الرئيسية » مقالات » لقاء صحفي بين صحيفة آلاي آزادي الأسبوعية والدكتور كاظم حبيب

لقاء صحفي بين صحيفة آلاي آزادي الأسبوعية والدكتور كاظم حبيب

نأمل من حضرتكم التفضل بالاجابة على هذه الأسئلة المطروحة من قبلنا – نحن صحيفة آلاي آزادي الأسبوعية التي تصدر في مدينة السليمانية – وكلنا أمل في أن نتلقى الرد بما يليق بوقتكم ، لما لهذه القضية من أهمية وضرورة في راهننا الحالي ، خاصة في العهد الجديد لعراقنا جميعاً ، وتفضلوا بقبول أحترامنا .

س: قراءتكم لقضية الأنفال بعد كل هذه الجلسات المستمرة بشأنها ، لا سيما وأن صور الجرائم الفظيعة باتت تتكشف على الملأ ، من خلال الشهادات والأدلة التي قدمت للمحكمة ؟ .
ج 1: يشير مجرى المحاكمة إلى أن المتهمين بهذه الجرائم المريعة التي ارتكبت في عمليات مجازر الأنفال والقصف الكيماوي لأهالي حلبجة إلى عدة حقائق جوهرية, وأهمها:
1. برهن المتهمون الرئيسيون في محكمة الأنفال, وعلى رأسهم المقبور صدام حسين, إلى أنهم كانوا عند تخطيطهم وتنظيمهم وتنفيذهم لمجازر الأنفال وحلبجة ينطلقون بوعي وإدراك كاملين من رؤية عنصرية حاقدة مناهضة للقومية الكُردية وحركة الشعب الكُردي النضالية المطالبة بحقوق هذا الشعب, وأنهم بعد مرور 19 عاماً على تلك الأحداث لم يتراجعوا عن مواقعهم الفكرية وذهنيتهم العدوانية ومواقفهم السياسية المتسمة بالاستبداد والعنف والقسوة والسادية الطاغية. وقد تجلى ذلك بوضوح أثناء سير المحاكمة وفي فترة وجود صدام حسين في المحكمة وقبل إعدامه, وكذلك في اعترافات علي حسن المجيد (الكيماوي), الذي كان يتصرف بعنجهية لا مثيل لها إلا لدى أشخاص يماثلونه في الحقد والكراهية لبني البشر.
2. وأنهم مستعدون نفسياً وعقلياً على ممارسة ذات الجرائم الشنيعة لو تسنت لهم فرصة مماثلة أخرى.
3. وأن جميع المتهمين الرئيسيين وبعض الشهود, ومنهم طارق عزيز, كذبوا في ادعائهم أن إيران هي التي استخدمت السلاح الكيماوي في قصف أهالي حلبجة في آذار/مارس من العام 1988.
وقد تمكن الشهود من تقديم شهادات قاطعة على ارتكاب النظام البعثي الصدامي لتلك الجرائم البشعة بحق النساء والأطفال والشيوخ والعجزة والقتل الواسع للشباب ودفنهم في مقابر جماعية, أو بعمليات الاعتقال والنقل إلى مناطق نائية ومعاملتهم معاملة شرسة تنم عن الكراهية والرغبة في تصفية من وقع بأيديهم.
إلا أن أهمية محكمة الأنفال تكمن في مسألة مهمة جداً هي: كشفها الصارخ عن حقيقة نظام حكم دام قرابة 35 عاماً مارس خلالها الحروب الداخلية والتهجير القسري والتعريب والتطهير العرقي والاعتقال والسجن الكيفي وإقامة عشرات المقابر الجماعية في مناطق مختلفة من البلاد, كما شن حروباً خارجية ظالمة ومدمرة دون أن يتحرك الرأي العام العربي والعالمي والمجتمع الدولي ليحتج على تلك الجرائم الشنيعة وقت ارتكابها ولإيقافها, بما فيها مجازر الأنفال وحلبجة. وهو تعبير عن ضعف الحس المرهف لدى المجتمع الدولي إزاء ما يتعرض له الإنسان من نظم الحكم الاستبدادية والقهرية والشوفينية.
ومما يزيد من حزني أن كثرة كبيرة جداً من العرب في العراق أو في الدول العربية لا تريد أن تعترف بما ارتكب في عمليات الأنفال من جرائم في إقليم كُردستان /العراق, رغم أن الجرائم التي ارتكبت كان يدعي النظام ورأسه المقبور أنه ينفذها لصالح الأمة العربية والخشية من الشعوبية والحاقدين على القومية العربية!
لا شك عندي بأن المتهمين بهذه الجرائم سيلقون الجزاء العادل لما ارتكبوه بحق الإنسان الكُردي بشكل خاص وبقية الضحايا في كُردستان في عمليات الأنفال وحلبجة وبحق القرى والأرياف الكُردستانية والبيئة بشكل عام.

س: إصدار حكم الإعدام بحق صدام حسين ومن ثم تنفيذه على قضية الدجيل دون غيرها ، برأيكم هل أثر ذلك الحكم على التقليل من أهمية قضية الأنفال إقيليماً ودولياً .
ج 2 : لا اعتقد أن إعدام صدام بقضية الدجيل سيقلل من أهمية محاكمة المتهمين في قضية الأنفال, ومنهم صدام حسين الذي نفذ فيه حكم الإعدام. ولكن لا شك في أنه لو كانت محاكمته قد تمت بدعوى الأنفال وقبل الدجيل لكان فيها بعد إنساني أكثر عمقاً وشمولية, من حيث طبيعتها العنصرية الموجهة ضد الشعب الكُردي من شخص قومي عربي شوفيني سادي الطبع حاقد على بقية القوميات في العراق وكاره لها, ومن حيث الأسلحة التي استخدمت فيها, ومنها السلاح الكيماوي, ومن حيث الأجهزة التي شاركت فيها, بمن فيهم جماعات من الجحوش, إضافة إلى ضخامة العدد الذي استشهد في تلك العمليات أو القرى التي دمرت أو الناس الذين هجروا من مناطق سكناهم أو الفترة التي دامت فيها تلك العمليات العدوانية.
وعلى أهمية محكمة الدجيل وجسامة الجرائم التي ارتكبت فيها والعذابات التي لحقت بأهل الدجيل والشهداء الذين سقطوا بسببها, فإنها قد تميزت بالضعف الكثير وحولت إلى مسألة وكأنها محض طائفية, خاصة وأن عملية الإعدام كانت إخراجاً سيئاً وحمّلها جواً طائفياً مقيتاً مارسته بعض الجماعات التي حضرت في ساحة وساعة إعدام صدام حسين.

س: بعد صدور الحكم على المدانيين ، وتنفيذها وإرجاء بعض الأحكام الأخرى ومن ثم استمرار جلسات المحاكمة ، فهل سيكون القانون الدولي رادعاً لمضطهدي الكُرد ، وحماية الكُرد في الأجزاء الأخرى من كُردستان التي مازالت تعاني من سياسات الاضطهاد والقوانين الاستثنائية وتطمس حقوقهم على مرأى القانون الدولي ؟ .
ج 3: يأمل الإنسان ذلك, ولكن برهن المستبدون أنهم لا يتعلمون من المستبدين الذين سبقوهم, بل يواصلون ممارسة جرائمهم بحق الناس. ومن المحزن أن نقول بأن المجتمع الدولي لم يرتق بعد إلى المستوى الذي يستطيع به وضع حد للجرائم التي ترتكب بحق الشعب الكُردي في الأجزاء الأخرى من كُردستان. وهم لم يتعلموا حتى الآن من دروس صدام حسين. ونموذج تركيا صارخ في موقفها من حركة التحرر الكُردية في شمال كُردستان ومن الشكوك التي تعاظمت في تسميم المناضل الكُردي عبد الله أوجلان أخيراً.
لا يزال القانون الدولي عاجز عن ممارسة دوره في معاقبة المستبدين في الأرض. فأمامنا تجري العمليات العدوانية ضد شعب دار فور في غرب السودان من جانب حكومة السودان والمسؤول الأول فيها عمر البشير. وأمامنا نشاهد ما يجري في ليبيا في الموقف من المعارضة أو في إيران في الموقف من اعتقال النساء المناضلات في سبيل حقوق الإنسان. ولكن تبقى القوانين الدولية مهمة جداً باعتبارها سلاحاً بأيدي الناس للنضال ضد مضطهديهم وسارقي حرياتهم وحقوقهم.

س: إذا انتهت جلسات المحكمة التي تنظر في قضية الانفال ، بعد كل أولئك الضحايا الكورد الذين بلغ تعدادهم ماءة وأثنين وثمانين الفاً بين تشريد وقتل وواد ، هل سيكون حكم الإعدام كافياً بحق أولئك المتهمين الستة فقط ، أم أن على العدالة أن تطال مسؤولين وأشخاص آخرين كانوا من أصحاب القرار في تنفيذ جرائم الأنفال ؟.
ج 4: على هيئة المحكمة أن تصدر الأحكام التي يستحقها كل متهم بتلك الجرائم البشعة وفق القانون والعدل, وليس من حقي أن أطلق الأحكام, إذ أني لست بقاضٍ ولا محام. ولكني أرى بأن هناك الكثير ممن كان يفترض تقديمهم إلى المحاكمة ويجلسون في قفص الاتهام بسبب مشاركتهم الفعالة في عمليات الأنفال الرهيبة لا للانتقام منهم, بل لفرض العدالة على من ارتكب الجرائم.
لا شك في أن المجموعة التي تقف في المحكمة ليست كلها مسؤولة بنفس المستوى عن الجرائم التي ارتكبت في عمليات الأنفال ومجازر حلبجة. فالفارق بين علي حسن المجيد وطاهر العاني بعد السماء عن الأرض في هذا المجال.
أروي لكم حالة معينة حدثت معي أثناء عملي عضواً في المجلس الزراعي الأعلى في العام 1978 وقبل اعتقالي من قبل البعث وإحالتي عل التقاعد كعقوبة باعتباري عدواً للثورة وتقديمي إلى محكمة الثورة بتهمة الإساءة للثورة ومجلس قيادة الثورة. وقد تسنى لي الخلاص من حضور المحكمة حين غادرت العراق سراً.
كان طاهر العاني رئيساً للمجلس الزراعي الأعلى حين اتصل بي هاتفياً في أحد أيام العام 1978 ورجاني أن التقي به في غرفته. التقيت به.
قال لي بالحرف الواحد:
دكتور كاظم أطرافكم مسيبة, وكان يقصد هنا إن أطراف تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي سائبة, وحزبكم ملغوم بنا. فقلت له إلى أين وصلتم في ألغامكم؟ فقال بالعمق وبعيداً إلى مستويات مهمة. وبعضهم يعمل عندنا في الصحافة. سألته إن كان يريد التشويش على الحزب بهذه المسائل, أقسم بأنه يتحدث بصدق. وكان صادقاً في ما قاله لي طبعاً. وقد بلغت في حينها المكتب السياسي للحزب الشيوعي بذلك في حينها. وأار من خفي أنه كان من مؤيدي الحزب الشيوعي في نهاية الأربعينيات وأنه لا يزال يعطف على الحزب الشيوعي والتقدميين.
في ربيع العام 1978 أعدم حزب البعث الحاكم والنظام 34 شاباً شيوعياً وديمقراطيا اتهموا بالعمل في القوات المسلحة. قمت بحملة واسعة ضد جريمة الإعدام بحق هؤلاء. والتقيت بطاهر العاني, وكان مسؤولاً عن منظمة حزب البعث في منطقة بغداد. كنت أتحدث كالثور الهائج أحتج بشدة على إعدام هذه الكوكبة من الشباب, واتهمت صدام حسين بارتكاب الجريمة الفاشية بحق هؤلاء. كان طاهر العاني يؤشر لي برأسه حول قضيتين: وهما: إنه يؤيد ما أقول أولاً, وكان واضحاً في ذلك, وأنه يخشى عليً من هذا الحديث الصريح والقوي لأن هناك كاميرات يمكن أن تصور ولاقطات يمكن أن تسجل الصوت, ولهذا لم يتكلم هو بل كان يؤشر برأسه باتجاهي لا غير. وبعد ثلاثة شهور تم اعتقالي بقرار من صدام حسين. من هنا لا يمكن أن أقدر من بعيد ما يمكن أن يرتكبه كل من هؤلاء, إذ ليست لدي القناعة مثلاً بأن طاهر العاني مستعد أن يقتل الناس, ولكن لا اشك في مقدرة الآخرين, ولكن مع ذلك لا أعرف مدى دوره في عمليات الأنفال.
أشعر بأن عدداً غير قليل كان يفترض أن يمثلوا أمام المحكمة بتهمة ارتكابهم جرائم في عمليات الأنفال, وأملي أن يقدموا لاحقاً ليكونوا عبرة لمن اعتبر.
أشعر أن ديناً كبيراً في أعناقنا نحن في العراق إزاء ضحايا الأنفال وحلبجة, وعلينا أن نعمل من أجل الإيفاء بهذا الدين بكل ما يمكن تقديمه لعائلات الضحايا وسكان حلبجة.
كاظم حبيب
7/3/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *