الرئيسية » مقالات » الغدر والخيانة

الغدر والخيانة

فرّوا من سربرينكا، أول منطقة في العالم تعلن الأمم المتحدة أنها منطقة أمان، بعد سقوطها بيد صرب البوسنا في الحادي عشر من شهر تموز 1995، وكانت الحكايات التي روتها عدة دزينات من رجال البوسنا المسلمين هؤلاء متفقة بشكل تقشعر له الأبدان.

حفزت قوات حفظ السلام الهولندية ونفاثات الناتو التي وعد مجلس الأمن التابع لأمم المتحدة بأنها ستحمي سربرينكا مقاومة ضعيفة. عرف الرجال أنهم يواجهون الموت ففروا ملتحقين بطابور مفرد طوله ثلاثة أميال ويضم خمسة عشر ألف شخص معظمهم غير مسلحين يحاولون شق طريقهم عبر ثلاثين ميلاً من أرض معادية ليصلوا خطوط الحكومة البوسنية. مراراً وتكراراً، على طول خط المسيرة، قتل المئات في سلاسل من الكمائن المخططة جيداً من قبل القوات الصربية البوسنية. بعد ذلك، أعلن جنود صرب بوسنيون، يرتدون أزياء أمم متحدة مسروقة ويقودون سيارت أمم متحدة مسروقة، بمكبرات الصوت أنهم من قوات حفظ السلام وأنهم مستعدون للإشراف على استسلام المسلمين البوسنيين ويضمنون عدم إيذائهم.

صدّق عديد المسلمين المربكين التعبين الكذبة. وفقط بعد أن استسلموا اكتشفوا خطأهم المميت. فباستسلامهم كانوا يسيرون إلى حتفهم. فمن وضع الصرب أيديهم عليهم قتلهم فريق إعدام.

كانت مذبحة سربرينكا أسوأ مذبحة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. كانت الصدمة مما حدث هناك كبيرة جداً حتى بدا، ولا يزال يبدو بطرق عديدة، فصل جرائم الحرب عن الأعمال العسكرية المشروعة فحشاً كاملاً. ورغم ذلك، من وجهة نظر القانون الإنساني الدولي، تعتبر الكمائن التي قفز الصرب منها على البوسنيين الفارين خدعاً قانونية يستطيع الجنود توظيفها في وقت الحرب. قال محققو محكمة جرائم الحرب الدولية ليوغسلافيا السابقة إن حقيقة وجود عديد جنود الحكومة البوسنية في الطابور الهارب جعله تهديداً عسكرياً ولذا هدفاً مشروعاً. بتعابير قانونية، لم تُطمئن كمائن صرب البوسنا المسلمين البوسنيين بحس زائف بالحماية حسب القانون الدولي، بل بالأصح قادتهم إلى خطأ في حساب طبيعة التهديد الذي يواجهونه.

وما كان جرماً كاملاًً هو استخدام صرب البوسنا شارات الأمم المتحدة ومعداتها ليغووا المسلمين الفارين بالاستسلام- وهذا مثال واضح على جريمة حرب. يعود حظر الغدر والخيانة في الأزمنة الحديثة إلى الحرب الأهلية الأمريكية. إلا إن البيان المحدد الذي يمنع ذاك النوع من الخداع الذي تورط صرب البوسنا فيه على الطرق الخارجة من سربرينكا يمكن العثور عليه في المواد 37 و38 و39 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف.

فالمادة 37 من البروتوكول الأول تقول “تعتبر من قبيل الغدر تلك الأفعال التي تستثير ثقة الخصم مع تعمد خيانة هذه الثقة وتدفع الخصم إلى الاعتقاد بأن له الحق في أو عليه التزاماً بمنح الحماية طبقاً لقواعد القانون الدولي التي تطبق في المنازعات المسلحة”. وتحظر المادة 38 بوضوح استخدام “الشارة المميزة للأمم المتحدة إلا على النحو الذي تجيزه تلك المنظمة”. وتحظر أيضاً “إساءة استخدام الشارات المميزة للصليب الأحمر والهلال الأحمر والأسد والشمس الأحمرين” التي إذا استخدمت غدراً شكل استخدامها خرقاً قانونياً جسيماً.

والاختلاف بين الغدر والخيانة هو الاختلاف بين الخداع وعدم الولاء. فالغدر جَعْلُ شخص يؤمن بزيف، بينما عدم الولاء يشمل عملاً يؤذي الشخص فعلاً. والغدر والخيانة مستعملان في القانون الدولي بالتبادل.

وأمثلة أخرى على الغدر هي التظاهر بالتفاوض تحت علم هدنة أو علم استسلام، التظاهر بالعجز لجراح أو مرض، والتظاهر بوضع المدني غير المقاتل. وتحظر المادة 39 استخدام أعلام الجانب الخصم أو شاراته العسكرية أو علاماته أو أزيائه في وقت هجوم لحماية عملية عسكرية أو عرقلتها [أو تغطيتها أو تسهيلها].

ولكن البروتوكول ينص بوضوح على أن خدع الحرب غير محظورة. والخدعة فعل يقصد به تضليل خصم أو “إغواؤه للقيام بعمل طائش” لكنه لا يخالف أي حكم من أحكام النزاع المسلح ولا يحاول كسب ثقة خصم بطمأنته بحماية قانونية. وتعتبر عمليات التمويه والإيهام والتضليل وترويج المعلومات الخاطئة من خدع الحرب المسموح بها. ومثال على خدعة قانونية حدثت عندما تجمعت القوات الأمريكية في البحر أثناء حرب الخليج لخداع العراق فيعتقد أن هجوماً برمائياً وشيك؛ ولكن الهجوم كان بالفعل برياً. وقد يكون مثال آخر إرسال قاذفة قنابل نحو ثكنات لإبعاد المضادات الجوية عن محل بناء سفن.

في حالة مسلمي سربرينكا، أُنجر تعريف الغدر المدرسي الضيق جداً بشكل مأساوي. فالمسلمون الذين استسلموا فعلوا ذلك لأنهم خُدعوا من قبل الصرب فاعتقدوا أنهم بحضور قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. لم يكن ذاك خدعة، فالخدعة قانونية في الحرب، بل بكل صراحة وبساطة غدراً كلف آلاف الأشخاص حياتهم.

وطبعاً، إن قتل كل أولئلك الذين استسلموا، أولئك العاجزين عن القتال، أكثر الخروق القانونية جسامة.

——————————————————————————–
* ديفد رود مراسل لصحيفة النيويورك تايمز ومؤلف “اللعبة النهائية: خيانة سربرينكا وسقوطها” (دار نشر فارار وشتراوس وجيرو، 1998). فاز تحقيقه عن القبور الجماعية في سربرينكا لصحيفة الكريستيان ساينس مونيتور بجائزة بوليتزر لس نة 1996 للتغطية الدولية وبالمثل بجائزة سغما تشي وجائزة نادي الصحافة لما وراء البحار.

المصدر: موقع جرائم حرب