الرئيسية » مقالات » راوندا- الإبادة

راوندا- الإبادة

يستخدم تعبير الإبادة بشكل واسع وأحيناً بشكل غير دقيق، ولكن ما وقع في راوندا بين شهري نيسان وأيار 1994 كان ثالث إبادة لا يجادل فيها في القرن العشرين. وكما عرفتها اتفاقية منع جريمة الإبادة والمعاقبة عليها لسنة 1948، تتكون الإبادة من أفعال معينة “ارتكبت بقصد تدمير جماعة قومية أو عرقية أو جنسية أو دينية، جزئياً أو كلياً، باعتبارها كذلك”. وفي راوندا، قتل ما بين 000، 500 ومليون توتسي وهوتي معتدل، ممن يتفق وصفهم مع تعريف الاتفاقية للجماعة القومية.

أصبح تخطيط هذه الإبادة المهمة قانونياً لاشتهارها بتعمد مهندسيها الواضح على ارتكاب الجريمة، معروفاً للأمم المتحدة قبل أن تقع بكثير. فقد تبع جهد الحكومة الراوندية في سنة 1993 للقيام بإحصاء يقضي بأن يذكر جميع الراوندين فيه اسم قبيلتهم مذبحة للتوتسيين في الجزء الشمالي من البلد. وثبت أن هذه المذبحة لم تكن إلا تدريباً مروعاً على إبادة سنة 1994.

وفي الفترة الفاصلة بين المجزرتين، وقّع الرئيس الراوندي، جوفينال هابياريمانا، اتفاق سلام في مدينة أروشا في تنزانيا، مع الجبهة الوطنية الراوندية التي يقودها التوتسيون قُصد أن ينهي حرب البلاد الأهلية التي استمرت لأربعة أعوام. وسواء قصد الرئيس هابياريمانا مخلصاً الوصول إلى سلام، أو إنه، وهذا أكثر احتمالاً، رأى الاتفاق وقفة ينهي أثناءها خطط تصفية التوتسيين، فمسألة ربما لن تتم الإجابة عنها بشكل مقنع. وما هو واضح أنه كان يعيد بناء الإدارة الوطنية التي يسيطر الهوتيون عليها ليضع متطرفين في مواقع السلطة- متطرفين كان هدفهم الرئيسي التآمر لشن ضربة إبادية نهائية ضد الأقلية التوتسية التي يكرهونها.

وفي السادس من شهر نيسان سنة 1994، عاد الرئيس هابياريمانا من تنزانيا بعد اجتماع حول العملية السلمية. وعندما حاولت طائرته الهبوط في العاصمة الراوندية، كيغالي، أسقطها أعضاء متطرفون في حزب الرئيس نفسه. كانوا، في كل حال، مستعدين تماماً للتضحية به، لأنهم اعتقدو أنه تنازل كثيراً للجبهة الوطنية الراوندية في اتفاق السلام، حتى وإن كان ذاك مؤقتاً.

أصبحت وفاة هابياريمانا ذريعة لتنفيذ الإبادة. بث راديو راوندا الوطني، وبالمثل محطات خاصة، تعليمات إلى فرق الموت التي تدعى انتراهاموي (وتعني أولئك الذين يقاتلون معاً)، وحضت القتلة دون توقف على تصعيد مذابحهم. دعمت القوات الراوندية المسلحة الإنتراهاموي في تلك المناطق التي واجه القتلة فيها مقاومة من المدنيين التوتسيين. ومكنت وسائط النقل والوقود المعد سلفاً فرق الموت من الوصول حتى إلى التجمعات التوتسية المنعزلة.

حصلت في الماضي إبادات أخرى- مذبحة الأتراك للأرمن، والتصفية النازية ليهود أوروبا وغجرها- ولكنها كانت بعامة سرية. كانت راوندا مختلفة. كانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة موجودة على الأرض في راوندا. وقف أفرادها جانباً وراقبوا القتل يقع. وراقب بقية العالم على التلفزيون راوندا تتفجر.

أتذكر شابة تنزف بصمت والرعب في عينيها وهي تقاد إلى الموت مارة بقوات الأمم المتحدة الفرنسية. كان الفرنسيون يحرسون الأجانب الفارين من العاصمة الراوندية في شاحنة مفتوحة، وأمرت ميليشيا حكومية القافلة بالتوقف على طريق طيني قرب مطار المدينة. انتظرت قوات الأمم المتحدة مطيعة، قالوا “ليس من واجبنا” التدخل. وإلى جانبهم، في مجمع، ركع رجلان بصمت، وقام رجال المليشيا بسحق رأسيهما بالهراوات، ثم جزّوا حلقيهما. ركعت المرأة إلى جانبهما. خلال أقل من دقيقة جز رأسها. بعد ذلك سمح للقافلة بالتحرك إلى الإمام.

لم تعرف حكومات العالم ما كان يجري فقط بل وكانت متواطئة أيضاً. تجبر المادة الأولى من اتفاقية الإبادة الموقعين عليها على العمل لمنع الإبادة وبالمثل المعاقبة عليها. إن كون الأمم المتحدة قد عرفت أن الإبادة تخطط وأنها، كما يفترض، أوصلت هذه المعرفة إلى الدول الأعضاء، وأن أي شيء لم يفعل عندما بدأت الإبادة، يجعل ما وقع في راوندا سنة 1994 أكثر من جريمة. كان حدثاً جلب الخزي للبشرية.

ومن الواضح الآن أن الدول الكبرى التي كانت أبعد ما يكون عن الجهل بما يحصل، كانت مزمعة على تعتيم حقيقة ما جرى في راوندا. فعندما اجتمع مجلس الأمن، قُرر أنه سيسمح لمندوب راوندا- مندوب الحكومة التي كانت ترتكب الإبادة- بإلقاء بيان. وحسب كل الاعتبارات العملية، يظهر أن هم المجلس الأساسي كان الجدال لأطول مدة ممكنة حول ما إذا كانت إبادة جارية في راوندا أم لا.

وجدت آلاف الأمثلة على دور الدولة. ففي إرسالية نياروبوف الكاثوليكية في شرقي راوندا، صادفتُ ليونيكا موكاندايامباج، إحدى الناجيات، جالسة خارج كوخها بين الأشجار. كانت قد هربت إلى هذا المكان عندما أعطى رئيس البلدية المحلي، سلفستر غاكومبتسي، السكان التوتسيين المحليين تصريحات خاصة تسمح لهم بالوصول إلى مجمع كبير مبني من الطوب. وبعد أن جمّعهم هناك، رتب إرسال شاحنتين معبأتين بالقتلة إلى المكان.

وفي غرف المدرسة، في الأروقة، في الممرات، وفي المداخل، غطت جثث الـ 620، 2 ضحية الأرض كسجادة موت متعفنة. كان من أنقذ ليونيكا ابنتها الطفلة التي ضمتها إلى جسدها بينما كان القتلة يقطعونها بالمناجل. غطاها دم ابنتها. افترض القتلة أن كلا الأم والطفلة ماتا.

عندما استنتج مجلس الأمن أخيراً ما كان واضحاً منذ البداية- أن إبادة كانت جارية فعلاً، أصبح الوقت متأخراً جداً لفعل أي شيء لشعب راوندا. ولو اعترف المجلس بالإبادة لأجبر ذلك أطراف اتفاقية الإبادة الذين من بينهم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، على التدخل ووقف القتل الجماعي. وفي النهاية، في السادس والعشرين من شهر أيار، وجد مجلس الأمن أن إبادة تجري. في ذلك الوقت، كان نصف مليون قد ماتوا. اعترف الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي بذلك، وكان اعترافه أقل مما يجب ومتأخراً.

ورغم ذلك، كان متقدماً على وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر. فمنذ بداية المذبحة منعت حكومة الولايات المتحدة رسميّيها من استعمال تعبير إبادة. وأخيراً، في العاشر من شهر حزيران، لان كريستوفر، متردداً وبذوق سيء. أذعن وقال “إذا كان لتسمية ما يجري إبادة سحراً معيناً. فلا أتردد بقول ذلك”.

نعم، يوجد سحر، بمعنى أن استعمال التعبير أجبر الولايات المتحدة وحكومات أخرى على العمل. ففي الوقت الذي قدم فيه كريستوفر تنازله المتذمر إلى الواقع، أصبح الوقت متأخراً، وربما كان التأخر مقصوداً منذ البداية.

وطبعاً، لا يجب أن يخفي تعقيد ما يسمى بالمجتمع الدولي في الإبادة الراوندية حقيقة أن المسؤولية الأساسية عن الجريمة تقع على عاتق مهندسيها الراونديين. أصر ممالئو السلطات الراوندية في ذلك الوقت على أن عمليات القتل نتاج فرعي مشؤوم لتجدد الحرب الأهلية. بعد ذلك، برر المتطرفون الهوتيون القتل بأنه دفاع عن النفس ضد العدوان التوتسي. مثل هذه الحجج توقف الواقع على رأسه. فقد قتل معظم الضحايا في ربيع 1994 في إطار حملة تصفية نفخت الحكومة فيها روحاً، وليس كإصابات ناجمة عن القتال اللاحق بين الجيش الراوندي والجبهة الوطنية الراوندية.

وفقاً لأحكام اتفاقية الإبادة، كانت الحكومة مذنبة وفقاً لكل حسابات المادة الثالثة من الاتفاقية: الإبادة، التآمر لارتكاب إبادة، التحريض العلني المباشر على ارتكاب إبادة، والتواطؤ مع إبادة. فقد استخدم أفراد الحكومة إدارتها لينظموا المذبحة و، بالجسامة نفسها، حرضوا السكان المدنيين الهوتيين على قتل جيرانهم التوتسيين وحتى قتل أزواجهم وأقاربهم التوتسيين، لأن الزواج المختلط كان شائعاً في راوندا.

بعد انتهاء المذبحة، أسست محكمة دولية لمحاكمة المذنبين، لمحاكمتهم بمقتضى القانون الإنساني الدولي وبمقتضى أحكام اتفاقية الإبادة. ومن دون شك، مثل هذه المحاكمات أفضل من لا شيء. ففي الأقل، في حالة راوندا، لن تظل الحصانة الكاملة متوفرة للمجرمين. إلا إن المحاكمات بديل هزيل للمنع، والشيء الوحيد الواضح أن الإبادة الراوندية كان يمكن منعها لو أن العالم الخارجي امتلك الإرادة لفعل ذلك. كانت الحقائق بيّنة. وكانت أسس التدخل القانوني موجودة، وما كان مفقوداً ليس إلا الشجاعة.
ـــــــــــــــــ
(انظر الأمم المتحدة واتفاقيات جينيف).


——————————————————————————–
* مارك هبند مراسل صحيفة الفايننشيال تايمز (لندن) في القاهرة. فاز بجائزة مراسل العام الدولي البريطانية سنة 1991. وهو مؤلف كتاب “الحرب الأهلية الليبيرية” (منشورات كاس 1998) و “جنود النبي: النضال من أجل الإسلام” (منشورات ويست فيو، 1998).

المصدر:موقع جرائم حرب

http://www.crimesofwar.org/arabic/africa4.htm

تعليق واحد

  1. هذا ما حدث في راوندا ماذا وكانت امريكا بعيده اذا افترضنا جدلا” فما بالك وامريكا موجوده في العراق وتجرى اباده بين طرفين .
    لا يسعني الا قول قولا” ماْثورا”
    كم مسكينة هي المكسيك..بعيده عن الله قريبه من الولايات المتحده الامريكيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *