الرئيسية » مقالات » الاختفاء – نموذج من سلفادور

الاختفاء – نموذج من سلفادور

جاءت المكالمة عند ظهر يوم الأحد. “ماذا تعني، اختفت تيتا؟ من آخر شخص رآها؟ مع من كانت؟ هل ذهبت إلى العمل يوم السبت؟ ماذا قالت لأمها بالضبط؟”. تأكيد الحقائق دائماً طريقة جيدة ليمسك المرء مشاعره في وقت الأزمة الشخصية.

كانت هذه هي الحقائق: تيتا هي مارغريتا غوزمان. مواطنة سلفادورية. العمر: 27 عاماً. الطول: خمسة أقدام وخمس بوصات. الوزن:140 باوند. الشعر: أسود. لون العينين: بني. لا علامات فارقة. أم لطفلين. لا زوج لها. تعمل سكرتيرة مع منظمة خدمة اجتماعية. شوهدت لآخر مرة وهي تلبس جينز أزرق وبلوزة بلون أزرق فاتح رسمت عليها ورود صغيرة وحذاء أسود، وكانت تغادر مكتبها في الساعة الواحدة والربع من صباح يوم السبت الموافق الرابع من آيار، متجهة إلى آفنيو بابلو سغندو.

عمليات الاختفاء واقع. حصلت للفقراء، للأغنياء، للمخلصين، وحصلت لصديقتي تيتا. لن ترى طفليها يكبران، لن تشيع الفرح في غرفة بروحها المرحة، لن تحضن حبيبها مرة أخرى، ولن تسير في شوارع سان سلفادور المعتبرة مدينة سلام. اختفت… أو بالأصح، “أُخفيت”

عندما يستخدم الفعل disappear [يختفي] كفعل متعد، يصبح معناه يعتقل شخصاً بسرية، يسجنه، و/ أو يقتله. وقد أصبح الفعل حدثاً عاماً في الحروب، من السلفادور والأرجنتين إلى كردستان والكويت، إلى حد أصبحت الكلمة معه تشرح ذاتها بذاتها. ورغم ذلك، الاختفاء في القانون الإنساني الدولي معقد لأنه يشمل مجموعة من جرائم حرب منفصلة بما فيها الاحتجاز غير الشرعي، عدم القيام بالإجراءات المتبعة، عدم السماح باتصالات بين الشخص المحتجَز والعالم الخارجي. وكثيراً ما يشمل التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، ومن الشائع أن يشمل القتل.

والمرحلة الأولى من الاختفاء هي الاحتجاز. يقول القانون الإنساني الدولي إن على سلطات الدولة أن لا تقوم باعتقالات تعسفية، ويجب أن تستند إلى أسس قانونية سليمة عندما تحتجز شخصاً وتبقيه لديها ضد إرادته. والحبس هو المرحلة الثانية. ينص البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جينيف على أن للشخص، حالما يتم احتجازه، حق المعاملة الإنسانية؛ حق عدم التعذيب أو عدم معاملته معاملة قاسية؛ حق إرسال رسائل وتلقيها؛ حق الإجراءات المتبعة، بما في ذلك أن يُعلَم بالتهمة الموجهة إليه. ويفترض أن الشخص المعتقل بريء، ويجب أن يمنح كل الحقوق والوسائل الضرورية لتقديم دفاع عن نفسه- تقديم دليل، استدعاء شهود، وما شابه ذلك- ويجب أن لا يجبر على اعتراف.

والمرحلة الأخيرة في الاختفاء هي القتل، أو ما يشار إليه أحياناً بتعبير بديل “الإعدام غير الشرعي”. فمن الواضح أن إصدار حكم بالموت وتنفيذه دون حكم محكمة منظمة تنظيماً قانونياً أمر غير قانوني. ورغم ذلك، فإن المسألة المطروحة، كما في جميع حالات الاختفاء والقتل المفترض، هي تقرير مسؤولية الدولة. وذاك جوهر المهمة التي تواجه المحققين وجوهر المسألة في القانون الدولي. وهي أيضاً أصعب مهمة، ولا غرابة.

ورغم ذلك، تحصل معظم حالات الاختفاء في أوضاع ليست إلا أوضاع نزاع مسلح دولي- إما في حروب داخلية أو في أوضاع لا تصل إلى مستوى نزاعات داخلية، أي اضطرابات أو تصرفات شرطة. ويتم تناول كلا المثالين في قانون حقوق الإنسان، كما يتم تناول المثال الأول في المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جينيف الأربع. إضافة إلى ذلك، يعتبر نظام محكمة الجنايات الدولية الأساسي الصادر في روما سنة 1998 بصراحة “الاختفاء القسري للأشخاص… من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بأذن أو دعم منها لهذا العمل أو بسكوتها عنه”، جريمة ضد الإنسانية إذا ارتكب بشكل واسع أو منظم.

حاولنا، لكننا أبداً لم نعثر على تيتا، لا، ولم نستطع أن نقرر بأية ثقة من اختطفها. عرفنا شيئاً عن مصيرها. فقرب نهر لمبا، خارج سان سلفادور، حملقت عجوز في صورتها لمدة طويلة قبل أن تهز رأسها وتقول لنا إنها آسفة. حاولنا أن لا نتخيل ما حصل، ولكننا لم نستطع. فقد شاهدنا بما فيه الكفاية من الأجساد يلقى بها، أحياناً بلا رؤوس وتقريباً دائماً بآثار تعذيب واضحة عليها، في أمكنة لافتة للانتباه، بحيث لا يمكن للمارة إلا أن يروها. وصلتنا شائعات من مخبرين شاهدوا تيتا بأيدي الشرطة الوطنية ثم مضت. لكننا أبداً لم نعثر على جسدها، وفي النهاية توقفنا جميعاً عن سؤال الأسئلة إلا ولديها اللذين لا يزالا يسألان.

——————————————————————————–
* كورين دوفكا مصورة تعمل مع وكالة أنباء رويتر في نيروبي، كينيا. تلقت ميدالية روبرت كابا الذهبية، وفازت بجائزة الصحافة العالمية للصورة، وجائزة صورة العام، وجائزة الشجاعة الصحفية التي تمنحها المؤسسة االإعلامية لننساء العالميات.

المصدر: موقع جرائم حرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *