الرئيسية » مقالات » الداء المزمن والدواء المنقرض ..!.

الداء المزمن والدواء المنقرض ..!.

لنفترض – جدلاً – اتفاقنا مع تلك العقلية، التي لا تكف عن إلصاق شتى النعوت والتهم بكل ما هو من صنع الخارج، وتدعي أن هذا الخارج لا يمثل سوى الشر بعينه، وهو لا يعمل إلا فوق ما يمليه عليه مصالحه، ولا يتحرك إلا والقضاء على (موروثاتنا الثقافية والحضارية) هاجسه، ولا يخطط إلا على تقدمه وتخلفنا، إلى آخر ما تحمل هذه الأسطوانة من جمل ومصطلحات وديباجات .. بمعنى آخر، لنكن – هكذا – على تلك القناعة التي تدعي بأننا نحن شعوب الشرق، مستهدفين من قبل الغرب، وكل ما تحمله الأجندات الغربية بالنسبة لنا، هي المزيد من الويلات والمزيد من الانكسار، هي محاولة لابتلاع شخصيتنا وقيمنا وحضارتنا وثقافتنا، ولكن؛ وأمام كل هذا، وفي المقابل؛ ألا يحق لنا أن نبحث عن السبل والآليات، التي تجعلنا أن ننأى بأنفسنا عن التهلكة والاندحار، عن المزيد من الارتهان في أحضان ما فيه بؤسنا وشقاءنا، ونخرج برؤوسنا إلى الغد بآفاقه واستحقاقاته، بعيداً عن الشماعات والشعارات التي تبرر للهزيمة، وتحول الانكسارات إلى انتصارات، ثم ألا يحق لنا أن نبحث في شخصيتنا التي لا تمتلك مقومات الرهان، وإمكانات المواجهة حيال ما نتعرض لها، والمآل التي آلت إليها، وكذلك ثقافتنا التي هي نفسها موضع الجدل ضمن خيارات المستقبل، وذلك بحكم التراكمات التي لحقت بها، وبالذهنية التي تقولب آمالنا وطموحاتنا، بحيث جعلتنا مقيدي الإرادة والإدارة في محاولاتنا للتعبير عن خياراتنا، والرغبة في الدخول إلى المستقبل عبر بوابات الحرية والديمقراطية واحترام إنسانية الإنسان..؟!.
فالسؤال الذي لا نمتلك حتى اللحظة الإجابة بصدده هو؛ لماذا الغرب ومشاريعه أصلاً، ولماذا الرهان على تلك المشاريع، أو محاولة الدخول في أجنداته عبر صيغ وسياقات مختلفة..؟. ثم لماذا لم نزل نلتحق، على شكل دمى متحركة أو حجر شطرنج أو صناعة ملحقة، بمجمل المشاريع والمخططات، دون أن نبحث في ذاتنا، وعن السبب الذي جعلنا نتخلف عن رسم مستقبلنا بالاستناد على طاقاتنا وإطلاقنا لها، ثم لماذا تلك البوابات المفتوحة على مصراعيها، والتي تمهد للغرب الدخول من خلالها إلى صميم قضايانا الداخلية .. ولا نمتلك القدرة على أن نلتفت إلى حيث نحن وما نحن عليه، بدلاً من لغة اللعنات وتوزيع المسؤولية بين هذا المشروع أو ذاك المخطط، وبدلاً من أن نجعل من المعتقلات وسيلةً، ومن ملاحقة المواطن في لقمة عيشة سياسة مبرمجة وممنهجة ..؟!.
فبالعودة إلى استدعاء الذاكرة، وقراءة إحداثيات الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، نكون مجبرين على الإقرار بدور المشاريع الغربية في تثبيت الحالة القائمة في شرقنا وفق مصالح، أملتها التوافقات والتقاطعات، بين مراكز القوى الدولية آنئذ، بمعنى آخر؛ نكون مجبرين على القول؛ بأن معظم الأنظمة الحاكمة في هذه المنطقة، مدينة لهذا الغرب باستمراريتها وتثبيت أقدامها في السلطة، سواء عبر الاستفادة من تناقضات السياسات الدولية والصراعات الإقليمية، بما فيها إفرازات مرحلة الحرب الباردة، أو من خلال ولائها المطلق لأجندات الدول الرأسمالية، أو عبر تبعيتها لمراكز القوة الدولية بهدف الحفاظ على الذات والاستمرارية في السلطة والتسلط، وبالتالي فهي نفسها قد تمخضت – كصناعة – عن تلك الأجندات الغربية، وهي التي أفسحت المجال أمامها في صناعة الدولة القائمة على أسس التبعية، تلك الدولة التي تمثلت في صيرورتها، الواجهة الحقيقية للدولة القمعية والاستبدادية، والمستندة على النظام السياسي الأمني، وبالتالي جاءت حكراً على فئة، وسجناً ضاغطاً على صدور باقي الفئات، أي أن معظم التشكيلات المجتمعية التي هي خارج دائرة السلطة، قد عانت الكثير من معادلة التوازنات في السياسة الدولية، إضافةً إلى قضايا الشعوب والأقليات القومية التي دفعت، وما تزال، ضريبة التاريخ والسياسة في سياقات التطور التاريخي، استناداً إلى مبدأ التوافقات في المصالح، واقتسام الخيرات عبر التقسيم والتشتيت والتجزئة ..
وإذا كانت القوى الدولية تحاول اليوم أن تعيد النظر في ترتيبات الوضع السياسي، بعد أن قطعت شوطاً في دفع أنظمة المنطقة إلى انتهاج سياسات القمع والتنكيل بحق كل من يخالفها الرأي والموقف والسلوك، وغذت إلى حد بعيد منابع الأصولية والسلفية، وذلك إدراكاً منها بمفردات المرحلة، وانسجاماً مع التطورات التي تعصف بالمفاهيم، والتحولات التي طرأت على المشهد السياسي، عبر تراكمات الفعل النضالي، وتماشياً مع مصالحها التي لا يمكن لها أن تتحقق في ظل هذه الأنظمة، التي باتت في خنادق المواجهة مع شعوبها، وأن الشعوب بدأت تحتل موقعاً مهماً في المعادلات السياسية، كنتيجة لبروز دور الرأي العام في صناعة الموقف، وإيماناً منها بأن مسارات العولمة، ومجمل المشاريع التي تهدف إلى إخراج المنطقة من دوامة العنف واللاستقرار، كمشروع التغيير والشرق أوسط (الجديد أو الكبير)، لا يمكن لها أن تتحقق إلا عبر إشاعة الديمقراطية وإطلاق الحريات، بحيث يتم التأسيس لمستقبل خال من بذور الثقافة التي تشرعن للقتل وإهدار دم المخالف، عبر نسغ وصيغ، منها ما تمارس على شكل إرهاب منظم، ومنها ما تأخذ سبيلها من خلال القمع والتنكيل، وضرب الكيانات بعضها بالبعض، أو الخروج إلى الفعل عبر منابر التيارات الأصولية، وكلها تهدف إلى إصباغ الحالة الفكرية والسياسية بلون ونموذج، لا مكان فيه لمقومات الحراك الذي يستند إلى التعددية، سواء القومية منها أو الفكرية والسياسية. نقول؛ إذا كانت القوى الدولية أو بعضها، تحاول اليوم أن تعيد النظر في ترتيبات الوضع السياسي في المنطقة، فهي إنما تنطلق، مرةً أخرى، على أرضية، تهيأ لها القيام بما تخططها من مشاريع، وذلك بحكم العديد من نقاط الخلل والكثير من المسارات التي يمكن الدخول من خلالها، كون المنطقة وبما أبتليت بها من أنظمة أمنية أو دكتاتورية، وإن اختلفت في التسميات، من جمهورية أو برلمانية أو ملكية، قد فعلت في مجتمعاتها من المظالم والانتهاكات والقمع والاستبداد، بحيث جعلتها هامشية الوجود، وولدت فيها شعوراً بأنها لا يمكن لها أن تحتل موقعها الطبيعي في حاضنها الوطني، سواء من جهة الحقوق أو الواجبات، وبالتالي فإن شعورها بمفهوم المواطنة هي على تماس مباشر بما تعانيها من بطش وتنكيل، وهي كذلك على تلك القناعة التي تجسد الوطن في فئة أو نظام سياسي، محتكر من قبل مجموعات أو جماعات بعينها، وعليه فإنها لا تمتلك قوة وقدرة الدفاع عن هويتها الوطنية، وهي خائرة القوى وحائرة التوجه، لأن ما هو مترسخ بحكم القمع والاستبداد، والذي ترسخ على مدى أجيال وحقب زمنية في صورة داء مزمن، يحيل بالمجتمع وقواها إلى التقاعد نوعاً ما، ويفسح المجال أمام احتقانات قد تدفع الشعوب ضريبتها، لكنها لا تمتلك بالمقارنة مع ما أصابتها من سياسات استهدفت طاقاتها، أن تشتغل على تغيير الوضع اعتماداً على قواها المنهكة، أو أن تقف في وجه إفرازات بعض المشاريع، كونها لا تجد فيها، وبالرغم من إشكالياتها، سوى مخرجاً لحلحة الوضع المأزوم لديها ..
وإذا ما افترضنا بأن ما تدعوا إليه وتدعيه أنظمة الحكم في المنطقة، وكذلك بعض القوى والتيارات السياسية، من شرور قد تجلبه لنا مشاريع التغيير، والتي هي إما بأيد خارجية أو بدعم من الخارج، هي الحقيقة بعينها، وتحاول أن تلعب على ورقة الشارع ودفعه نحو المواجهة، أو جعله كمتاريس في لعبة السياسية، يحق لنا بالمقابل أن نتساءل عن برامج هذه الأنظمة والتيارات والآفاق التي تعتمدها، من أجل قطع الطريق على مجمل المشاريع التي تحاول أن تستهدف، كما يقال، البنى السياسية والفكرية والثقافية لمجتمعاتنا ..
أعتقد جازماً بأن ما يجري من احتقانات وحالات احتراب، تصل البعض منها إلى مواجهات دامية بين التيارات السياسية نفسها، وبينها وبين أنظمة الحكم، إنما تعود بأسبابها إلى الشكل الذي أنتجته الثقافة أو الذهنية المتوارثة في الأداء والتعاطي داخل الرحم المجتمعي، وإلى البناء السياسي الذي اعتمدته هذه الأنظمة بالاستناد إلى الثقافة عينها والذهنية نفسها، وإن كانت السياسة، كما الثقافة، تتأثر وتؤثر بالمحيط العام، سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي، وعليه لا يمكننا تجاهل ما تفرزها بعض الأجندات من نتائج أو مؤثرات سلبية على واقعنا، وقد نكون جزءً من وقود الصراع الدولي على المصالح، أو أن نشكل عبر بعض الانتكاسات التي قد تلحق بصيرورة المشاريع، بؤراً جديدة لتوتير الأوضاع، خاصةً وأن المنطقة برمتها أضحت في حضن الإرهاب المنظم والممنهج، بالترافق مع تنامي الفكر التكفيري وتأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية، ولكن وحسب قراءة التاريخ وإحداثيات الفعل السياسي، نكون أمام حقائق لا يمكن تجاهلها أو القفز من فوقها، والتي تؤكد بأن ما نحن عليه، كحالة سياسية وثقافية واقتصادية مأزومة ومتأزمة، هي ليست سوى تعبيراً عن مدى الفشل الذي تعانيه أنظمة الحكم في المنطقة من إدارة الوضع، ومدى الأزمة التي تعانيها هذه الأنظمة في تفاعلها مع الاستحقاقات الوطنية، وذلك بحكم منهجيتها في الحكم والتي تعتمد أولاً وأخيراً على حكرها لكل الوطن، وبالتالي احتكارها له ونهبها لخيراته ومقدراته، واستنادها إلى آلة القمع والاستبداد في وجه مجمل الاستحقاقات، بغية الحد من انتشارها أو إمكانية وضعها على مكنة الحل، لأن في ذلك تقليص، إن لم نقل لجم، لدورة القمع واستمرار السلطة المبنية على أرضية الاستئثار والاستفراد …
فالداء المزمن الذي أصاب البنى أو المكونات المجتمعية، كنتيجة للمنهج السياسي الممارس من لدن أنظمة الحكم، وكذلك الثقافة التي تستند عليها، يقابلها دواء يمكن القول عنه أنه منقرض، كتحصيل حاصل لما عانتها وتعانيها هذه المجتمعات بحكم غيابها عن الفعل، والتي في مجملها تفتح الأبواب على مصراعيها أمام تدخلات أو تحرشات نسميها بالخارجية، خاصةً وأن الشعوب بدأت تقرأ الوقائع استناداً إلى حقائق تاريخية، والتي تؤكد بأن تركيبة المنطقة جاءت وفق إرادة خارجية، وأن التغيير فيها لا يمكن لها أن تتحقق بمعزل عن الدور الخارجي، وتحديداً في هذه المرحلة التي نخرت مفاهيم السيادة والوطنية وكذلك خصوصية الثقافات، لأن ممارسات الأنظمة الحاكمة واستبعادها لقوى المجتمع عن القيام بدورها، أسست لمفهوم الدولة / الفئة، والوطن / السلطة، وبالتالي فإن فكرة الحلول الوطنية لمجمل القضايا الداخلية أضحت في كماشة السلطة / الفئة، ولا مكان لأصحاب المصلحة في القضايا المستفحلة القيام بالدور المطلوب من أجل ترتيب البيت الداخلي ..
