الرئيسية » مقالات » راوندا- اللاجئون والإباديون

راوندا- اللاجئون والإباديون

كانت امرأة متوسطة العمر، بوركين عريضين، ترتدي ثوباً أزرق كثوب مريم العذراء، واحدة من مليون لاجئ هوتي راوندي. كانت وظيفتها تقصي أثر عائلات الأطفال الأيتام والمهجورين في معسكر اللاجئين في شرقي زائير.

ولكن لبولينا نيراماسواوكو ماضياً. ففي شهر نيسان سنة 1994، عندما كانت تجري عملية إبادة توتسيي راواندا والهوتيين المعارضين، رأت الفلاحة غريس هاجنيمانا نيراماسواوكو تخاطب اجتماعاً في مكان يدعى رنفنيا. قالت عنها “جاءت لتشجيع الناس على القتل. رأيتها في سيارة مع شرطة يحرسونها. قالت، عليكم البدء بالعمل، عليكم مطاردة الأعداء. ومن ثمّ حمل الناس مناجلهم”. كان زوح هاجنيمانا من بين من قتلوا.

تنتظر نيراماسواوكو الآن محاكمة في محكمة جرائم الحرب الدولية في أروشا، تنزانيا، حيث اتهمت بالإبادة، والتواطؤ مع الإبادة، والجرائم ضد الإنسانية، وبانتهاكات خطيرة للمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جينيف لسنة 1949، وللبروتوكول الإضافي الثاني الملحق بها. وتجسد قصتها اللامبالاة الدولية تجاه مجرمي الحرب الذين قادوا إبادة 1994 في راوندا. فكوزيرة للنساء، كانت نيراماسواوكو واحدة من أكثر المعروفات في الحكومة التي نظمت المذبحة، ولذا سهل التعرف عليها. لكنها هربت إلى زائير عبر المنطقة الفيروزية، المنطقة التي تسيطر عليها القوات الفرنسية المفترض أن يكون هدفها تقديم الغوث الإنساني وتوفير الحماية للضحايا. وحالما أصبحت في مخيم اللاجئين، وظفها القسم الإسباني في منظمة الغوث الكاثوليكي كاريتاس (الكلمة اللاتينية لـ “الرعاية العطوف”) منسقة خدمات اجتماعية. ولثلاثة أعوام، سافرت دون إزعاج بين زائير وكينيا. وأخيراً اعتقلت في نيروبي في شهر تموز 1997 بعد أن ضغطت الحكومة الرواندية الحالية على الرئيس موي.

لقد طوّل الفشل في تطبيق القانون الدولي في لحظات حاسمة معاناة شعوب أفريقيا الوسطى. وصرفت مبالغ كبيرة في مساعدات طارئة على حساب إعادة بناء اقتصاد المنطقة.

فلم تخف الحكومة الفرنسية، في عهد فرانسوا ميتران، كراهيتها للجبهة الوطنية الراوندية الأنجلوفونية، جيش العصابات الذي أنهى انتصاره العسكري الإبادة. وسمح الفرنسيون لدزينات من “الإباديين” المعروفين، بمن فيهم بولينا، بعبور المنطقة الفيروزية، هاربين من أنشوطة الجبهة الوطنية التي أخذت تضيق عليهم.

أعاد القتلة اختراع أنفسهم قادة لمعسكرات اللاجئين التي تديرها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مدعومين من قبل وكالات الإغاثة الدولية. وأُخضعت الالتزامات الدولية المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي واتفاقية الإبادة إلى رغبة عامة بإنقاذ حياة الناس. فأُطعم المذنبون إلى جانب آلاف الأطفال الذين خيمت صورهم على مشاهدي التلفزيون الغربي. وأعيد في المعسكرات إنتاج البنية الإدارية التي سهلت القتل في راوندا.

ولم يتم أبداً فصل الذين هربوا من العدالة عمن لم يَقْتُلوا. ولم يحدد أبداً من هو المسؤول عن مثل تلك المهمة الصعبة الخطرة. ونجم عن هذا الإخفاق انتهاكاً للقانون الدولي. فقد أصبحت المعسكرات ملاذاً آمناً لمجرمي الحرب، وقواعد لانطلاق هجمات رجال العصابات الهادفة القضاء على استقرار رواندا التي تحاول فيها حكومة الجبهة الوطنية الراوندية الجديدة، بقيادتها التوتسية، ترسيخ سلطتها.

فعندما هاجم جنود الحكومة الراوندية اللاجئين في شهر تشرين ثاني 1996، ملأت كتب التدريب على التكتيكات الإرهابية والرواية الهوتية المتطرفة للتاريخ المعسكرات المهجورة. وعندما ووجه أحد مسؤولي الغوث الكبار بالدليل على الذين كانوا يساعدونهم قال: “لم نعرف أبداً ما كان يجري في الليل”.

أجبر تحطيم المعسكرات بالعنف معظم اللاجئين على العودة إلى راوندا، ولكن مئات الآلاف فروا بعيداً إلى غابات زائير الشرقية التي حالما أعيد تسميتها الكونغو. وتشير الأدلة التي قدمها شهود مروعون إلى أن جنود الحكومة الراوندية- عديدهم أقارب ضحايا الإبادة- جزروا الآلاف. أنكر ممثلو الحكومة الرواندية في بعض الأحيان عمليات القتل وفي أحيان أخرى برروها بالقانون الدولي، قائلين كان الضحايا “إباديين” معروفين، يخططون لغزو راوندا مستخدمين الأطفال ولاجئين آخرين “دروعاً بشرية”. ولكن سيماء الناجين الذين أضعفتهم مسيرتهم الطويلة في الغابات، تشير إلى أن هؤلاء الناس المحبطين المثيرين للشفقة لا يشكلون من بعد تهديداً للقوات الراوندية المسلحة جيداً. ولقد حوجج بأن عمليات قتل الهوتيين في غابات الكونغو ما هي إلا هجمات على المدنيين واللاجئين لم يستدعها شيء، ولذا فإنها جرائم حرب.

والآن، يشن المتطرفون الهوتيون غارات غوارية- اضرب واهرب- على التوتسيين ومنشآت الجيش داخل راوندا، بينما يتحرك جنود الحكومة ضد الهوتيين الذين يشتبه بأنهم يدعمون المتمردين. وتظل راوندا أرض خوف وارتياب وموت.

وهكذا، حكم الإخفاق الدولي بالتحرك السريع ضد مجرمي الحرب على أفريقيا الوسطى بدائرة عنف وحصانة لم تكسر بعد.

——————————————————————————–
* لندسي هيلسم مراسلة أخبار القناة الرابعة (لندن) الدبلوماسية، ومساهمة في ملحق التايمز الأدبي ومجلة النيوستيتمان، وأنجزت عدة تقارير وثائقية. فازت سنة 1995 بجائزة صحفي العام، التي تمنحها منظمة العفو الدولية، لتقاريرها عن راوندا.
المصدر: موقع جرائم حرب

http://www.crimesofwar.org/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *