الرئيسية » مقالات » في الذكرى الرابعة لسقوط الفاشية في العراق

في الذكرى الرابعة لسقوط الفاشية في العراق

يحتفل هذه الأيام الشعب العراقي، ومعه أصدقائه في العالم المتحضر والمفكرون الليبراليون وكل القوى الخيرة المحبة للإنسانية والحضارة والحداثة والحرية والديمقراطية، بالذكرى السنوية الرابعة لسقوط أشرس نظام همجي فاشي متخلف عرفته البشرية في التاريخ. نظام استعار أسوأ ما أنتجته الفاشية الأوربية، وطبقها بأشرس وأخس الوسائل الستالينية القمعية، بل وبز بها كل الوسائل الهمجية في تطبيق آيديولوجة البعث العربي الشريرة، إذ إن ما عملته الفاشية البعثية بالشعب العراقي وشعوب المنطقة لم تفعله أية فاشية أو حركة عنصرية بغيضة أخرى في التاريخ. ونؤكد في هذه المناسبة أن بغداد لم تسقط كما يردد أعداء الحرية، بل سقت الفاشية البعثية ومعها رمزها الصنم البعثي في ساحة الفردوس.

وعليه وبهذه المناسبة التاريخية العظيمة، أتقدم بأحر التهاني وأزكى التبريكات لشعبنا العراقي الكريم وأصدقائه الشرفاء في العالم بهذا النصر المؤزر، مؤكداً أن إسقاط الفاشية في العراق هو مجرد البداية والخطوة الضرورية الأولى في الحتمية التاريخية ومسار التاريخ، لإدخال شعوب منطقة الشرق الأوسط في الحداثة والحضارة الإنسانية التقدمية، وخلاصها من تخلفها، وتحريرها من ذلها وعبوديتها، ولمساعدتها في اللحاق بالشعوب المتطورة في الركب الحضاري الإنساني المتقدم.

ففي يوم 9 نيسان/أبريل 2003 المجيد، تم إسقاط الصنم (تمثال الطاغية صدام حسين) في ساحة الفردوس في بغداد ومعه النظام الفاشي، رمز الإستبداد العربي والفاشية العربية، وقد شاهدنا على شاشات التلفزة مناظر البهجة والفرح عمت جماهير الشعب هناك، بإعلان فرحتها بالتحرير والتعبير عن غضبها ضد البعث الساقط بضرب تمثال الطاغية صدام حسين، بالنعال، الوسيلة التي تعبر عن توجيه أشد الإهانة في الفولكلور العراقي للعدو البغيض. وبذلك دخل المواطن العراقي أبو تحسين ونعاله في التاريخ، حيث عبَّر بكل صدق وبساطة عن مشاعر معظم العراقيين إزاء الجلاد وحزبه الفاشستي الساقط وآيديولوجيته الفاشية العنصرية البغيضة.

أقول هذا وأنا واثق من أن هذا الكلام لا يعجب البعض من الذين أدمنوا على العبودية. فهناك قطاع من الناس في المنطقة، أدمنت على الذل والعبودية وترفض التحرر، أنهم أشبه بالديدان التي لا تقوى العيش إلا في المستنقعات الآسنة، والخفافيش التي لا تستطيع العيش إلا في الظلام الدامس. ولكننا أيها السادة نعيش في عصر العولمة، نعم العولمة التي مجرد ذكرها يقض مضاجعكم ويثير فيكم الخوف والهلع. نحن نعيش في عصر الثورة المعلوماتية والتكنولوجية المتطورة والاتصالات السريعة التي حولت العالم إلى قرية كونية صغيرة، ولم تعد إبادة الجنس من قبل حاكم جلاد مسألة داخلية، بل كل مشكلة وطنية هي مشكلة عالمية ومن حق المجتمع الدولي التدخل لإنقاذ الشعوب المهددة بالفناء من قبل حكامها الطغاة.

فالمقابر الجماعية في العراق وعمليات الأنفال وقتل الألوف في حلبجة بالغازات السامة ليست مشكلة داخلية، وإبادة الجنس في دارفور من قبل مليشيات النظام السوداني لم تعد مشكلة داخلية، وإبادة شعوب البلقان على يد الفاشية الصربية ليست مشكلة داخلية، وقيام هتلر بهولوكوست ضد اليهود وشن الحرب العالمية الثانية ليست مشكلة داخلية، وهناك أمثلة كثيرة، لذلك وبهذه المناسبة ليس لنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل للقوى الخيرة في المجتمع الدولي بقيادة أمريكا وبريطانيا لأخذها القرار الصائب والشجاع في التدخل وإنقاذ الشعوب من جلاديها. والمجد والخلود للشهداء الذين قدموا حياتهم فداءً من أجل خلاص هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، من الأنظمة الفاشستية وجعل العالم أكثر أمنا وسلاماً، ولتعيش البشرية حياة أفضل ومستقبلاً مشرقاً.

نعم، كيف لا نتوقع الشتائم ضدنا من مرتزقة البعث ومثقفي كوبونات النفط الذين أغدق عليهم الجلاد صدام حسين بالسحت الحرام من أموال الشعب العراقي؟ ماذا نتوقع من كتاب وصحفيين ومحامين عرب بنى لهم صدام أحياءً سكنية وأهداهم سيارات لم يحلموا بها في حياتهم بعد أن كانوا حفاة مدقعين؟ ماذا نتوقع من عائلة فلسطينية فقيرة كان صدام يدفع لها ثلاثين ألف دولار مقابل كل انتحاري من أبنائها يفجر نفسه لقتل مدنيين إسرائيليين من أجل تعطيل حل الصراع العربي-الإسرائيلي سلمياً؟ ماذا نتوقع من مجتمع فيه 60% من نسائه و50% من رجاله غارقين في ظلام الأمية الأبجدية، و90% منهم في الأمية الثقافية؟

أجل هناك دراسات جرت في الأردن كشفت عن فضائح يندى لها الجبين. تفيد الأرقام أن 77% من الأردنيين يخشون انتقاد الحكومة علناً، و60% من الأردنيين يؤيدون تنظيم القاعدة، و87% من نساء الأردن يؤيدن ضرب الزوج لزوجته. هذه نتائج استطلاعات في الأردن، البلد الذي يعتقد أن شعبه يتمتع بهامش من الديمقراطية والحرية، فماذا عن الشعوب العربية الأخرى المبتلية بالأنظمة المتخلفة المستبدة مثل النظام الليبي والسوري وغيرهما؟

أيها السادة إن هكذا مجتمع لا بد وأنه مجتمع مريض يحتاج إلى علاج سريع. وعندما لم يكن العلاج متوفراً محلياً، فلابد من الاستعانة بالخارج لإنقاذه من هذا المرض العضال. فأغنياء العرب وحكامهم يتباهون في السفر إلى الخارج وتحديداً بريطانيا وأمريكا إذا ما أصيبوا بمرض ما. فلماذا يرفضون معالجة مجتمعاتهم المريضة بأكملها من قبل الغرب؟ ففي عصرنا هذا يعتبر التخلف والاستبداد من أبشع الأمراض المتفشية في منطقتنا والتي تستدعي إلى التدخل السريع للعلاج وإنقاذ المريض.

ومن هنا نصل إلى الاستنتاج المنطقي، وهو أن تدخل قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا في مساعدة الشعب العراقي للتخلص من حكومته الجائرة كان ضرورة إنسانية وتاريخية ملحة لا غنى عنها ولا مناص منها. لقد أدمن مثقفو الكوبونات وأعداء الحرية والديمقراطية في العالم، ومنهم حتى القوى اليسارية في الغرب، في معارضة تحرير العراق، لا لشيء إلا لأن هذا التحرير قد تحقق على يد أمريكا. فهؤلاء مصابون بالمرض العضال الذي لا شفاء منه وهو العداء لأمريكا.

إن شعوب منطقة الشرق الأوسط مصابة بعقلية التدمير، عقلية معادة الغرب والحضارة الغربية، ومعها العداء لمنجزات الحضارة الغربية ألا وهي الديمقراطية والحرية والحداثة وحقوق الإنسان. وفي هذه الحالة لا يختلف فيها اليساري الشيوعي الستاليني عن الإسلامي المتطرف، فنجد من يسمي نفسه بـ(الشيوعي الأخير) ينظم القصائد ويدبج المقالات في تمجيد ما يسمى بـ”بالمقاومة الوطنية الشريفة’” في العراق. وكذا الحال لشيوعيين مخضرمين أصيبوا بالجمود العقائدي راحوا يرددون كالببغاوات ويجترون ذات الشعارات البالية التي كانت سائدة في عهد الحرب الباردة. وهؤلاء اليساريون الطفوليون لا يختلفون كثيراً عن اليمين المتطرف، إذ كما قال عنهم لينين، “أنهم في النهاية يلتقون ولكن عن حوافر الفرس”.

إن عقلية معاداة الغرب، وبالأخص أمريكا، هي التي أنجبت لنا الطغاة العتاة من أمثال صدام حسين والقذافي وبشار الأسد وأحمدي نجاد وغيرهم، وهي التي أنجبت الإرهابيين من أمثال بن لادن والظواهري والزرقاوي وغيرهم من الذين وضعوا الشعوب العربية والإسلامية في حالة مواجهة دموية انتحارية مع العالم. والغريب في الأمر أن معظم المثقفين المتياسرين الذين يشتمون الغرب والنظام الرأسمالي “المتوحش” هم يعيشون الآن في هذه الدول الغربية “المتوحشة” ينعمون بنعيمها والحرية التي وفرتها لهم هذه الأنظمة. فأحد هؤلاء المثقفين وهو نفسه الذي يسمي نفسه “الشيوعي الأخير”، زار لندن قبل سنوات من سقوط الفاشية في العراق، نشر قصيدة في صحيفة الحياة اللندنية يشتم بها العراقيين اللاجئين في بريطانيا ويعيِّرهم بأنهم يعيشون على فتات دولة استعمارية. ولكنه بعد أسابيع من نشر قصيدته “العصماء” تلك، قدم هو طلباً إلى السلطات البريطانية يطلب فيه اللجوء الإنساني. وقد قبلت السلطات البريطانية طلبه وهو الآن ينعم بـ”فتات” الدولة الاستعمارية!! هذا هو أحد النماذج من المثقفين المتياسيرين، وكما يقول المثل العراقي (من هلمال حمل جمال). فكيف نتعامل مع هذه العقليات التي اتخذت من شتم تحرير العراق وسيلة لنيل الجوائز المالية الضخمة التي خصصتها لهم المؤسسات العربية ولهذا الغرض بالذات؟ لذلك نجد البعض من هؤلاء الشعراء والكتاب يبالغون في عدائهم لتحرير العراق ودعم الإرهاب الدولي عسى ولعل أن ينالوا شيئاً من هذه الجوائز… وإذا ما فشلوا في الفوز فإنهم سرعان ما يلقون اللوم على التدخلات الخارجية الإمبريالية والصهيونية… عجيب أمر هؤلاء!

وفي هذه المناسبة لا بد من ذكر معاناة الشعب العراقي على يد الإرهابيين. من الواضح أن أعداء الشعب العراقي وأعداء الحرية والديمقراطية يتهكمون من تعبير (تحرير العراق) ويستخدمون (احتلال العراق الاستعماري) بدلاً منه. وهذا ليس غريباً على العقلية العربية التي تشربت بتقديس الطغاة من حكامها، فكلما كان الحاكم أظلم، نال المزيد من الاحترام والتمجيد ويرفضون الحرية إذا ما جاءت بمساعدة الأجنبي، وهذا جزء من الموروث البدوي. أجل، يعمل هؤلاء على إفشال الديمقراطية في العراق ليرعبوا به شعوبهم. أن هناك حلف غير مقدس بين مختلف الأطراف على إفشال العملية السياسية الديمقراطية في العراق، وكل له سببه الخاص وعلى حساب دماء الشعب العراقي وحرمانه من الأمن والحرية وإعادة بناء بلاده.

فجبهة الإرهاب مؤلفة من فلول البعث الساقط، وغرضهم هو عودة حزب البعث لحكم العراق. وأتباع القاعدة غرضهم تأسيس إمارة إسلامية في العراق على غرار إمارة أفغانستان في عهد “أمير المؤمنين” الملا عمر، ومنه تنطلق القوى الظلامية لإسقاط الأنظمة في الدول المجاورة والأبعد منها، وبالتالي إقامة دولة الخلافة الإسلامية ومواجهة العالم في حرب دموية.. إلى آخره من الأحلام الفنطازية التي لا توجد إلا في عقول الإسلامويين المريضة. ويتلقى الإرهابيون الدعم من إيران وسوريا، وذلك لخوفهما من أن يصلهم الدور ويحل بهم ما حل بنظام البعث في العراق. كذلك معظم الحكومات العربية وأثرياء الخليج من الوهابيين، يدعمون الإرهاب في العراق من أجل إفشال الديمقراطية فيه وذلك لمنع وصول عدواها إلى بلدانهم. وغني عن القول أن هذا السلوك العدواني ضد الشعب العراقي وحلفائه ناتج عن الجهل بمنطق التاريخ.

فالحتمية التاريخية أيها السادة تقر أن عصر الآيديولوجيات الشمولية والأنظمة الاستبدادية قد ولى وإلى الأبد وقد دشن العالم بداية انتصار الديمقراطية وحرية الشعوب انطلاقاً من العراق، وإن ما يجري في العراق لن ولا يقبل العودة إلى الوراء مطلقاً، وأن مصير الحكام المستبدين هو كمصير نظيرهم صدام حسين، أي من حفرة إلى حفرة وإلى مزبلة التاريخ.
وكل عام وشعبنا والعالم بألف خير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *