الرئيسية » مقالات » الجرائم ضد الإنسانية

الجرائم ضد الإنسانية

أصبح تعبير جرائم ضد الإنسانية يعني أي شيء فظيع يرتكب بحجم كبير. ورغم ذلك، ليس هذا المعنى هو المعنى الأصلي ولا التقني. جاء التعبير من ديباجة اتفاقية لاهاي لسنة 1907 التي قننت قانون النزاعات المسلحة العرفي. استند هذا التقنين إلى ممارسات الدول الفعلية القائمة على تلك القيم والمبادئ التي يُعتقد أنها تشكل “قوانين الإنسانية”، كما انعكست في ثقافات مختلفة طوال التاريخ.
فبعد الحرب العالمية الأولى، أسس الحلفاء سنة 1919، بناء على اتفاقية فرساي، لجنة لتحقق في جرائم الحرب، استندت إلى اتفاقية لاهاي لسنة 1907 باعتبارها القانون القابل للتطبيق. وعلاوة على جرائم الحرب التي ارتكبها الألمان، وجدت اللجنة أيضاً أن المسؤولين الأتراك ارتكبوا “جرائم ضد قوانين الإنسانية” لأنهم قتلوا المواطنين والسكان الأرمن خلال فترة الحرب. اعترضت الولايات المتحدة واليابان بقوة على تجريم مثل ذاك التصرف على أساس أن الجرائم ضد قوانين الإنسانية انتهاكات للقانون الأخلاقي وليس القانون الوضعي.

وفي سنة 1945، طورت الولايات المتحدة وحلفاء آخرون اتفاقية مقاضاة ومعاقبة مجرمي الحرب الأساسين في دول المحور وميثاق المحكمة العسكرية الدولية، ومقرها في نورمبرغ، الذي ضم التعريف الآتي للجرائم ضد الإنسانية في المادة السادسة (سي.):

“الجرائم ضد الإنسانية هي: القتل، التصفية، الرق، الترحيل، وأفعال لا إنسانية أخرى ارتكبت ضد السكان المدنيين، قبل أو أثناء الحرب؛ أو الاضطهاد القائم على أسس سياسية أو عرقية أو دينية تنفيذاً لأية جريمة، أو لما له صلة بها، تقع في نطاق سلطة المحكمة القضائية، سواء أكانت انتهاكاً لقانون البلد المحلي الذي نفذت فيه أم لا”.

ويمثل ميثاق نورمبرغ المرة الأولى التي تثبّت فيها الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي الوضعي. واتبعت المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى، في طوكيو، ميثاق نورمبرغ، كما اتبعه قانون مجلس الرقابة رقم 10 في ألمانيا، الذي حاكم الحلفاء على أساسه الألمان في مناطق احتلالهم. ورغم ذلك، من الغريب بمكان أن لا توجد منذ ذلك الوقت اتفاقية دولية متخصصة حول الجرائم ضد الإنسانية. ورغم ذلك، ضُمّن هذا الصنف من الجرائم في النظامين الأساسين لمحكمة الجنايات الدولية ليوغسلافيا السابقة ومحكمة الجنايات الدولية لراوندا، وبالمثل في النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية. وفي الحقيقة، يوجد أحد عشر نصاً دولياً تعرّف الجرائم ضد الإنسانية، ولكنها جميعاً تختلف قليلاً في تعريفها لتلك الجريمة وعناصرها القانونية. ورغم ذلك، فإن ما تشترك فيه كلها هو: (1) إشارتها إلى أفعال محددة من العنف ضد أشخاص بغض النظر عما إذا كان الشخص مواطناً أو غير مواطن وبغض النظر عما إذا كانت هذه الأفعال قد ارتكبت في زمن الحرب أو في زمن السلم، و (2) يجب أن تكون هذه الأفعال نتاج اضطهاد موجه ضد جماعة من الأشخاص معينة الهوية بغض النظر عن بنية تلك الجماعة أو غرض الاضطهاد. ويمكن لتلك السياسة أن تتمظهر أيضاً في تصرف المنفذين “الواسع أو المنظم” الذي ينتج عنه تخويل بجرائم محددة مشمولة في التعريف.

وقد توسعت قائمة الجرائم المحددة المشمولة في معنى الجرائم ضد الإنسانية منذ المادة السادسة (سي.) من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية لتشمل، في محكمة الجنايات الدولية ليوغسلافيا السابقة ومحكمة الجنايات الدولية لراوندا، الاغتصاب والتعذيب. ويُوسع النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية قائمة الأفعال المحددة. وبخاصة، يضيف ذلك النظام جرائم اختفاء الأشخاص القسري والأبارثيد. أكثر من ذلك، يضم نظام محكمة الجنايات الدولية الأساسي لغة وصفية في ما يتصل بجرائم محددة هي التصفية والاستعباد والترحيل والتسفير القسري للسكان والتعذيب والحمل القسري.

وإلى حد ما، تتداخل الجرائم ضد الإنسانية مع الإبادة وجرائم الحرب. ولكن الجرائم ضد الإنسانية تتميز من الإبادة في أنها لا تتطلب قصداً لـ “تدمير جزئي أو كلي”، كما هو وارد في اتفاقية الإبادة لسنة 1949، بل تستهدف فقط جماعة معينة وتنفذ سياسة انتهاكات “واسعة ومنظمة”. وتتميز الجرائم ضد الإنسانية من جرائم الحرب أيضاً في أنها لا تطبق فحسب في إطار الحرب، بل في زمن الحرب وزمن السلم.

وكانت الجرائم ضد الإنسانية موجودة في القانون العرفي الدولي لأكثر من نصف قرن ومشار إليها في محاكمات بعض المحاكم القومية. وأشهر هذه المحاكمات محاكمة بول توفييه وكلاوس باربي وموريس بابون في فرنسا، ومحاكمة آيمر فنتا في كندا. ولكن يعتقد أيضاً أن الجرائم ضد الإنسانية جزء من المبادئ السامية – أسمى مرتبة في المعايير القانونية الدولية. وعليه، فإنها تشكل قاعدة من قواعد القانون الدولي لا يمكن الانتقاص منها. ومعنى هذه المرتبة أنها خاضعة إلى سلطة القضاء الدولية، مما يعني أن الدول جميعاً يمكنها ممارسة سلطتها القضائية في محاكمة منفذ جريمة بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة. ويعني أيضاً أن من واجب الدول كلها المحاكمة أو تسليم الجاني، وأن أي شخص متهم بتلك الجريمة لا يستطيع طلب “استثناء” من التسليم لأن “الجرم سياسي”، وأن من واجب الدول مساعدة بعضها بعضاً في تقديم الدليل الضروري للمحاكمة. ولكن ما له أهمية كبرى أن أي منفذ لجريمة لا يستطيع الدفاع عن نفسه بالزعم أنه كان “يطيع أوامر أعلى” وأن أي نظام أساسي يقيد ذلك موجود في قوانين أية دولة لا يمكن تطبيقه. وأخيراً، لا أحد محصن من المقاضاة على مثل تلك الجرائم، حتى وإن كان رئيس دولة.
ـــــــــــ
(انظر المسؤولية القيادية)
——————————————————————————–
* م. شريف بسيوني أستاذ القانون ومدير مركز العدالة الجنائية الدولية ومراقبة الأسلحة في جامعة دوبول في شيكاغو. رأس مفوضية خبراء الأمم المتحدة حول يوغسلافيا السابقة، وهو مؤلف “الجرائم ضد الإنسانية في القانون الجنائي الدولي” (منشورات مارتينوس نجهوف، 1998).

المصدر: موقع جرائم حرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *