الرئيسية » مقالات » مفهوم القتال في القرآن

مفهوم القتال في القرآن

لقد صدق القرآن التوراة في حادثة عبادة العجل التي ذكرها سفر الخروج ،والتي تحكي على أنه أثناء غياب موسى لميقات ربه في الجبل مباشرة بعد منعطف الخروج عمد بنو إسرائيل إلى عبادة العجل الذي صنعه لهم السامري ، عندها أخبر الله موسى بذلك فرجع إلى قومه مؤنبا هارون وداعيهم للتوبة .
فبخصوص الرواية في التوراة فتحكي مايلي: “ولما رأى موسى أن الشعب غارق في مجونه بعد أن أفلت هرون زمامهم فصاروا بذلك مثار سخرية أعدائهم، وقف في باب المخيم وصاح: “كل من يتبع الرب فليقبل إليه هنا”. فاجتمع حوله اللاويون، فهتف بهم: “هذا ما يعلنه الرب إله بني إسرائيل: ليتقلد كل واحد سيفه، وجولوا في المخيم ذهابوإيابا من مدخل إلى مدخل، واقتلوا كل داعر سواء أكان أخا أم صاحبا أم قريبا”. فأطاع اللاويون أمر موسى فقتل من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل. عندئذ قال موسى للاويين: لقد كرستم اليوم أنفسكم لخدمة الرب، وقد كلف ذلك كل واحد منكم قتل ابنه أو أخيه، ولكن لينعم عليكم الرب في هذا اليوم ببركة ” .
لقد قتل الرب -على لسان موسى وبسيوف اللاويين- ثلاثة آلاف رجل عقابا لهم وانتقاما منهم وهم من عبد العجل ولم يشاءوا التوبة بعدما دعاهم قائدهم لذلك. فالقتل هنا وحسب التوراة صريح ومادي .
أما مايتعلق بالقصة في التلاوة القرآنية فقد ورد في سورة البقرة مايلي: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون. وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسكم ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾نرى أن القرآن هو الأخر قد تعرض للقتل ضمن أحداث القصة فيما جاء على لسان موسى لقومه: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسكم ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ فلكي يتوب عليهم الباريء يلزم ذلك أن يتوبوا لله ثم يقتلوا أنفسهم .
إن مصير عبدة العجل هؤلاء من داخل القرآن يضعنا في مواجهة مع إشكالية كبيرة تهم مفهوم القتل في القرآن . فإذا كان هؤلاء قد إختاروا عبادة العجل وعبدوه فعلا فهل يستحقون على ذلك قتلا ماديا صريحا في ظل ما يتمتع به القرآن من سماحة وحرية في الإعتقاد، و التي تستفاد من قوله عز وجل في سورة الكهف : ” وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر ” وفي سورة البقرة يقول : ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ” .فالإشكال هنا هو كيف يستقيم قتل هؤلاء قتلا صريحا بمعنى سفك للدماء مع سياق هاتين الآيتين اللتين تبينان الحرية في الإعتقاد وأن لا إكراه في الدين أبدا؟ وهل القتل في هذه الأيات قتلا مجازيا بمعنى أقتلوا الشر في أنفسكم أم هو قتل مادي صريح؟
ها أنا عرضت الإشكالية بين أيدي كل باحث في الأديان يهوى الغوص في القرآن وقضاياه ، فأتمنى أن أجد بينكم من يتواصل معي معرفيا في هذا الإشكال حتى ننضج
الفكرة معا ونتلاقح فكريا بما يكفل لنا مزيدا من الفهم والإستيعا ب للقران ومضامينه الانسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *