الرئيسية » مقالات » ثقافة المرتزقة السياسية من جنكيز خان إلى أردوغان

ثقافة المرتزقة السياسية من جنكيز خان إلى أردوغان

إن اكتشاف الزراعة كان العامل الحاسم في توطيد أسس الديموغرافيا البشرية الأولى ، حيث وزعت على أثرها المساحات الجغرافية بين الشعوب والأقوام وظهرت سمة التملك والحدود ، ونشأت فيما بعد عليها التجمعات المتجانسة ، تحولت بعض منها فيما بعد ونتيجة الفائض الزراعي إلى قوى يحسب لها حساب كانت اللبنة الأولى في تشكيل الإمبراطوريات في العهد القديم وأخذت هذه الديموغرافيا طابع الفرز شبه النهائي للأمم والأقوام التي تعيش عليها ماعدا بعض محاولات تغيير الديموغرافيا إثر الحروب ( أبرزها كان نقل الملك الآشوري نبوخذ نصر لعشرات الآلاف من اليهود مكبلين إلى نينوى ) إلا أنها لم تصل لمرحلة التفريغ أو الصهر الكامل .
إن تاريخ قدوم الأتراك إلى المنطقة والذي يعود إلى عام 1040 ميلادية على شكل قبائل همجية تعتاش على الغزو والرعي ، دخلت فيما بعد كمرتزقة في الصراعات لنصرة فئة على أخرى مقابل المنافع ، وقد صبغت صفة المرتزقةِ الأتراكَ إلى يومنا هذا ( وآخرها كان دور الشرطي مع الناتو ضد حلف وارسو ) وتجلت آثارها واضحة في الموروث السياسي والاجتماعي التركي من شرعنة قتل السلطان لإخوته الذكور خنقاً كاختراع تركي في أساليب إدارة دفة الحكم ومنع منافسة السلطان في حكمه لاحقاً ، إلى احتضان ثقافة الخازوق الذي لفظه مكتشفوه من الفرس والفراعنة حتى بات أحد أركان وآليات الحكم العثماني لا بل تفننوا به عبر دفع مكافآت سخية للجلاد الماهر الذي يستطيع إطالة عمر الضحية على الخازوق لأطول فترة ممكنة تصل إلى يوم كامل عبر توجيه الخازوق للخروج من الكتف الأيمن بعيداً عن الأعضاء الحيوية التي تسبب الموت السريع كالقلب والرئتين . إن ثقافة الخازوق هذه أفرزت نظرية الأتراك السياسية الضحلة المتسمة بحلين لا ثالث لهما عند معالجة أي طارئ وهي إما دور المتخوزق أو دور الجلاد .
ولعل تصريحات السيد أردوغان الأخيرة والبعيدة كل البعد عن لغة التخاطب الدبلوماسي في تهديده لإقليم كوردستان وشخص السيد الرئيس مسعود البارزاني حين قال :
( البارزاني تجاوز حدوده ــ و ـ يجب ألا يتفوهوا بكلام لا يستطيعون تحمل عواقبه وأن يدركوا حجمهم لأنهم قد يسحقون جراء هذا الكلام )!!!!!!!!!

توضح وبجلاء مقولة الرسول الأعظم ( ص) بأن العرق دساس ، فللسيد أردوغان مرجعية سياسية في الحماقة والصفاقة والبعد عن أسلوب التخاطب الدبلوماسي لصالح أسلوب العصابات والمرتزقة في الموروث السياسي التركي فقد قام الحاكم التركي للجزائر الداي حسين المولود في أزمير بضرب السفير الفرنسي بكشاشة الذباب عام 1827م إثر خلاف في وجهات النظر على صفقة القمح ، ومهدت هذه الصفاقة في تعجيل الحملة الفرنسية واحتلال الجزائر عام 1830م . وكعادة المرتزقة انسحب العثمانيون الأتراك من الجزائر واختار الداي حسين إيطالية كمنفى اختياري له وتركوا الشعب الجزائري ليدفع ثمن حماقتهم وأخطائهم غالياً وصلت إلى مليون من الشهداء .
وتجسيداً لثقافة المرتزقة السياسية والبعيدة عن التفهم واحتضان نوابغ الأدب والفن نشاهد على الوجه الآخر للعملة تفنن الساسة الترك في اضطهاد وسجن النوابغ بدءاً باضطهاد الشاعر ناظم حكمت الذي ذاع صيته في المعمورة وسحب الجنسية التركية منه فيما بعد ، لا بل وحتى رفض دفن جثمانه في الوطن بعد وفاته .
وصولاً إلى المخرج العبقري الكوردي يلماز كوناي الحائز على جائزة السعفة الذهبية عن ” فيلم الطريق ” في مهرجان كان السينمائي العالمي 1984م ، الذي أتم إخراج الفيلم من السجن ، بعد قضائه أكثر من ثلاثة عشر عاماً من عمره في السجون ، ورفض ساسة الترك السماح بدفنه في مسقط رأسه عند وفاته ، فانبرت الحكومة الفرنسية لنيل شرف دفن عظيم صناعة السينما وأفسحت له مجالاً في مقبرة العظماء في باريس.
انتهاءً بالكاتب النابغة أورهان باموك الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2006م ، وجائزة السلام في ألمانيا عام 2005م الذي دعا في حفله إلى احترام حرية الرأي وحقوق الإنسان في تركيا . وقد بدأت ملاحقة أورهان باموك بعد رفضه في العام 1998م قبول لقب( فنان الدولة ) بعدما أصبح الكاتب الأول في تركيا في تسجيله مبيعات قياسية سنتها .
باموك كانت قضيته من أكثر قضايا الحقوق التي شغلت منظمات حقوق الإنسان وحرية الصحافة العالمية ، وبحسب منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأمريكية فإن “جريمة ” باموك والتي استدعت مثوله أمام القضاء التركي في نهاية العام 2005 هي تصريحه في مقابلة مع صحيفة ” تاغيس أنتسايغر السويسرية ” أن مليون أرمني و300ألف كوردي قتلوا على هذه الأرض ، ولكن لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك ” هذه التصريحات أثارت حفيظة القوميين الأتراك الذين مارسوا ضغطاً كبيراً على الرأي العام ، استجابت له النيابة العامة ورفعت قضية ضد الكاتب بتهمة : ” تحقير الأمة التركية والإساءة إلى هويتها” ، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى السجن مدة ثلاث أعوام .
وعودة للسيد أردوغان الذي يحلو له ارتداء عباءة ما يسمى بالإسلام الليبرالي كستار لإخفاء حقيقة ثقافة المرتزقة التي تقوم عليها سياسة دولته العسكرية ، أقول له ومن منطلق ما يدّعيه من أيديولوجية : أنه بتصريحه هذا ألا يكون قد خالف الآية الكريمة رقم 45 من سورة المائدة “” وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ” ” . والحديث النبوي الشريف “” لا تسبوا أبا أحد فيسب أباكم “” . فكيف يسمح السيد أردوغان لنفسه بالتدخل في كركوك مخالفا معتقداته ويهدد عند سماعه الرد المستند على كتاب الله وسنة رسوله الصادر عن السيد الرئيس مسعود البارزاني . وقد أكد الرئيس البارزاني في اليوم التالي للتهديدات “” أننا لا نهدد أحداً ولكننا لا نقبل التهديد من أحد “” .
وأخيراً لا أجد ختاما أبلغ من وصية الشيخ سعيد النورسي لشعب كوردستان قبل قرن من الزمان حين قال :
( ” اعلموا أن علاجنا يكمن في وضع ثلاثة أساور من الماس في معصمنا ، عندها باستطاعتنا طرد الأعداء الثلاثة من بيننا ، وتلكم الأساور هي
أولا: سوار المعرفة والقراءة
ثانيا: سوار الإنفاق والمحبة القومية ” كوردايه تي ”
ثالثا: أن يؤدي الإنسان ما على عاتقه بيده ،وأن لا يكون كالسفلة الذين يتواكلون ويعتمدون على جهد وقدرة الآخرين
الوصية الأخيرة : القراءة .. القراءة .. القراءة .. و الاتحاد .. الاتحاد .. الاتحاد “” )
والجدير ذكره أن الشيخ سعيد النورسي الذي انتقل إلى جوار ربه عام 1960 م وبعد دفن جثمانه الطاهر في أورفة ، قام العسكر التركي بإخراج رفاته من القبر بعد أربعة أشهر من وفاته ونقلوه بالطائرة إلى جهة مجهولة.
وتأكيدا لوصية شيخنا الجليل لم يكتب التاريخ يوما أن بلدا متحررا من الاستعمار صدف أن كان أقوى عسكريا من المستعمِر ذاته ، ولكن الشعب المتحرر تفوق وانتصر عند نضوج العامل الذاتي الشخصي وتفوقه على نظيره لدى المستعمِر وتفكيك شيفرة أسلحة الاستعمار الثلاثة : فرق تسد – الجهل والأمية – زرع الخوف لإضعاف روح التضحية في سبيل المجموع والأمة . فعلى كل الكورد حشد الطاقات وشحذ الهمم بالطاقة القصوى وبناء دولة القانون والعدل والابتعاد عن الرفاهية الوقتية والترف الكاذب لخلق الرفاهية الدائمة لأولادهم من الأجيال القادمة .

الدكتور صلاح الدين حدو عفرين 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *