الرئيسية » مقالات » البوسنا

البوسنا

مقالات لنفس الكاتب

يُنظر الآن إلى النزاع في البوسنا والهرسك الذي بدأ في شهر نيسان 1992 وانتهى في شهر تشرين ثاني 1995، على أنه نموذج لحروب التطهير العرقي في جميع أنحاء العالم. وكان هذا النزاع أعنف الأحداث التي خبرتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ويستدعي تدمير الدولة الصغيرة متعددة الأعراق إلى الذاكرة خرائب ألمانيا بعد قصف الحلفاء لها. وشكلت أساليب التطهير العرقي التي استعملت للاستيلاء على أرض إنكاراً لدروس الحرب العالمية الثانية كما قننت في اتفاقيات جينيف. وعملياً، كانت النعمة الوحيدة التي نجمت عن صنع السياسة الغربية خلال الثلاثة أعوام ونصف التي استغرقتها الحرب هي قرار إنشاء محكمة جرائم حرب دولية لاتهام ومحاكمة بعض المسؤولين عن الجرائم

ويعرف كل امرئ الآن أن الحرب كانت نتيجة لانهيار يوغسلافيا وللحدث الذي أكد أن إعادة تشكيلها لن يتم أبداً. فقبل أن تبدأ الحرب بوقت طويل، أدار سلوبودان ملوزفتش في صربيا، وعلى أثره فرانجو توجمان في كرواتيا، ظهريهما للمثال اليوغسلافي الذي تمثل في دولة فدرالية متعددة الأعراق، وبدءا بخلق دولتيهما المتجانستين عرقياً. ومع إخفاق ملوزفتش، سنة 1991، بالسيطرة على يوغسلافيا كلها، جاء دور الحرب.

رافضاً كلياً فدرالية ضعيفة وتبني الإصلاحات الديمقراطية وإصلاحات السوق الغربية التي كسحت المحور السوفياتي السابق، ومواجهاً تحديات الطلبة في الشوارع، اختار ملوزفتش الصراع العسكري، وكان يتمتع بسيطرة فعالة على الجيش وجهاز الشرطة الفدراليين، وبدعم الشتات الصربي الناهض في الجمهوريات المتجهة إلى الاستقلال، يتقدمهم القوميون المتطرفون، وبقدرة على استغلال كل المؤسسات الأساسية في صربيا- الأكاديميين، وسائل الإعلام، الكنيسة الأرثوذكسية الصربية. وهكذا تُجسد حروب خلافة يوغسلافيا متعددة القوميات فكرة كلاوزفتس القائلة إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى.

وليقوي قبضته على قاعدة السلطة المحلية، جعل ملوزفتش مهمته إثارة عداء الجماعات اليوغسلافية العرقية والقومية إحداها ضد الأخرى. وفي النهاية، نجح في تطهير ما تبقى من يوغسلافيا من كل الجماعات القومية التي رفضت الخضوع لهيمنة الشعب الصربي وحزب ملوزفتش الاشتراكي (خليفة عصبة الشيوعيين).

تصور المشروع السياسي الصربي، أولاً في كرواتيا، ومن ثم في البوسنا والهرسك، خلق دول متجانسة عرقياً، وذلك بالاستيلاء على أراض من دول أخرى. وعنى التطهير العرقي استعمال العنف والإبعاد لمحو أي أثر للجماعات العرقية الأخرى التي تعايشت سابقاً مع الصرب في الأراضي المتمناة. كان هذا “التطهير” هدف الحرب، وليس نتيجتها غير المقصودة. وما سبّب النزاع ليس عدم قدرة الجماعات العرقية المختلفة على العيش معاً، بل هدف سياسي يريد فصلها.

وخرج العنف مطلق العنان مباشرة من جدول أعمال سياسي وقف بتناقض كامل مع تاريخ البلقان متعدد القوميات الذي دام لقرون. بكلمات بسيطة، ما كان يمكن الوصول إلى دول متجانسة عرقياً، في منطقة امتازت باختلاط تاريخي، إلا بالعنف المتطرف. ففي البوسنا، اتخذ العنف، بكل وضوح، شكل الإبادة، إذ كان هدفه تصفية ما يكفي من السكان، بداية بإبادة نخبتها، كي لا تستطيع من بعد تشكيل أكثرية. وعند الصرب، عنت جرائم الحرب قوة مضاعفة- وسيلة تحقق نتائج أكبر من غيرها. فلم يكن لديهم ما يكفي من القوة العسكرية ليحققوا طموحاتهم بطريقة أخرى.

اختارت الحكومات الغربية، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية، عدم التدخل لثلاثة أعوام ونصف. ورداً على الفظائع التي روتها وسائل الإعلام ومنظمات الإغاثة وحتى دبلوماسييها، وكي تلطف صرخات الرأي العام على صور نزلاء معسكرات الاعتقال الجوعى المحتجزين خلف أسلاك مكهربة، أقر مجلس الأمن قرارات فشل أعضاؤه بعد ذلك في تطبيقها واتخذ، مع الأسرة الأوروبية، إجراءات دبلوماسية لم تُدعم هي الأخرى بالقوة. وكي تتملص من التزاماتها باتفاقية الإبادة لسنة 1948 التي تتطلب من أطرافها منع الإبادة والمعاقبة عليها، استعارت كثيراً التعبير الذي استخدمه المسؤولون الصرب، التطهير العرقي، ومن ثمّ قالت إن جميع الأطراف تقوم بالممارسة نفسها. ولم تستعمل تعبير الإبادة إلا بعد انتهاء الحرب.
اعترفت الدول العظمى بالبوسنا والهرسك دولة ذات سيادة، وقبلتها عضواً كاملاً في الأمم المتحدة، وأقامت معها علاقات دبلوماسية، وفي الوقت نفسه جمدت عضوية ما تبقى من يوغسلافيا في الأمم المتحدة، وفرضت عليها العقوبات لدعمها الحرب. لكنها رفضت تعريف النزاع عدواناً مسلحاً دولياً ووصفته بدلاً عن ذلك حرباً أهلية وخلافاً عرقياً قديماً، الأمر الذي سمح لها بتجنب تنفيذ التزاماتها الأمنية الجماعية وفقاً لميثاق الإمم المتحدة. ورفضت أيضاً توثيق وجود صلات بين الجيشين الصربي والصربي البوسني، التي أكدتها مصادرها المخابراتية- بنية قيادية موحدة، بنية تحتية لوجستية واحدة، وممول مشترك. وصف دبلوماسي أمريكي كبير الإخفاق الدولي بالرد بأنه أسوأ أزمة في نظام الأمن الجماعي الأوروبي منذ ثلاثينيات القرن العشرين.

كان الدليل على معسكرات الاعتقال والاغتصاب المنظم والمجازر والتعذيب وإبعاد المدنيين الجماعي دليلاً لا يمكن إنكاره، وفي شهر شباط 1993، أساساً بتوصية أمريكية، أنشأ مجلس الأمن “محكمة دولية لمحاكمة الأشخاص المسؤوليين عن انتهاكات خطرة للقانون الإنساني الدولي ارتكبت في أراضي يوغسلافيا السابقة منذ سنة 1991” في لاهاي. ولكن الدول الكبرى لم تتوصل إلى تسمية نائب عام للمحكمة إلا في شهر تموز 1994، ولم تقدم دعماً للحكومة البوسنية عندما رفعت قضية إبادة ضد صربيا في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وبدلاً عن ذلك، حضت الحكومات الغربية البوسناً مرراً على التخلي عن القضية.

ورغم أن المحكمة حاكمت أساساً مسؤولين صغار، إلا إنها كانت غير قادرة على كشف قناع صمت الغرب حول طبيعة المشروع الحقيقية. فلم تستطع المحكمة إلا في شهر تموز 1995، عندما أصبح تدخل الناتو وشيكاً، أن تدين القائد السياسي رادوفان كرادتش والقائد العسكري راتكو ملادك بتهمة الإبادة. وعندما قُدم دسكو تادك للمحاكمة سنة 1996 بتهمة الجرائم التي ارتكبت في معسكر اعتقال أومارسكا وفي أماكن أخرى في مقاطعة برجدور، حللت المحكمة الأعمال الوحشية التي حصلت على أدلة تثبت وقوعها من مصادر علنية ومن الضحايا ومن دول كبرى حاولت إعاقة عمل المحكمة دائماً، على أنها أعمال حصلت أثناء حملة عسكرية وحرب أهلية بدلاً من نزاع دولي. كان لدى المحكمة سلطة قضائية واسعة لإدانة دسكو تادك كمرتكب جرائم في نزاع داخلي، ولكن ضيق مجال اتهاماتها حمى بفعالية صربيا التي نظمت الإبادة التي اشترك فيها تادك، من المساءلة المباشرة.

وكانت وسائل الإعلام التي يسيطر القادة السياسيون عليها، عاملاً مهماً في التحريض على الكره العرقي. قنّع هذا الترويض السايكولوجي النزاع بتعبيرات عن الحرب الأهلية والعرقية، مستخدما الذريعة الأهم، ألا وهي استحالة أن تعيش شعوب يوغسلافيا السابقة معاً على الأرض نفسها. ولكنه أيضاً أيقظ تلك البربرية النائمة في داخل كل منا، ودفعت الناس إلى ارتكاب هذه الفظائع الهائلة.

تاريخياً، في النزاعات التقليدية، عادة ما تكون هزيمة جيش العدو في ميدان المعركة والاستيلاء على أرض الأهداف العسكرية لكلا الجانبين المتحاربين. أما قتل مدنيين وجرحهم، وتدمير ممتلكات، ونشوء مشكلة لاجئين أو مرحلين فكثيراً ما تكون نتاجاً فرعياً لهذه الأهداف. وبينما يعتبر كثير من هذا التدمير قانونياً بمقتضى القانون الدولي، لأن مبادئ الحرب لا توفر ضمانات كاملة لأمن المدنيين الذين أمسك بهم في مناطق القتال، فإن جوهر قوانين الحرب تقليص المعاناة إلى حدها الأدنى. ويقود هذا الأمر إلى بديهية مفادها أن لا يتعرض السكان المدنيون لهجوم. والجنود المنتمون إلى جيوش منظمة ويخالفون هذه القوانين يتعرضون للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب. في البوسنا والهرسك، لم يكن قتل المدنيين نتاجاً فرعياً للحرب، لأن هدف التطهير العرقي كان إبادة المدنيين.

في الوقت الذي انهارت فيه يوغسلافيا، كانت سمعة الجيش الفدرالي اليوغسلافي قد تلطخت بشكل لا يمكن إصلاحه، فبتوجيه من ملزوفتش نسق الجيش عمل عديد المليشيات التي قامت بالعمل القذر ودعمها.

ولم يكن ما قامت به هذه المليشيات أعمالاً منعزلة متفرقة ارتكبتها فصائل مليشيا غير منضبطة. على العكس من ذلك، يشهد الأسلوب الذي نفذت فيه، وطقوس تنفيذها، وديمومتها، ونمط ارتكابها في الأراضي التي يسيطر الجيش عليها أنها كانت نتاج سياسة منظمة، خُططت ونُسقت في أعلى مستويات الحكومة اليوغسلافية السياسية والعسكرية.

ولإنجاز هدف الحرب، لم يوجد، ربما، أي طريق آخر. ففي مجتمع متعدد الأعراق مثل يوغسلافيا السابقة قبل سنة 1991، لم يكن كافياً ضم الأراضي رغم ضرورتها. فمن المؤكد أن أفراداً كثيرين ينتمون إلى جماعات عرقية خصم سييقون فيها، وكلما تم فتح المزيد من الأرض، كلما أصبح صعباً، ويا للمفارقة، احتلالها وإدارتها. فما كان إلا للتطهير العرقي، أي تصفية الجماعات العرقية الموجودة في الأراضي المتمناة، أن يجعل أهداف حرب الصرب مثمرة، و، من بعد، أهداف الكروات أيضاً. أدرك ملزوفتش وتوجمان هذا الأمر منذ البداية. فقد كانت أهداف الحرب وأهوالها شيئاً واحداً، أو، أكثر تحديداً، اعتمد نجاح الحرب على أهوالها.

بدأت الحرب في السادس من شهر نيسان 1992، بالهجوم على مدن أساسية مثل بجلنجا وزفرونك على الحدود الصربية البوسنية من قبل الجيش اليوغسلافي ومجموعاته المسلحة شبه العسكرية الحليفة، وتبع الهجوم حصار سراييفو. ورغم أن ترتيبات تفعيل الجبروت العسكري المدهشة اتخذت سراً في مكان ما حول العاصمة البوسنية قبل مدة طويلة، إلا إنها أوقفت إلى أن قام الأوروبيون والأمريكيون بالاعتراف باستقلال البوسنا والهرسك.

ومنذ بداية النزاع المبكرة، كان الإرهاب الوسيلة التي استعملت لفصل الجماعات بعضها عن بعضها الآخر. وتشهد انتهاكات القانون الإنساني الدولي على التصميم للوصول إلى الهدف. وتمثَّلت بعض انتهاكات القانون الإنساني الدولي وقوانين الحرب التي بارتكابها كان الصرب مذنبون، بالآتي: قصف السكان المدنيين، أولاً سكان سراييفو، ومن ثم قرى محاصرة؛ المجازر أثناء الغزو، ومن ثمّ إجلاء المدنيين الإجباري لتعديل البنية العرقية لمناطق معينة؛ الاحتجاز غير القانوني للسكان المدنيين في معسكرات اعتقال؛ التعذيب؛ الاغتصاب المنظم؛ الإعدامات الفورية؛ الاستيلاء على الممتلكات ونهبها؛ التدمير المنظم للإرث الثقافي والديني بغرض واحد هو محو أي أثر لأي شيء غير صربي في الأراضى المستولى عليها؛ استخدام المعتقلين دروعاً بشرية في الخطوط الأمامية وفي ميادين المعارك؛ وتجويع المدنيين الذين قاوموا.

والعنف يولد عنفاً. ففي سنة 1993، متشجعين بحملة رعب ملزوفتش ضد المسلمين وبإنكار الدول الغربية الدائم أن إبادة وقعت، دخل الكروات الحرب ضد حلفائهم المسلمين السابقين، مستخدمين عديد الوسائل التي استخدمها الصرب- الإرهاب، الإبعاد، معسكرات الاعتقال، قصف المدنيين العشوائي، المجازر، منع الغوث الإنساني، تدمير المزارات الدينية، والاستيلاء على الممتلكات.

وشجعهم على ذلك دعم سلوبودان ملوزفتش لكرواتيا كبرى (التي ستضم الهرسك الغربية وجزءاً من البوسنا الوسطى، حيث عاشت أغلبية من الكروات البوسنيين الذين بلغ عددهم 000، 800). ودائماً، كانت هذه الخروق القانونية الجسيمة لقوانين النزاع المسلحً على مستوى أصغر من تلك التي اقترفها الصرب.

ورغم أنهم ضحايا عدوان مزدوج، انتهك المسلمون أيضاً القانون الإنساني الدولي. إلا إن حكومة سراييفو لم تجعل التطهير العرقي أبداً سياستها العليا، كما فعل أعداؤها. ولا يشكل هذا عذراً لأفعال بعض وحدات الجيش البوسني: الإعدام الفوري لبعض الصرب في سراييفو، وإقامة عدة معسكرات اعتقال مورست فيها بانتظام، كما روي، اعتداءات جنسية واغتيالات وتعذيب.

في تقرير شامل قدم إلى الأمم المتحدة، استنتجت مفوضية خاصة من الخبراء، برئاسة شريف بسيوني من جامعة دوبول في شيكاغو، أن 90 بالمائة من الجرائم التي ارتكبت في البوسنا والهرسك يتحمل مسؤوليتها متطرفون صرب، و 6 بالمائة متطرفون كروات، و4 بالمائة متطرفون مسلمون. وتنسجم هذه الاستنتاجات تقريباً مع تقويم صاغته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

ومهما كان شكل تقسيم اللوم، فما هو واضح بشكل مأساوي أن المطهِرين نجحوا نجاحاً كبيراً في عملهم. أما ما إذا كان تقديم مهندسي هذه الجرائم ومنفذيها للعدالة سيغير أي شيء من هذا فأمر ستكشفه الأيام القادمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(انظر النزاع المسلح الدولي مقابل النزاع المسلح الداخلي؛ الناتو واتفاقيات جينيف؛ الأمم المتحدة واتفاقيات جينيف).

——————————————————————————–
* فلورنس هارتمان صحفية في صحيفة اللوموند في باريس، وكانت مراسلتها الدائمة في يوغسلافيا السابقة من سنة 1989 إلى سنة 1994. وهي مؤلفة كتاب “سلوبودان ملوزفتش والأزمة اليوغسلافية”.

المصدر: موقع جرائم حرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *