الرئيسية » مقالات » هل السلطات الثلاث في العراق في غيبوبة تامة؟

هل السلطات الثلاث في العراق في غيبوبة تامة؟

التقى في أعقاب ثورة العشرين في القرن الماضي شعلان أبو الجون, وهو أحد قادة ثورة العشرين, بالحاكم البريطاني في العراق حينذاك, وجرى بينهم الحوار القصير والمعبر التالي:
الحاكم البريطاني: ماذا تريد يا شيخ أكثر من هذا, صار عندكم حكومة عراقية.
أجاب الشيخ بسخرية لاذعة: نعم يا محفوظ, حكومة عراقية لكنها ترطن!
وكان المقصود أنها حكومة لا تتحدث بالمصالح العراقية بل بمصالح الأجنبي حينذاك. والرطانة باللغة معروفة, إذ كان هنا بمعناها السياسي.
ولكن لو تصورنا حواراً يجرى اليوم بين أي عراقية أو عراقي وبين أي قائد أمريكي أو بريطاني في العراق, فكيف سيكون مضمون هذا الحوار؟
القائد الأمريكي أو البريطاني في العراق: ماذا تريدون أكثر من ذلك, فقد أزحنا عن صدوركم الدكتاتور صدام حسين وأرسلناه إلى الجحيم, وأصبحت لديكم حكومة عراقية وحياة ديمقراطية.
تجيب مواطنة أو يجيب مواطن عراقي: نعم يا طويل العمر: خلصنا من صدام حسين ولدينا حكومة عراقية وعندنا ديمقراطية, ولكن كلاهما يرطن, وأي رطانة!
لا يحتاج المواطن إلى تحليل ما يقصد هنا بالرطانة, فهي صارخة إلى حد غير معهود ونجده في كل خطوة من خطوات العراق الراهن. فبعد أربع سنوات ما تزال الملفات بيد الولايات المتحدة الأمريكية وارتبع عدد هذه القوات, والجيش ما يزال لم يستكمل عدده وعدته, وكذا الشرطة والأمن .., وكلها مخترقة, وبنية الحكومة طائفية سياسية حتى النخاع, وأغلب الأحزاب مبتلاة به مثل وقبل حكومتها, والفساد يعم البلاد من أقصاه إلى أقصاه ويهلك العباد, والبطالة تزيد عن 60% من القوى القادرة على العمل, والخدمات غائبة كلية عن مختلف المدن والأحياء العراقية في بغداد والبصرة والناصرية والعمارة والديوانية …الخ, والقذارة والمستنقعات المائية تذكرنا بمدينة البندقية مع اختلاف في الشكل والمضمون الحضاريين, والموت يومي متفاقم, وغالبية الرؤوس المعممة, أياً كان شكل العمامة, إذ أن أصحابها يصولون ويجولون ولكنهم يخفون ما يخفون تحت العمائم من مآسي تقتل الحق وتبكي أين حقي! أما مجلس النواب العراقي فاسم على غير مسمى حيث يمكن أن ينطبق عليه قول الشاعر
علم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرف
فالعلم لا زال بعثياً دموياً, والدستور لا زال طائفياً مجحفاً, ومجلس الأمة ينسى مهماته ومشغول بالتفتيش عن حقوق ومكتسبات وامتيازات إضافية في مجتمع فقد كل الحقوق والامتيازات, ومشغول بتكريس الطائفية في غالبيته وبعيد عن إدراك عمق الأزمة التي تواجه الدولة والمجتمع. انشغل المجلس النيابي قبل فترة يناقش كيف يسمي المهاجرين قسراً إلى خارج العراق بغير كلمة المهاجرين, إذ فيها حرج له وللحكومة وللنظام السياسي الديني الطائفي السائد في العراق. كانت الهجرة مفهومة في زمن النظام المقبور, ولكن لا يمكن فهم الهجرة بعد سقوط الصنم. ولكن أليست الطائفية السائدة والمليشيات المسلحة الفاعلة والقتل على الهوية الدينية والمذهبية والنهب والسلب لأموال الدولة والاختطاف والابتزاز للأفراد والعائلات وغياب الديمقراطية الحقيقية والحرية الفردية الفعلية والبطالة والجوع والتهميش, أليس كل ذلك وغيره من بين الأسباب الكافية لمزيد من الهجرة لا للمثقفين فحسب, بل ولمزيد من البشر العراقي؟ أذهبوا إلى الشام وعمان لتروا العائلة الصابئية المندائية التي هجرت قسراً وسلبت أموالها المنقولة وغير المنقولة وقتل الكثير من أفرادها, زورا قبر السيدة زينب في الشام لتجدوا العائلات المسلمة الشيعية التي هربت من جحيم المليشيات السنية والتكفيريين, زورا سوريا والأردن والقاهرة لتلتقوا بمزيد من العائلات المسلمة السنية التي أجبرت على الهجرة من مناطقها خشية الموت على أيدي المليشيات الشيعية المسلحة. أذهبوا إلى عواصم ومدن أوروبية وأمريكية واسترالية ونيوزيلندية وباكستانية أخرى لتجدوا المسيحيين من كلدان وآشوريين وسريان هم أيضاً اضطروا إلى الهجرة لمحاربتهم في أرزاقهم وفرض ما يشبه العقاب الجماعي ضدهم بشأن العباءة والعمل وما على ذلك! زورا مكاتب الجنسية لتجدوا العائلات الكردية الفيلية التي هجرت قسراً من قبل النظام المقبور منذ العام 1968 وأسقطت جنسيتها غدراً, تعاني اليوم من مؤسسات ترفض إعادة جنسيتها لها وتعيش على هامش الحياة وتضطر على التفكير بالعودة إلى حياة الهجرة قسراً!
البعض يتحدث عن المنجزات الكبيرة التي تحققت في العراق بحيث تبدو الصورة العراقية وكأن الشعب يعيش في رفاهية يحسد عليها, وخلق من العراق ما يشبه المثل الشعبي القائل (الهور مرك والزور خواشيك), في حين لا الهور مرك ولا الزور خواشيك في العراق, بل بؤس وفاقة وحرمان وطائفية قاتلة (الزور هو المجداف والمرك هو المرقة, والخواشيك هي الملاعق).
والقضاء العراقي, ولا أتحدث هنا عن كل أفراده, بل عنه كمؤسسة, يعاني هو الآخر من ذات الأمراض التي تعاني منها السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية, فالذي لا يملك فيتامين “نقود” وفيتامين “علاقات” طاقيته مثقوبة وسفينته غارقة لا محالة والويل له.
لم يكن فينا من يفكر في أن يكون له مثل هذا العراق, وليس فينا من سعى لإقامة مثل هذا العراق البائس الراهن حين كنا نناضل ضد الدكتاتورية الصدامية أو قبل ذاك ضد الملكية الإقطاعية, ولكن, هل ما زرع فينا منذ ألاف ومئات وعشرات السنين بقي حياً يعمل فينا حتى الآن ويرسم صورة حياتنا الراهنة؟ هل زُرع الاستبداد في نفوسنا وعقولنا, ثم نجده اليوم بصيغة ما في كل فرد وحزب فينا؟ هل الفردية والهيمنة والذاتية ورفض الآخر فكراً وجسداً, هل أصبحت الواحدية مطلقة تشكل جزءاً من أخلاقياتنا وممارساتنا اليومية؟ لقد امتلأ الكأس وفاض بالغضب واللعنة والتمرد على ما يجري في العراق. هل نسمح بمرور الجراد الأصفر ليأكل الزرع والضرع؟ لا ينبغي أن لا نستكين لهذا الطاعون الطائفي اللعين أن ينتصر في عراق القرن الحادي والعشرين, ينبغي أن ننتصر عليه ونمنع شروره ونتصدى لأبطاله ممن يميزون بين الفلسفة الديمقراطية والآليات الديمقراطية والتي لا تعني سوى وأد الديمقراطية والحرية الفردية وسيادة الدكتاتورية في البلاد, سواء أكانت تحت واجهة دينية أم طائفية أم غيرهما.
أشعر تماماً بأن السلطات الثلاث في غيبوبة تامة وفي اغتراب حقيقي عن المجتمع العراقي عن الإنسان المهمش والضعيف, عن المثقف الديمقراطي, عن الفقير والجائع. هل نحن دولة قائمة لخدمة بعض الأغنياء الفاسدين وجمهرة من المعممين غير المتنورين ممن يأكلون السحت الحرام؟ هل عدنا إلى الوراء واستعادت المقولة التالية جوهرها: أتتركون حمير الله وتركبون الشمندفر (القطار), أتتركون ماء النهر وتشربون النامليت (المشروبات الغازية)؟ هذا ما كنا نسمعه في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين من البعض المعروف لنا جميعاً! وبقي في ذاكرتي منذ ذلك الحين.
نيسان/أبريل 2007 كاظم حبيب