الرئيسية » مقالات » غواتيمالا-فرق الموت

غواتيمالا-فرق الموت

كانوا يستلقون خارج مركز قيادة شرطة سريّة في غواتيمالا ستي، يرتدون بزات غير متجانسة الألوان وينحنون على بنادقهم الأوتوماتيكية كأنهم مظلات. كانوا خبراء في التعذيب والاختفاء والإعدام. وخلال حرب الحكومة العسكرية الغواتيمالية الأهلية غير المعلنة ضد شعبها والتي وصلت ذروتها في مطلع تمانينيات القرن العشرين، أرهب هؤلاء الرجال الذين يؤلفون فرق الموت، غواتيمالا.

سميت فرق الموت بالإسبانية حرفياً بهذا الاسم escuadrones de la muerte، ولكنها عرفت أيضاً باسم “القضاة”، وهو اسم مغلوط لأنهم لا يتصفون بأي شيء قانوني.

في يوم عيد الميلاد، سنة 1980، تبعنى قاضٍ من هؤلاء وأنا أخرج من قاعة سينما وقال لي إن بإمكاني مصاحبته إما إلى مطعم ماكدونالد لتناول ساندويش بغ ماك أو إلى مركز قيادة الشرطة. وبما إن مخفر الشرطة كان مركز تعذيب، حيث يستطيع المارون سماع صرخات تتصاعد من القبو، اخترت موعداً قصيراً مع أحد عملاء فرقة موت. وذات ليلة، في مناسبة أخرى، قام أربعة رجال مثقلين بالأسلحة بتتبعي وزميلين في شارع مهجور. وعندما حقق سياسي يتمتع باتصالات جيدة في الأمر، أخبرني أن نعم، كان الرجال يلحقوننا، ولكن ذاك لم يكن إلا تكتيكاً لإخافتنا. (طمأنني: لو أرادوا قتلكم، لكنتم أمواتاً الآن).

مات عشرات آلاف الأشخاص في غواتيمالا، إما في مجازر اقترفتها في الريف قوات مسلحة ترتدي زياً رسمياً أو، في المدن، على شكل “اختفاء” نفذته فرق الموت.

كان بعض أعضاء فرق الموت هذه أفراداً من الجيش ارتدوا ثياباً مدنية ليقوموا بالخطف. ورغم ذلك، كان آخرون جنوداً أو شرطة أو حراساً سابقين أو مدنيين عاطلين عن العمل انتدبوا من قبل الجيش لينفذوا أعماله القذرة نيابة عنه مقابل مبلغ. وكان القضاة فلاحون ريفيون جُندوا في ما سمي دوريات مدنية وطلب الجيش منهم إدانة جيرانهم مقابل بندفية أو قطعة أرض أو بعض مال أو حصانة من أن يصبحوا هم أنفسهم أهدافاً للجيش. ولمعظمهم، لم يكن الدافع سياسياً، بل مالياً؛ فإذا قلت لقاضٍ إنك ستدفع له ضعف ما يحصل عليه مقابل غسل سيارات، فسوف يغسل سيارات.

تخطف فرق الموت الناس وتقتلهم لأن شخصاً ما في الحكومة أو المؤسسة العسكرية يحكم تصرف أعضائها أو يجازيه أو يتغاضى عنه. ولدى الحكومات والقوات المسلحة والمنظمات السياسية سبباً عملياً لاستخدام فرق الموت- إنكار العلاقة الرسمية بها- ولكنه نادراً ما يقبل.

والإعدامات التي تقوم بها فرق الموت تنتهك قوانين النزاع المسلح وبالمثل عديد مواثيق حقوق الإنسان. والآن، وفي ظروف معينة، تعتبر جريمة ذات صلة- الاختفاء القسري- جريمة ضد الإنسانية.

وتحظر قوانين النزاع المسلح، كما قُنّنت في اتفاقيات جينيف الأربع لسنة 1949، بصراحة الإعدامات دون محاكمة عادلة. فالمادة الثالثة المشتركة التي تنطبق على النزاع الداخلي، وتتعامل مع الأشخاص الذين لم يشتركوا في الأعمال العدائية، تمنع “الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب”. وتمنع أيضاً “إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً، وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة”.

وينص البروتوكول الإضافي الثاني لسنة 1977 الذي يغطي النزاع المسلح الداخلي أن على المحكمة توفير “الضمانات الأساسية للاستقلالية والنزاهة”. وعلى المحكمة إبلاع المتهم دون إبطاء بتفاصيل الجريمة المنسوبة إليه، وأن تكفل له كافة الحقوق ووسائل الدفاع اللازمة؛ ولا يتهم أي شخص بحريمة إلا على أساس المسؤولية الجنائية الفردية؛ ولا يدان أي شخص بجريمة لم ينص القانون عليها وقت ارتكابها؛ والمتهم بجريمة بريء إلى أن تثبت إدانته؛ ولكل متهم الحق بأن يحاكم حضورياً، ولا يجوز إجباره على الإدلاء بشهادة على نفسه. ورغم أن هذا البروتوكول مقبول بأقل من قبول اتفاقيات سنة 1949، أصبحت غواتيمالا طرفاً فيه سنة 1987.

أعلنت منظمة الدول الأمريكية سنة 1994 أن ممارسة الاختفاء القسري المنظمة جريمة ضد الإنسانية، وتم تبني هذا المعيار في نظام روما الأساسي لسنة 1998 الخاص بمحكمة الجنايات الدولية. وتحظر مواثيق حقوق الإنسان التي تنطبق على أوضاع التمرد أو الاضطرابات، رغم إمكانية تقييدها أو تجميدها مؤقتاً قانونياً خلال نزاع مسلح، عقوبة الإعدام دون حكم يصدر عن محكمة متخصصة.

كان الوضع في غواتيمالا بكل وضوح وضع نزاع مسلح داخلي ينطبق عليه القانون الإنساني. ولذا، فإن الحكومة والجيش وفرق الموت وأي شخص آخر يستعمل القوة لصالح الحكومة ملزمون بأحكامه.

لم ينج إلا القليلون من فرق الموت، ومعظم هؤلاء إما هربوا من الأسر أو أفرج عنهم في فجر أول انتخابات مدنية غواتيمالية تجري خلال ثلاثة عقود، عندما رغبت الحكومة بالانحناء أمام المطالب الدولية مقابل وعد بمساعدة اقتصادية.

ورغم أن الجيش أنكر أية صلة له بفرق الموت، لم يؤمن أحد بذلك. فحتى في غواتيمالا، حيث اشتهر الجيش بأنه لا يترك شهوداً أو سجلات مكتوبة عن أفعاله (تباهى مدير العلاقات العامة السابق في الجيش، الكولونيل إدغار داجالما دومنجوز، سنة 1984 “لسنا الأرجنتين، فلا يوجد عندنا ناجون”)، كانت الأفعال أحياناً غير سرية. فعندما سعت زوجة نقابي عمالي معرفة أخبار زوجها المختفي، أُخذت إلى مكتب معتم في زاوية من زوايا القصر القومي، حيث سرد عليها “قاضٍ” يخفي وجهه بقناع تفاصيل الخطف والتعذيب.
ـــــــــــ
(انظر الإجراءات المتبعة).
——————————————————————————–
* جين- ماري سيمون محامية في العاصمة الأمريكية واشنطن، وتعمل في اللجنة الاستشارية لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان/ فرع أمريكا. وهي مؤلفة “غواتيمالا: ربيع أبدي، استبداد أبدي” ( منشورات دبليو. دبليو. نورتون، 1988).

المصدر: موقع جرائم حرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *