الرئيسية » مقالات » أخلاق (أمم) في تأليه و تحقير القادة…..

أخلاق (أمم) في تأليه و تحقير القادة…..

بعد تأسيس أول دولة في التاريخ … ((مدينة بابل )) … و تربّع الملك الآه على عرشها ، تم إلغاء دور التفكير اللامتناهي للإنسان بشكل فعّال ، لان كافة السلطات السماوية و الأرضية أصبحت في يد اله إنسان! ، يمتلك حاشية و جندا و قواد يستعبد الشعب و لهو مطلق الصلاحيات، لانه القانون و القضاء و رب العباد!.
و استمرت الحال في شرقنا على هذا المنوال، منذ تلك العصور الغابرة و إلى يومنا هذا! ، (مع فارق وعي الإنسان). فما زالت أمم تنظر إلى الزعيم على انه القادر على كل شئ! و يعرف بواطن الأمور و معصوم من الأخطاء! و… (ساعدتهم) كتب الأديان و التاريخ على هذا التفكير اللامنطقي ، لكون معظم تلك الكتب قد دونت و حشيت من قبل حاشية أمير القوم و رهبانه، و كانت على أجدادهم السمع و الحفظ و الطاعة فقط!، و من ثم التسبيح باسمه و آله و أصحابه و ذريته من بعده!، لانه اله! أو رسوله أو هكذا أراد الله له، إن كان أمير للمؤمنين أو القطب العالي! و الصدر الأعظم و بعدها للإمام الأعظم و آيات الله العظمى و حجج الإسلام و المسلمين إلى أن وصل الأمر و النهي ليد طاغية العصر رئيس (جمهوريتنا) ! و باني مجد العراق !! عبد الله المؤمن! صدام حسين ( حفظه الله و رعاه )، و يمكن أن يتحول ذيل الاسم إلى صلى الله عليه و سلم! أو عليه السلام! أو رضي الله عنه!، وسيستمرون على ذلك المنوال إلى ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه! و بعدها ستقوم القيامة!.
كلنا نعلم مدى تأثير عامة الناس على إسباغ الصفات و النعوت و صياغة الأسماء ( الحسنى ) للكثير من أنصاف المجانين! و المنحرفين أمثال صدام حديثا و اليزيد و الحجاج و هرون و عبد الحميد و صولا إلى الملوك و الرهبان و زعماء العشائر و القبائل في دول خام النفط من جلالة و سمّو و فخامة و دولة! و معالي و إلى آخره، من أرباب الأرض المبجّلين! و كشّاف الأغطية! و القديسين و الأولياء الصالحين الذين لا يجوز مطلقا المس بهم أو نقدهم بل حتى مناقشتهم فهم خلفاء لاله ملوك ويمكن أن يكونوا أربابا لهم في الأرض على الأقل! و إلى يوم يبعثون.
من جهة أخرى نرى العربان من المحيط إلى الخلجان و كيف يسرفون في قدح و قذف و احتقار قادة دولهم ، لانهم لا يجمعون على كلمة واحدة!، من قائد أوحد (جل على) في زمن العولمة و المجتمعات المدنية!، لكي يبني لهم ((لا سمح الرب)) إمبراطورية تحاكي في مجونها و بطشها (خلافة) بنوا هند و امية !، و لانهم لا يؤمنون بالقيادة الجماعية و لا يثقون بأية جماعة و مجتمع إلا الشمولي أو المخملي في جنات الخلد، ليكشفوا هناك عن عوراتهم أمام الله!!.
بهذا التاريخ القذر تحاول (دولنا) العبور إلى عصر العولمة، و لان هذه العملية مستحيلة الحدوث، لذا علينا و لكوننا نعيش معهم، و أخذنا البعض من (تراثهم)، مراجعة الذات و التاريخ و التفكير الإيجابي المتفتح على آراء الآخرين و محاولة فهم وجهات نظرهم و الاعتراف بصوابها إذا دعّمت بحقائق وبراهين واقعية، وكذلك محاولة طرح مفاهيمنا بجرأة و وضوح و اختصار و لباقة و في هدوء تام، لكي يستطيع المقابل اخذ أنفاسه و تشغيل دماغه بأعصاب غير متشنجة، مع تقدير آراء الغير و أفكارهم مهما تكن، دون الاستخفاف أو الاستهزاء بها و عدم تكفيرها أو تخوينها أو إهانتها .
و لكن هذا محال في ظل حكومات رجعية دينية تتبع شرائع السماء القديمة!، التي تضع الحصار على الأفكار و تلجم (الرعية) باغتصاب حقوق شرائحها و أفرادها و المرأة فيها بالذات، و تقوم بتكميم الأفواه و الحجر على المتنورين، للرجوع بالمجتمع إلى الوراء، كما هي حاصل الآن في العراق (العظيم)!، فليس شرطا أن تكون الحكومة دينية لتصبح رجعية، بل العلمانية التي لا تؤمن بكافة حقوق الإنسان إلا بالتقسيط ! أيضا.
يبدو ان لجنة دستورنا الكوردستاني تقوم كذلك بشرعنة ! ( الشريعة الإسلامية ) و الاعتراف بها اكثر ما تعترف بحقوق الايزديين مثلا كشريحة مميّزة و مضطهدة اكثر منا بكثير إن لم يكن في المجال الديني!، و لكن في جميع المجالات الأخرى من اجتماعية و اقتصادية و غيرها بصورة مؤكدة و قطعية و إلى الساعة!. إن الكيانات السياسية الغير شفافة في دساتيرها و قوانينها ، تترك المجال مفتوحا لتسيد الشموليين الآن أو في المستقبل، كما يحدث في تركيا الكمالية ،(( التي بنت كنيسة لتهدم مسجدا))، علما بان أساسيات تلك الكنيسة حفرت من دون أية هندسة علمية، فلم تجد البديل الديمقراطي الجيد للأفكار الدينية الرجعية ، بل على العكس تماما، أتت بفكر منحرف فاشي اخطر بكثير من معتقدات الإرهابيين الشموليين الاقصائيين ، و زجت بكم هائل من نظريات هتلر و ستالين (بعد خلطها)!، في دستورها المتناقض، مما أدى بالمجتمع إلى محاولة تناول السم الديني القديم، لكي يتماسك من جديد و يستطيع إلغاء بضعة بنوده (العلمانية) العنصرية الكمالية!.
و لكن يختلف الواقع عندنا بكثير في كوردستان اليوم، لأننا نبغض التعصب القومي و الديني بفضل ملاحم نضالية و كفاحية خاضتها شعبنا و تعلم من دروس الماضي و كيف أن يكون متفتحا و متسامحا. و نمتلك أيضا تراثا حضاريا مشرّفا ، إضافة إلى عقلية قادتنا المتفتّحة، إن ساعدناهم من دون تأليههم كما تفعل الجيران، لانهم لا يستحقون بعدها التحقير منا إن حادوا عن جادة الصواب!.
نحن نثق بزعمائنا ألان بعد أن حرّموا الاقتتال الداخلي و اعترفوا بأخطائهم، لأننا ندرك صعوبة المراحل التي كان يمرون فيها، وسط بحر من الأعداء الخارجيين و الداخليين، و نفهم أيضا لماذا الآن ، يغضون النظر عن المادة 7 التي تنسف الكثير من مواد الدستور و تهضم حقوق الايزديين و المسيحيين و الكاكئيين و الغير متدينين بل حتى المتدينين المسلمين، لحساب أحزاب إسلامية مأجورة، يحاولون لجم المجتمع من جديد، و سوف ينقضون على السلطة! حالما تتوفر لهم الظروف الموضوعية ، ليرجّعونا إلى زمن التقديس الفارغ من أية معنى سوى تسيّد طبقة بليدة (الرعاة) على الشعب (الرعية) لتغذيها بالأفيون و أنواع المخدرات، ولتحارب الباري العزيز بإهانة اعظم نعمه علينا و هو عدم الاستفادة من هديته التي هي العقل و التفكير اللامنتهي و المنطق السليم، لكشف و لو جزء يسير من أسرار الحياة التي خلقتها الربّة العظيمة بمنتهى الروعة و الجمال و الكمال، تاركا المجال لنا لنغوص في تفاصيلها دون رهبة منه! أبدا.
فكيف نقدس الإنسان متمثلا بالزعيم؟. و كيف نحتقره و هو بمثابة الوالد؟.
نحن الآن نمتلك قيادة جسورة و محنكة من غير تقديس! تستطيع الإبحار بسفينتنا إلى بر الأمان، و لكن أخاف عليهم من ظلم بعض المنافقين من حولهم، و شرذمة من كتّاب الزعماء!، فهؤلاء المستشارين! و المتثقفين، يجمّلون أخطائهم لكي تدوم العطايا!، بذلك يخونون اكبر قادة للكورد في التاريخ المعاصر ، بمدحهم المفرط، و ذم إخوانهم بنفس القوة من الإفراط ، لدق إسفين الشقاق بينهم على علم أو عن جهل، و نحو نمر في اخطر المراحل التاريخية التي هي عنق الزجاجة، فأما الخلاص أو الاختناق!.
الواجب يدعونا إلى الالتزام بتوجيهات برلماننا و حكومتنا و قيادتنا و إن تناقضت في تصريحاتها لاسباب سياسية و واقعية و دولية و إقليمية و فكرية ، و يجوز لنا معاتبتهم أيضا، و لكن حسب قواعد اللياقة الأدبية و الاحترام الخالي من الخوف و الممتلئ بالحب الحقيقي ، طالما لا يتقاتلون في ما بينهم.
لانهم يخدمون شعب مظلوم، ونحن كنا من أهم أسباب الحرب الأهلية في وطننا!، بتكتلاتنا المقيتة لحساب أحدهم ضد الآخر، علما بان الجميع سيدخلون التاريخ معا و العبرة ستكون بالنتيجة النهائية، و الشرف الأعظم سيبقى ملكا للشهداء في سبيل الوطن المحتل ((كوردستان)). …… هشيار بنافي .

Berlin
13ـ04ـ07

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *