الرئيسية » مقالات » عودة الروح بين محنة المثقف العراقي و (زعاطيط السياسة)

عودة الروح بين محنة المثقف العراقي و (زعاطيط السياسة)

يقول شيخنا ابن عربي – أبو بكر محمد بن علي الطائي والملقب بـ ” محي الدين ” ( العذاب مأخوذ من العذوبة وإنه لا عذاب بالمعنى المتعارف منذ البدء ) وهو نفى حتى عذاب الآخرة . كون العلي القدير أنزه من أن يعذب النفس البشرية . ونقطة البدء تعيدني للحظة ساخرة استمعت فيها لأحد الأميين وهو يحاول أن يتثقف عندما أخذ يبدأ كل جملة من خطابه بين جمع من الناس بكلمة ( بادئ ذي بادئ ) وعرفت انه يقصد عبارة ( بادئ ذي بدء ). وهو ما دعاني لتذكر ما قال بعض حكماء العرب ( إن الإنسان إذا كان عقلا كله لا يقدر على الحركة لان العاقل يكون دقيق الحساب ، شديد التحرج والتهيب فلا بد له من فسحة جنون يتحرك بها ويحرك الأشياء بها من حوله ) . والجنون إما جنون صوفي معرفي كما هو حال شيوخنا من الأقطاب ، أو جنون طبيعي بحيث يحسب المجنون إن كل ما يصدر عنه من أعمال وحركات لا إرادية هي أعمال طبيعية .
ومن طبيعة المثقف الاجتماعي أن يتروحن ويتأنسن بينما لا تصبو الحياة للسياسي إلا باللف والدوران ، وأحيانا بالكذب والتآمر ، ووضع مصلحته فوق مصلحة الآخرين . لذلك قال شيخنا الفيلسوف المعري :
باح مجنون عامر بهواه … وكتمت الهوى ففزت بوجدي
و ( الجنون فنون ) كما يقال، وللعشق فنون … أشهرها الجنون ، وحتى مشرعي الدين الإسلامي قد أفتوا بان ( المجنون مرفوع عنه القلم ) ، أي إعفاءه من أداء الفروض والصيام أحد تلكم الفروض المرفوعة. وقال جل وعلا في كتابه الكريم : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم) – النور الآية 61 –
وما فعله ابن معرة النعمان إن اعتزل الناس في صومعته ، وابتعد عما يعكر صفوه ومزاجه لذا قال قولته الشهيرة :
أمَّــا البليــغُ, فــإني لا أُجادلُـه … ولا العَيِــيُّ بغَــى للحـقِّ إِبطـالا
فنحـنُ فـي ليـلِ غـيٍّ, ليس منكشفًا … لـم يَفْتقِـدْ عارضًـا, بـالجهلِ, هَطَّالا
لذلك أطلق على واصل بن عطاء المولود في السنة الثمانين للهجرة في مدينة ابن آمنة عليه صلاة ربي شيخ المعتزلة ، وصحبه ممن اعتزل مجلس الحسن البصري بـ ( المعتزلة ) . مع إن المثقف المتروحن والمتأنسن لا يستطيع البعاد عن جمهور الناس ، لذلك فهو عرضة لشتائم وسباب المتخلفين عقليا ، وأشباه المتعلمين ، و ( زعاطيط السياسة ) الذين تحركهم القيادات الحزبية أي كانت مسمياتها ، وشخوصها . ومن قبل قال احد شيخي الماركسية فريدريك إنجلز في كراسه ( الحرب الفلاحية في ألمانيا ) 1524 – 1526 بأن ( هؤلاء – ويقصد هنا أشباه المتعلمين الذين يدعون العلم بالثقافة – بأنهم يرفعون نخب كاس الحزب عاليا في أيام السلم) ، بينما وصف الجمهرة الكبرى من ( الهتيفة ) و ( المصفقين ) ومن على شاكلتهم من الغوغاء الذين يندسون في الحزب الثوري بـ ( حثالة البروليتاريا ) الذين يساهمون في فشل معظم الثورات والحركات الجماهيرية وهم السبب الرئيسي في فشلها وابتعاد الجماهير عنها .
لذا فعمل المثقف المضني يقاس بـ ( الجهاد ) ، والجهاد في اللغة : يعني جاهدت جهادا ً : أي بلغت المشقة .
ويصيب المثقف الصوفي الاختلال عندما يبتعد عن مداراته الصوفية ، ويهيم لوحده مع كائناته وشخوصه الروحية والأدبية ، فهو بدون تلك الكائنات لا قيمة له كنقطة الباء في البسملة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، إذا سقطت نقطة الباء عنها فقدت معناها وقوتها لأنها نقطة لها موقع دال وكينوني ، ويعطيها مشايخنا من الشيعة لقوتها لإمام المتقين علي بن أبي طالب ، وهو بالتالي رائد لجميع الحركات الإسلامية اليسارية أو الثائرة ، والكل كان يصنع له نسبا أحيانا للارتباط بعلي بن أبي طالب ، لم لا وهو والذي نادى به جبرائيل يوم بدر ( لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ) .
ومشكلة المتحزبين أنهم لا يصبرون عن الأمر والنهي وزج أنفسهم في كل صغيرة وكبيرة حتى تلك التي لا تتعلق بهم ، وهو السبب الرئيسي لفساد العديد من السلطات التي يتداخل فيها الحزبي بالحكومي ، أو خراب المنظمات الشعبية عندما تهمين عليها النخب الحزبية وتسيرها حسب مشيئتها . وهذا التصرف جزء من سلطة الحكم فتكون في حالة المنظمات الجماهيرية سلطة مصغرة وللحاكم السلطة المكبرة . لان أي حاكم يستطيع أن يتنازل عن العديد من الامتيازات لكنه لا يتنازل عن سلطة الأمر والنهي ، التي هي عماد وجوده ومطمعه في السلطة ، وبهذا قال احد الشعراء :
وقد صبرت عن لذة العيش أنفس … وما صبرت عن لذة النهي والأمر
ولهذا قال علي المرتضى ( من َملكَ استبد ) ، لذا جهد كل المثقفين على أن يكون علاج الحكام أو من يحكم أن يكون مثقفا بمعنى تثقيف السياسيين وترويضهم لكي يمارسوا سلطة الشعب بدون تكبر أو تجبر، لكن مصيبتنا في أشباه المثقفين من الحزبيين ، و ( زعاطيط السياسة ) الذين يتفيقهون دائما منتظرين تصفيق الجماهير المغلوب على أمرها ، أو الهازئة بهم دوما .
وقيل قديما إن تسمية أبو البشرية آدم بآدم جاءت من القول ( بلاء آدم ) ، أي ابتلى آدم ، وهو يماثل هنا ابتلاء المثقفين بأشباه المتعلمين و ( هتيفة السياسة ) و ( زعاطيطها ) .

وداد فاخر – شروكي من بقايا القرامطة وحفدة ثورة الزنج