الرئيسية » مقالات » نانسي بلوسي في ديارنا !

نانسي بلوسي في ديارنا !

لا اعتقد انني الوحيد الذي انبهر برشاقة سيقان العجوز نانسي بلوسي، وهي تجلس بجوار الرفيق بشار الاسد وفي ضيافته، وبالتأكيد لست الوحيد الذي شعر بالاسف لاحتشامها وهي تزور السعودية في اليوم التالي، واذا ما اخذنا العبرة من السيقان التي حملت نانسي الى دمشق وظهرا في حضرة الرئيس، نجد ان السياسة الامريكية معرضة للتغيير والتبديل في اي لحظة، والمصالح هي التي تحدد السياسة الخارجية للدول، كل الدول دون استثناء، هكذا كانت العلاقات الدولية في الماضي وهكذا ستكون في المستقبل الى ما شاء الله، والتغيير الذي طرأ على السياسة الامريكية حيال جملة من القضايا في الشرق الاوسط عقب احداث 11 سبتمبر، كالحديث عن نشر القيم الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان، والدور الامريكي في اسقاط صدام حسين، وفرض الحصار السياسي والدبلوماسي على النظام السوري، ودعم تشكيل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري، طبعاً باستثناء الموقف الامريكي الثابت والمنحاز من الصراع العربي الاسرائيلي، كل تلك التغييرات لم تكن لدوافع اخلاقية خالصة كما يتوهم البعض، بل جاءت في وقت تقاطعت فيه تلك السياسات مع المصالح الحيوية الامريكية، وزيارة بلوسي الى سوريا تؤكد وبشكل قاطع، نظرية فصل الاخلاق عن السياسة، وبشكل خاص السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية .

في المقابل، سبع سنوات عجاف جديدة مرت على الشعب السوري، اثبت الاسد الابن خلالها انه لا يقل دهاءاً من سلفه الاسد الاب، في ممارسة فنون الاستبداد والقمع والبقاء في السلطة، رغم صغر سنه وقلة خبرته، حيث اجتاز ونظامه اصعب مراحل الحصار السياسي العربي والدولي، ولم يتراجع قيد انملة عن السياسة الفاشية التي كانت قائمة قبل توليه السلطة، وكل الدلائل تشير الى ان الحال لن يتغير في السنوات السبع القادمة، الا بقدرة قادر، اذا استمرت المعارضة السورية في تخبطها وتشتتها، واذا اخذنا العبرة من طريقة الاسد الابن في الحكم، واستمراره في سياسة الفساد والفقر والاضطهاد وقمع الحريات، على طريقة الراحل المغفور له الاسد الاب، نكتشف صحة نظرية الجينات الوراثية في وراثة العقلية الاستبدادية في حكم الجمهوريات الوراثية .

كتب السيد البيانوني رسالة الى نانسي بلوسي عشية زيارتها الى دمشق، وحسناً فعل، يذكرها بانها “ستصافح يد رئيس فاشي” شارحاً طبيعة النظام الحاكم في سوريا ومعبرا لها في نفس الوقت عن اسفه، ونحن نتفق تماماً مع البيانوني فيما ذهب اليه، بالرغم اننا نعلم ويعلم السيد البيانوني علم اليقين، معرفتها المسبقة بطبيعة النظام التي حلت بضيافته، لكن للاسف رسالته لن تجدي نفعا، ولن تؤثر على توجهات الساسة واصحاب القرار في امريكا، اذا التقت مصالحهم ومصلحة النظام السوري .

“ليس لبريطانيا اصدقاء دائمون وليس لبريطانيا اعداء دائمون ان لبريطانيا مصالح دائمة” مقولة قديمة لتشرشل، تؤكد صحة النظرية التي تقول بفصل الاخلاق عن السياسة، والتي تبدو ملامحها واضحة هذه الايام مع زيارة السيدة نانسي بلوسي الى دمشق، اما نظرية الجينات الوراثية التي تقول بالقدرة الفائقة للابناء في وراثة الاباء واخلاصهم لقيم القمع والاستبداد السلطوي، فهي جديدة نسبياً، ولم نعهدها ولحسن الحظ الا خلال السنوات الاخيرة من حكم بشار الاسد وقيادته الرشيدة .

زيارة نانسي بلوسي الى دمشق، جاءت محبطة لطموحات وامال السوريين بحياة حرة وكريمة خالية من التسلط والقهر والفساد، اللهما الا اذا كانت المعارضة السورية تتحلى بروح عالية من المسؤولية، حينها تنقلب المعادلة وتصبح تلك الزيارة نقطة تحول لصالح الشعب السوري، كون تلك الزيارة تشكل سبباً وجيهاً لدفع المعارضة السورية لتصحوا من غفوتها وكسلها، وتكف عن المراوحة والتخبط والتوكل، وتبحث عن خارطة طريق مجدية، توضح فيها مشروعها المعارض لجمهورها العريض، خارطة طريق تنتهي في محطة عنوانها سوريا حرة ديمقراطية، حتى اذا عادت نانسي في المرة القادمة الى سوريا، تجد من يبحث معها مصلحة الشعبين السوري قبل الامريكي، لا مصلحة شعب امريكي مع نظام فاشي لا يمثل الا نفسه، وبالتأكيد سيرحب بها في سوريا المحررة بحرارة، بشرط ان تحافظ على جمال ورشاقة ساقيها، “وما في حدا احسن من حدا” .