الرئيسية » مقالات » شهر التهجير والتحرير

شهر التهجير والتحرير

-1-


شهر نيسان/ ابريل من كل عام شهر من أكثر الشهور أهمية للشعب العراقي عموماً. فهو اضافة الى أنه شهر الربيع وتفتُّح الزهور وكثرة الطيور، إلا أنه شهر تفتُّح الجراح كذلك. فبالنسبة للشعب العراقي ولكل الأحرار في العالم، يعتبر هذا الشهر ذكرى أليمة، تمّت فيه الهجرة المليونية المشهورة عام 1991 للشعب الكردي المكافح.

من ناحية أخرى، ففي مقتبل الربيع هذا، وفي شهر ابريل/نيسان أيضاً، تمَّ اسقاط نظام الطاغية السابق، الذي كان سبباً في الهجرة المليونية والشتات الكردي في هذا الشهر. وأراد القدر أن ينتقم من هذا الطاغية، فأسقطه وأسقط حكمه الاستبدادي في الشهر نفسه، الذي طارد فيه الطاغية أكثر من مليون من الكُرد الى الحدود التركية والإيرانية، بقصد تهجيرهم من العراق، وتشتيتهم في الأرض، ومحو آثارهم من كردستان.


-2-


لم تقاوم طائفة عراقية بكل صلابة وشجاعة الحكم البعثي الطاغي في عهد صدام حسين كما قاومه الكُرد. لنعترف بهذه الحقيقة التي لا تُعجب ولا تُرضي كثيرين من أدعياء البطولات البهلوانية، والألسن المطاطية. فرغم قوة هذا النظام العسكرية والبوليسية والأمنية، إلا أن الكُرد في عام 1991 وفي (ملحمة كوري) الشهيرة التي دارت بين قوات البيشمركة التابعة للحزب الكوردستاني وقوات النظام البعثي في المنطقة الواقعة بين كوري وشقلاة، والتي ما زالت آثارها موجودة حتى الآن، استطاعت البيشمركة أن تلحق بقوات النظام البائد شرَّ هزيمة، وتعلّمها أنه من الصعب كسر العظم الكُردي. وأن الحرية تؤخذ ولا تُعطى. وأن تسوّل الحرية عبر البيانات والمؤتمرات والخطابات الرنانة لن يجدي فتيلاً مع أنظمة حكم ديكتاتورية عاتية، لا تقرأ ولا تكتب ولا تعرف لغة غير لغة الحديد. وأن الضعف والاستكانة والجبن وطلب الستر هي الطريق التي تشجع الأنظمة الحاكمة على مزيد من الاضطهاد للأقليات والمرأة. وأن الكُرد سوف ينالوا حريتهم واستقلالهم بقوتهم وبشجاعتهم، اضافة الى تعاطف المجتمع والرأي العام الدولي معهم، الذي وقف كله مع الشرعية الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة، يوم أصدرت قرارها 688 ليكون فاتحة جملة من القرارات الشرعية لحماية الكُرد والتضامن معهم في مطالبتهم بالحرية والاستقلام، واقامة كيانهم كما هو الآن قائم في كردستان العراق.

وسوف نظل نردد المقام السياسي الكردي، والأغنية التحررية الكردية، والملحمة النضالية الكردية، وندرسها، ونتعظ بها، ونتخذها مشعلاً لنا في نضال الأقليات والمرأة من أجل نيل حقوق المواطنة كاملة، مهما رُمينا من قبل الرُماة الحاقدين على الكُرد، وعلى كل من يطلب الحرية بعون الانسان أو الشيطان. فتشرشل عندما تحالف مع الشيطان (ستالين) أثناء الحرب العالمية الثانية، ضد هتلر النازي، لم يُحرج ولم يلتفت الى نقد أعدائه، بأنه قد تحالف مع الشيطان. وكان رد تشرشل المُفحم:

تحالف شيطانٍ عادلٍ، خير من أخوّة انسانٍ مستبد.


-3-


من يقرأ الأدبيات القليلة التي كُتبت عن الهجرة المليونية الكبرى في هذا الشهر من عام 1991، لا يسعه إلا أن يقف الى جانب الكُرد في تلك المأساة التي بكى العالم كله من أجلها، كما يبكي الآن مما يجري في دارفور، وفلسطين، ووسط العراق وجنوبه كذلك. أما قومي من العرب ومن المستثقفين الناكرين، فقد كانوا متفرجين، لا يحركون ساكناً، بعد أن خدّرتهم كوبونات النفط التي فضحتها ونشرتها جريدة “المدى” في عام 2004، والتي طالت زعماء أحزاب قومية ودينية، وشخصيات سياسية، وكتاب، وصحافيين، ورجال أعمال .. الخ. وهو الثمن البخس الذي دفعه صدام حسين لكي يُخرس به الألسن، ويُعطّل به العقول، ويشتري به الضمائر. وقد كان له ذلك. ففي الوقت الذي يقوم به الرأي العام العربي والإعلام العربي ولا يقعد، على أتفه الأسباب وأقل الأحداث أهمية، كان معظم المثقفين العرب يصمّون آذانهم، ويغلقون عيونهم، ويشيحون بوجوههم، حتى لا يسمعوا ولا يروا المأساة الشيعية في جنوب العراق، والمأساة الكردية الانسانية الفظيعة، التي كانت تجري في شمال العراق، تحت بصر وسمع كل العرب. وكلنا يذكر كيف مزّق ادوارد سعيد المفكر والمثقف الكبير، عريضة الاحتجاج على أعمال صدام الارهابية في الشمال، ورفض التوقيع عليها. وتلك كانت احدى مظاهر محن الثقافة العربية والمثقفين العرب في تلك الفترة، وإلى الآن. ولعل سرادقات العزاء، واللطم الهستيري، وبكاء العهر والفجور، الذي تم على اعدام الطاغية السابق، أكبر دليل على أن العقل العربي ما زال معطلاً الى الآن، وأن الضمير العربي لدى الكثير من المستثقفين العرب ما زال غائباً، ومخدراً بذهب صدام، ومن بعده ذهب ابنته رغد، التي ورثت عن أبيها المال المسروق، وراحت تضخه في شرايين الثقافة العربية المتيبسة، كما فعلت أثناء محاكمة الطاغية، وبعد اعدامه، مما أدى الى قيام مئات المحامين العرب للدفاع عن الطاغية، وقيام مئات المثقفين باللطم عليه بعد موته، وما زالوا يفعلون حتى هذه اللحظة.


-4-


الهجرة المليونية للكُرد في هذا الشهر من عام 1991 ملحمة انسانية كبرى في تاريخ كرد العراق. وهي بحاجة ماسة الى خدمة ثقافية وفنية كبيرة. بمعنى أن الروائيين الكُرد الكبار كسليم بركات الشاعر والروائي السوري الكردي الذي كتب عشر روايات شهيرة حتى الآن، وكذلك الروائيين الكُرد العراقيين كمحمد موكري، وخسرو جاف، وفرهاد بيربال وغيرهم من عشرات الروائيين الكُرد العراقيين.. كل هؤلاء مطالبون بالالتفات الى الملحمة الكردية المتمثلة بالهجرة المليونية في هذا الشهر من عام 1991. كذلك، فإن من واجب وزارة الثقافة الكردية، رصد جائزة مالية مجزية للرواية الناجحة في مسابقة تُقام لهذا الغرض. فهذا مما يشجع الروائيين الكُرد على الكتابة عن هذه الملحمة الانسانية الكبيرة. كذلك من واجب وزارة الثقافة في الحكومة الكردية أن تخطط لانتاج وتصوير أكثر من فيلم سينمائي عالمي عن هذه الملحمة. وتستدعي كبار المخرجين في العالم لهذا الغرض. فلننظر ماذا فعل اليهود بالهولوكوست النازي، وكيف استطاعوا أن يكسبوا مكاسب سياسية وتاريخية وثقافية هائلة، من وراء استغلال مأساتهم وتصويرها في الرواية والسينما. وما زال فيلم “لائحة شندلر” الشهير حتى الآن يهزُّ مشاعرنا، ولن يُنسى أبداً، وهو أعمق وأبعد أثراً من عشرات من كتب التاريخ التي كُتبت عن الهولوكوست النازي، وأكبر تأثيراً من مئات القصائد الحزينة التي أنشدها الشعراء عن هذا الهولوكوست. واعتقد أن ما حصل في الهجرة المليونية للكُرد في هذا الشهر من عام 1991 أفظع بكثير مما حصل في الهولوكوست النازي. وعلى باقي الأقليات الأخرى في الشرق الأوسط وشمال افريقيا أن تحذوا حذو الكُرد، إذا أرادت الخلاص الأبدي، وتتعلم منهم كيفية الحصول على الحقوق المشروعة والمهضومة.

السلام عليكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *