وكلها كانت خلال الفترة الأخيرة من حكم السلالة القاجارية في إيران، أي السلالة التي سبقت في الحكم السلالة البهلوية الأخيرة. ولكن من المفيد ذكر إن هذه الفترة الطويلة من تاريخ الوجود الكوردي في خراسان إستمر العنصر الكوردي فيها بالحفاظ ليس فقط على وجوده وعلى تراثه ولغته وهويته القومية، بل وتمرس في الانفتاح على اللغات والحضارات المجاورة دون أن يفقد عنصراً واحداً من عناصر وجوده كـ(قوم) و(ملة).
وبالرغم من إن الباحثة تتعثر أحياناً في التضاريس الوعرة للأحداث، وأحيانا أخرى تتناثر جهودها في الثنايا المعتمة للموضوع الذي ما زال غير معروف علمياً، إلا أن الكتاب يعتبر بحق جولة حية في الحياة اليومية الاجتماعية والسياسية والثقافية للمدن والبلدات الكوردية في خراسان، ولا يغيب عن ذهن المؤلفة مجالً ما دون التطرق إليه بأسلوب شيق وبطرافة الحكاية.
ولهذه وغيرها من الاعتبارات الأخرى التي تزيد من قيمة هذه الدراسة، يمكننا إعتبارها أهم دراسة عن تاريخ الإمارات الكوردية الأربعة في هذه الحقبة على الإطلاق، ولولا معرفتنا بوجود دراسة مماثلة باللغة الفارسية للسيد (ج. توحدي) من مجلدين (مختصر تاريخ الكورد في خراسان)، والصادرفي العام 1985 في مشهد، لكان بالإمكان الجزم بأنها الدراسة الوحيدة وغير المسبوقة.
المدى