فإذا كانت المنطقة على مرمى حجر من جبروت القوى الدولية لنهشها والانقضاض على موروثاتها، كما يقال ويروج لها، وأن هذه القوى تتحمل مسؤولية حالات التناحر وتصارع القوى في المنطقة، فمن المسؤول عن هذا المآل، ومن الذي ساهم في دفع هذه القوى إلى أن تسلك هذه الخيارات، ثم من المسؤول عن حرمان الملايين من حق التعبير أو التصريح أو التلميح حيال قضايا الوطن والمواطن، ومن المسؤول عن كم الأفواه وملاحقة الكلمة الحرة، وجعل الأوطان معتقلاً لكل من يمتلك الرأي ويملك خيارات الحل لمجمل القضايا العالقة، ناهيك عن قضايا الفساد والإفساد، وقضايا الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، بل حقوق الوطن بمفهوم الوطن، علاوة على ذلك، ما تعانيه الشعوب والأقليات القومية، التي كانت ضحية التاريخ والسياسة، من اضطهاد وسياسات أقل ما يمكن القول عنها أنها شوفينية وعنصرية ..
فإذا كان لنا أن نبحث عن السبل الكفيلة لدرء إفرازات مشاريع التغيير كما تدعيه الأنظمة وبعض التيارات السياسية، ونجنب شعوبنا من حالات الخوف والقلق على مصائرها، كان علينا أن نعيد النظر في الوسائل والآليات التي يمكننا من خلالها أن نمد بجسور التواصل بين القضايا الوطنية العالقة وذاك الدواء المنتظر، وهذا ما لا يمكن الوصول إليه أو تحقيقه، بحكم التراكمات وذهنية الحكم والتحكم والاستحكام .. وهنا تكمن مصيبتنا وتقف عند حدودها مصيرنا ..
إن عملية إعادة الثقة بين المواطن والوطن، الذي ينبغي أن يكون حاضناً للكل، ودفعه نحو التمسك بهويته الوطنية بدل التنصل منها أو الخجل حيالها، بحكم ما تعانيه هذه الأوطان، والمستوى الذي وصل إليه مفهوم الوطن، لا بد أن تعبر عن ذاتها عبر إشراك المواطن في بناء الوطن، ولا بد أن تعود بالوطن إلى المواطن، لأن في ذلك وحده يكمن تحصين سياجات الوطن وتعزيز ثقافة المواطنة بين أبنائه، وهذه العملية بركائزها ومستلزماتها يمكن الدخول فيها بمنأى عن الخارج، أما وأن الأوضاع تسير وفق ما هو ممارس، من خلط في الأوراق وتأجيج لقضايا ثانوية على حساب قضايا الوطن، والدخول في معالجة الاستحقاقات بالاستناد إلى سلطة الترهيب والترغيب، وترك القضايا والأمور عرضةً للانتهاك، حينها لا يمكن لنا الحديث عن شرور مخططات الخارج، لأن ما هو في الداخل من شعور المواطن بالاغتراب والتغرب، أشد وبالاً من ما هو مرسوم في الخارج، خاصةً وأن هذا الخارج لا يملك القوة في أن يجعلنا مقيدي الإرادة، إذا كنا نمتلك رؤية الحل لما هو في الداخل، وإلا فإن الخارج والداخل بأجنداته ومخططاته تقف على مسافة واحدة بالنسبة إلى المواطن الذي لا يجد فسحة لأن يعبر من خلالها عن ذاته، بل يجعله أكثر ميلاً للتخلص من واقعه بغية إعادة صياغة مفهوم الوطن والمواطنة ..





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *