الرئيسية » مقالات » يهود العراق ذكريات وشجون (الحلقة 9 )

يهود العراق ذكريات وشجون (الحلقة 9 )

07/04/2007

“ويح العراق أكان عدلاً فيه انك تدفعينَ
سُهادَ مُقلتك الضّريرة
لملء يَديك زَيتا مِن مَنابعِه الغَزيرَة؟
كَيْ يُـثمرَ المصباحُ بالنّورِ الذي لا تـُبْصِرينَ؟”
(بدر شاكر السياب، “المومس العمياء”)

منذ أن أنهيت نشر مذكراتي الأولى، كنت أعاهد نفسي على ألاّ أعود إلى الكتابة عن ذكريات العراق وشجونها، فأنكث، ثم أحلف أن أتفرغ مرة أخرى لأبحاثي التي أهملتها، فأحنث، وهكذا صار دأبي مع “إيلاف” الغراء وقرائها، فقد استهواني مستواها الرفيع وحرية التعبير فيها و قراؤها المتعطشين إلى أخبار العراق أيام زمان وتعليقاتهم الحصيفة الذكية. لعنت الوسواس الخناس، واستعذت بالله، وها أنا أعود إلى الكتابة على صفحات “إيلاف” الالكترونية، إكراما لعيون متصفحيها، لأطالع صفحاتها السحرية، وأشنف سمعي “بخرخشة’ صفحاتها المدغدغة عند تقليبها، بسحر هو السحر الحلال، وإن كان المتزمتون في إسرائيل وغيرها يعدون التلفزيون والحاسوب من عمل الشيطان، الذي يوسوس في صدور الأطفال ويفسدهم، وقلت للنفس إن “العود أحمد!”. والسبب في هذه العودة المفاجئة هو ما حدث في العشرين من آذار، 2007، عندما لبـّيت شاكرا دعوة إدارة المركز الطبي “شعري صيدق” (بوابة الأتقياء) في أورشليم- القدس، لتكريم زوجتي وتكريمي باطلاق اسمينا على أحد الأقسام الطبية. وهذا المستشفى هو مؤسسة طبية حديثة، كبيرة شهيرة، يأتي بعد مستشفى هداسا من حيث السعة والسمعة والفخامة ولكنها تضاهيها من حيث المستوى العلمي والطبي. شاركت في الحفل المتواضع لإطلاق اسم زوجتي واسمي على “قسم مكافحة السرطان باكتشافه مسبقا” في قسم معالجة السرطان الذي يرأسه صديقي الدكتور موشيه كارمون تكريما لدعمنا المعنوي والمادي المتواصل لهذا القسم من المستشفى. وفي الحفل الذي حضره نخبة من الأصدقاء وعلى رأسهم صديقي معالي سفير فنلندا السيد كاري فيالاينين وعقيلته السيدة آنه – لي فيالاينين، وصديقي الدكتور إلكا فاكـّوري المدير العام “لجمعية أصدقاء إسرائيل” في فنلندا والذي ساعد في جمع التبرعات لهذا القسم، افتتح عريف الحفل السيد أوري شفارتس كلمته قائلا: هذه ليست المرة الأولى التي تدعم فيها عائلة معلم – موريه هذا المستشفى، فقد تبرع السيد أبراهام مئير معلم (موريه) بمبلغ محترم لتشييد قسم “طب العيون” وذلك بعد مدة من قدومه من العراق عن طريق تركيا. أثارت هذه الكلمة الافتتاحية شجوني وذكرياتي مرة أخرى ولعنت الصدفة التي أغرقتني مرة أخرى في دوامة ذكريات العراق، وصرخت من أعماقي “رباه! عدنا إليها وسيتهمني قراء “إيلاف” بأني مصرّ على إشعال نار الحنين في قلوب القراء العراقيين إلى عراق أيام زمان”، ولكن “أين يمضي هارب من دمه”، كما قال الشاعر الكبير د. إبراهيم ناجي. وفي مثل هذه الاحتفالات أكون أنا من بين القلائل من اليهود الشرقيين الذين يشاركون في دعم المشاريع العلمية والصحية في البلاد، فهم يفضلون تشييد الكنس اليهودية والتبرع لها على تشييد المدارس والمستشفيات والمكتبات العامة ومعظم التبرعين لبناء الكنس هم يهود من أصل عراقي أو أصل حلبي.
ذكرت للحفل ولإدارة المستشفى، بأن والدي رحمه الله، أخبرني عدة مرات وبعد أن تبرع لبناء قسم العيون، انه كان عازما على بناء مستشفى كبير في بغداد التي أحبها لرعاية فقراء العراق. ولكني لم أرو لهم قصة هذا الأمنية، فبعد رحيلنا إلى إسرائيل حاول الوالد تحقيق حلمه، فتاجر بالأراضي بمنحة التقاعد التي حصل عليها من شركة أندرو وايير لاستيراد المكائن الزراعية وتصدير التمور حيث عمل معه صديقنا تشارلس حوريش الذي شنق فيما بعد بتهمة الصهيونية. وذكر الوالد من بين زبائنه أسماء عراقية سياسية واجتماعية لامعة، ثم اشترى قطعة أرض في بغداد الجديدة في المنطقة التي لم استطع قراءة اسمها في الوثيقة التي دون فيها أرقام القطع هل هي “إبزارية الأخطلية؟؟” أو ما شابه ذلك، تبلغ مساحتها حسب هذه الوثيقة عشرات الآلاف من الأمتار المربعة بأمل بناء مستشفى عليها لفقراء العراق، والتي قال لي بعض العراقيين الهاربين إلى انكلترا والعارفين بقيمة الأراضي المسموح بالبناء عليها، بأنها تساوي الملايين من الدولارات. صدق من قال بأن أرض بغداد الجديد “عتبتها مو زينة، مو مثل عتبة بغداد القديمة اللي كانت عتبتها خير”. إذ صادرت الحكومة العراقية هذه الأراضي لأنه لم يعد إلى العراق كما أمرته سفارة الجمهورية العراقية في طهران. وضاع عليه تعب العمر وضاع على الفلاحين العراقيين مستشفى لمعالجتهم كان والدي يحلم بإقامته لهم.
وفي القدس أردت تحقيق حلم الوالد، فالمستشفيات هنا مفتوحة لليهود والعرب وفي بعضها مثل هداسا على جبل المشارف (منت سكوبس) القريبة من شعفاط والملاصقة للعيسوية يفوق عدد العرب الذين يتلقون العلاج فيها على اليهود. تبرعت لمساعدة أقدم مستشفى في القدس وهي مستشفى الولادة “مسجاب لداخ” (حصن المريض) من تأسيس اليهود الشرقيين (السفاراديم) من أيام العثمانلي (1854) التي أنشئت لمنافسة المبشرين الأوربيين، توجهت إلى أصدقاء والد زوجتي وأقنعنا رئيس “جمعية أصدقاء إسرائيل” التي تأسست في فنلندا عام 1908 فجمعوا التبرعات، وشيدت بناية حديثة، ولكن ويا للأسف، استولى على إدارتها بعض اليهود من أصل إيراني وأفغاني، ورشحوني لمنصب رئيس مجلس الإدارة بمسئولية التوقيع على الشيكات والمقاولات. فما أن سمعت بأنني سأكون مسئولا عن الحسابات، تذكرت ما قالته لي الست فاطمة مدرسة الحساب والطبيعة في مدرسة السعدون النموذجية “ولك أشلون يهودي انت وما تعرف حساب؟” رفضت قبول المنصب، وقلت لهم، “أني والحساب كوجه مرحبة؟ لا يا با أعفوني من هذا الشرف!” وقنعت بمنصب “رئيس المستشفى الفخري”. رفضت الحكومة تقديم الدعم المالي للمستشفى بدعوى أن هناك أسرة كافية لقسم الولادة في المستشفيات الأخرى، وطلبت جعلها مستشفى للعجزة والشيوخ، فرفضنا، ثم جاء أمر بإضافة مخصصات لتقاعد الموظفين أبهظت ميزانية المستشفى، بدأ التعيين بالمحسوبيات وكثر الملاحون وغرقت السفينة.

لم تكن فكرة تشييد مستشفى لفقراء العراق التي أجهضت بمصادرة أراضي الوالد هي الحسرة الوحيدة التي خلـّفها والدي في العراق، وبقي إلى يوم وفاته في المستشفى يأسف لأنه لم يستطع، بسبب سرعة هدم المقبرة اليهودية القديمة، نقل رفات والده الحاخام مئير معلم رحمين إلى المقبرة اليهودية الجديدة التي شيدها الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم، وذلك لكي يستطيع الأخير بناء برجه تقليدا لبرج الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة. وقد خلد الأديب سمير نقاش هذا الهدم في قصته الرائعة “رسالة الدكتور خدادا(د) إلى أهالي بغداد” في مجموعة قصصه “نبوءات رجل مجنون في مدينة ملعونة”. أمر عبد الكريم قاسم بهدم المقبرة اليهودية رغم الصلة الوثيقة والاحترام الذي كان يكنه للطائفة الموسوية في العراق. فقد كان عبد الكريم هذا في عزّ شبابه ملازما أول في فوج معسكر الرشيد تحت قيادة آمر الفوج سالم عزير (أبو غازي) اليهودي الذي كان يعرف باسم سالم الضابط، وهو الذي سار في مقدمة الجيش العراقي عام 1946 ممتطيا صهوة جواد أصيل في اليوبيل الفضي لتأسيس الجيش العراقي متصدرا الطابور العسكري الذي شقّ شارع الرشيد أمام حامل الصولجان والفرقة الموسيقية العسكرية لأنه كان أقدم ضابط في الجيش العراقي ومن الضباط الذين درسوا في اسطنبول ورافقوا الأمير فيصل بعد خروجه المرير من سوريا لكي يجلس على عرش العراق. التحق سالم الضابط بالأمير فيصل الهاشمي عن طريق العقبة إلى البصرة وولدت له على متن السفينة ابنته البكر من زوجته السورية، فأسماها “بحرية”. وكان عبد الكريم قاسم وفيا لآمر فوجه اليهودي فسمح له بزيارته عام 1961 واستقبله في مكتبه بعد أن أصبح أول رئيس للجمهورية العراقية، وبعد المصافحة الودية وتبادل القبل و”اشلونكم يابا، ومبروك وبالتوفيق والنجاح، واشلون الصحة والعائلة، وشنو أخباركم!”، التمس منه آمره القديم السماح له ومساعدته في الحصول على جواز سفر إلى سوريا حيث يقيم أقرباء زوجته السورية، فأجابه الزعيم الأوحد ضاحكا: “ليش آني ما أعرف أنت رايح تشرد وتلحق بأهلك ابفلسطين (إسرائيل)!، لكن مايخالف، روح عمّي خذلك جواز سفر وروح مع السلامة!” وحصل في نفس الأسبوع على جواز السفر العراقي الثمين الذي كان أمنية كل عراقي مظلوم.