الرئيسية » مقالات » بيلوزي : رحلة في الظلام

بيلوزي : رحلة في الظلام






 
           وزائرتي كأن بها حياء                                 فليست تزور الا في الظلام 
                          
ينطبق قول الشاعر هذا الذي يصف مرض حمى التيفوئيد الذي كانت عوارضه تنتابه أوقات الليل على زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي السيدة – نانسي بيلوزي – الى سورية ولقائها والوفد المرافق برأس النظام في ظرف غير مناسب محليا واقليميا ودوليا حسب معظم المراقبين مما يضفي على الزيارة برمتها ظلالا من الريبة ويستتبعها بجملة من التساؤلات .

– * –


فقد لخصها الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش والناطقين باسم ادارته بأنها زيارة غير موفقة ومؤذية تحمل رسالة خاطئة الى الرئيس السوري وتسلك طريقا باتجاه المصدر الرئيسي للارهاب في المنطقة نحو العراق وعبر حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين اضافة الى نشر الاستبداد ضد حرية الشعب السوري والتوصيف هذا المتقدم بأشواط على تصريحات بعض المعارضين السوريين جاء بوضوح وصراحة ودون لبس أوغموض وبنبرة غاضبة من السلطة التنفيذية الشرعية الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة وأن الزيارة أوحت بصورة غير مباشرة من خلفية موقف الأغلبية في مجلس النواب بواشنطن بامكانية المواجهة مع أجندة الادارة وسياساتها الشرق أوسطية واستراتيجيتها الجديدة بشأن العراق وخططها بخصوص لبنان وفلسطين بما في ذلك تخوف أو تمني البعض من احتمالات التأثير ( سلبا وايجابا ) في مسألة المحكمة ذات الطابع الدولي حول قضية اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه .

– * –


لقد كشفت الزيارة قبل كل شيء عن عمق الأزمة الأخلاقية اذا صح التعبير في المجتمع الأمريكي وفي طريقة تعامل النخب السياسية مع بعضها الآخر وخاصة بين قيادات حزبيه الرئيسيين – الديموقراطي والجمهوري – وقد لاحظ العالم جزء من ذلك السلوك الغريب خلال المواجهة الانتخابية الشرسة قبيل فوز الرئيس الحالي والصراع المستميت وبكل السبل المعروفة وغير المعروفة حول اصوات قليلة والآن تثبت هذه المرأة – الديموقراطية – مدى عبثها بقيم وأصول التنافس السياسي المعروف في المجتمعات المدنية ذات التقاليد الديموقراطية لتتحول الى لبوة مفترسة في معركة – كسر العظم – من أجل مصالح حزبية ضيقة وفي سبيل الحاق الأذى بخصمها السياسي وهو في الحالة هذه رئيسها على أتم الاستعداد لنشر الغسيل الداخلي في ساحات خارج بلادها توحي وكأنها تصفي حسابات شخصية حيث اختبرناهذا الأسلوب الضار نحن في العالم الثالث حركات ومنظمات وأنظمة وما زلنا نعاني شروره ونتائجه المفجعة .

– * –

لسنا هنا في موقع الادعاء بمعرفة وتجسيد المصالح الأمريكية شعبا وحكومة ومعارضة أكثر من الأمريكيين ولكن من حقنا قراءة الزيارة حسب منظورنا بأنها أضرت كثيرا بصدقية المعارضة الأمريكية وأيقنت قطاعات واسعة بأنها وان اختلفت مع السياسة الراهنة فستكون أسوأ بكثير كما دفعت حتى مناوئي سياسة الادارة الأمريكية بالشرق الأوسط الى التريث واعادة النظر في مدى جدوى سياسة ومواقف البديل – الديموقراطي – المنتظر الذي دشنتها وعنونتها السيدة – بيلوزي – كأول نشاط خارجي لها بعد ترأس مجلس النواب في الدولة الأعطم كساعية بريد لدولة انتهكت حقوق شعب بأكمله وحكومة ضعيفة تعجز عن تحقيق السلام العادل مع الشعب الفلسطيني وكذلك كمبادرة قد توحي الى رفع العزل عن نظام مستبد يرعى الارهاب وينتهك حريات وارادة الشعب السوري ذلك النظام الأكثر مناوئا للسلم في المنطقة والأشد عداء لحركة التغيير الديموقراطي التي انجزت خطوتها الأولى في العراق بدعم واسناد ادارة الرئيس بوش التي لاتخفي في كل مناسبة وقوفها في وجه أنظمة الاستبداد والمضي في محاربة الارهاب ودعم العملية الديموقراطية في بلدان المنطقة والمطالبة بتحقيق الأمن والاستقرار في العراق ولبنان وفلسطين وحل قضاياها عبر الحوار السلمي .

– * –

ولكن ورغم هذه المآخذ – القابلة لتفسيرات شتى – من جانب الوطنيين والحريصين على سير عملية التغيير الديموقراطي في الشرق الأوسط وتعزيز الأمن والاستقرار فان الأمانة تقضي بقول حقيقة موقف الزائرة في تصريحاتها لوسائل الاعلام قبل وصول دمشق وبعده المتجسد في دعم القوى الديموقراطية اللبنانية وثورة الأرز ومطالبة النظام السوري بالكف عن التدخل في شؤون لبنان ووقف ارسال الارهابيين الى العراق وعدم التدخل في الوضع الفلسطيني وهذا ما يدعونا الى استهجان تفسير أوساط النظام السوري للزيارة كانتصار عظيم على غرار – النصر الالهي – لحزب الله ! في لبنان – نكاية بادارة الرئيس بوش – وهنا يلتقي الموقف الرسمي السوري تماما مع مواقف المعادين جدا دون هوادة ! للامبريالية الأمريكية والادارة الحالية انتقاما من نظام صدام حسين المقبور ليس الا .
قد يكون للنظام السوري دوافع أخرى في – تخيل –الانتصار وهي رسالة السلام التي حملتها الزائرة من السيد – اولمرت – التي رغم الالتباس الذي رافقها قد تكون مخرجا لعزلة النظام وتطمينا لبقائه بعد أن خاب ظنه من العرب في قمتهم الأخيرة بالرياض خاصة بعد دنو أجل تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي مما يفسح المجال للاسرائيليين وحلفائهم الأمريكان وخاصة من الحزب الديموقراطي الحليف التاريخي الأقرب لاسرائيل بأن يتوقعوا المزيد من التنازلات من حاكم غر ضعيف على شاكلة رئيس نظام الاستبداد في دمشق وليس سرا أن النخب الأمنية ومراكز البحث الاستراتيجية في اسرائيل تعارض منذ فترة سياسة الادارة الامريكية الداعية الى محاسبة نظام دمشق وممارسة الضغوط عليه وتعتبر أنه النظام الأمثل للتفاهم مع اسرائيل رغم كل الشعارات والمزايدات التي يتبجح بها ليل نهار .