الرئيسية » مقالات » يوميات سائق تكسي

يوميات سائق تكسي

أنا لن ابيع ” سيفي”
ولا “عينا جوادي” ،
ولن اصرخ “قميصي
لكل المشترين أبيعه”.
مهما كان الثمن،
ومهما تقادمت الأيام.
1

ما دفعني لكتابة هذه الصفحات الشخصية عن فترة قضيتها سائق تكسي بسيارتي الخاصة امتدت لسنوات، هو أنني عشتها برغبة مني، كي اجرب نفسي في موقع جديد لا اخشى منه على اسرتي ، فبالاضافة إلى أنني أختزن في ذاكرتي مئات الحالات والصور عن الفترات التي مرَّ العراق بها،والتي عشنا بعض فصولها ابتداء من ثورة تموز 1958 مرورا بكل الانقلابات والانكاسات والهزائم، اجد نفسي منغمرا بشكل خاص في هذه التجربة الشخصية المريرة، التي لا تشبه اي تجربة في حياتي إلا تلك التي اعقبت الفصل السياسي بعد 1963 عندما عملت ممرضا أعتاش على زرق الأبر للمرضى في القرية وفي منطقة السيمر في البصرة.فترة العمل سائق تكسي لا تخصني شخصيا، بل تخص عددا من المثقفين العراقيين الذين ارتضوا العمل ابتعادا عن الوقوع تحت هيمنة قوى البعث، ويمكن تلمسها من أي موقع نحن فيه؛ مثقفون، اساتذة جامعات، موسرون نزلوا للشوراع طلبا لإعالة اسرهم. لكنك أن تروي حكاية عن تلك التجربة وانت في حركة متنقلة بين أزقة بغداد وضواحيها عن حالات ومفارقات عراقية ليلية، لهي ثروة لا توفرها لك الكتب أو الجلسات الخاصة، أو حتى الانتماءات الحزبية واجتماعاتها. من هنا! كانت تجربة خاصة ومريرة،لها طعم العلقم عندما أتذكرها أو اعيد تفاصيلها. وكنت قد قررت أن ألغيها واطمرها في وحل الأيام والسنوات أو اكتفي بالكلام عنها بين الأصدقاء، .لذا قررت أن أنشر ما كنت قد دونته من علامات التجربة العامة، كي اقول كلمة بحق نفسي وأسرتي.

2

بعض ما تختزنه الذاكرة يستحق الكتابة فيفرض عليك سياقاته وضمائره وشخصياته وأمكنته وحالاته، وبعضها يمكن أن يكون ضمن ارشيف أدمغتنا الممتلئة بالعذاب العراقي نستخرجه كلما استدعت الضرورة لذلك،منها الحالات المضحكة والمبكية التي تمر على اي إنسان عراقي وهو يلغي سمة الثقافة منه ليتحول إلى فلاح أو بائع في سوق الشورجة. والبعض الآخر نهملها ونعدها من عاديات الأحداث، وهي الكثرة الغالبة مما مررنا به. ومن هذه الكثرة هو ما حدث لي ولغيري من المثقفين من امتهان لا يقدر بثمن يوم خرج كثيرون منا للشارع طلبا للعيش مبتعدين عن هيمنة السلطة وإغراءاتها، كي لا نجبر أنفسنا على أن نكون مجرد أرقام في ركبها ليكتب ما تمليه عليه أجهزتها ودوائرها التي خصصت مكافآة مالية لمن يكتب أكثر لصالح السلطة ومسؤوليها.وأعدت لذلك جمعا من أنصاف وأرباع المنتفعين ليكتبوا يو! ميا أعمدة تمجد مكرمات السلطة ومواقفها. ولن نقول ذلك اعتباطا، بل أن الب عض كان يُسمعنا بين آونة وأخرى ما يفيد ان الانظمام لأجهزة السلطة الثقافية هو ضمان لنا ولمستقبلنا،خاصة وان احزابنا التي كنا ننتمي إليها قد تركت العراق وغادرته، حيث سمح لها بالخروج والابتعاد عن الساحة العراقية. ووصل الترغيب إلى التهديد والوعيد والاتصال التلفوني في ساعات متأخرة من الليل ليرعبوا اسرنا وليسمعوهم الشتائم والتشهيرات والنعوت التي لا تليق إلا بهم وباسرهم من التهديد والتخوين. ومع الاسف جندوا مثقفين وكتاب قصص وروايات لمثل هذه الأفعال المشينة كجزء من واجباتهم اليومية. وفي غفلة من زلات ألسنتهم نسمع ما كان مخفيا حول ذلك. فما رأيته وعشته خلال السنوات الخمس التي كنت أعمل بها بين فترة واخرى سائقا كي اعيش هو ماحدث للعراق من انتكاسات وتراجع شمل ليس الثقافة والسياسة والاقتصاد، بل النفسية العراقية التي وجدنا لها صورا تافهة لم تكن في ارشيفها الوجداني والإنساني. ويوم غادرت العراق تركت كل ذلك خلف ظهري لا لأنساه أو أتناساه، بل لانه كان جزء من محنة شعب كامل وليس محنة مثقفين أريد لهم ان يكونوا مقيدين لاجراءات سلطة امعنت في تخويف وتخوين الناس، لا بل أن سياستها هذا وجدت لها صدى عند كتاب ! ومثقفين عرب، فما كان من أرباع المثقفين العراقيين إلا أن يكونوا واجهة لمثل هذه التصرفات والاسماء التي بحوزتي لا تشرف ثقافة ولا وطنا.
بعد هجرتي ركنت تلك المعلومات جانبا،لا بل وألغيتها، واعتبرت أن ما جرى لي ولغيري هو جزء من مسؤولية يومية نتحملها كاشخاص ارتضوا أن يسلكوا طريقا أخر للعيش غير الطريق الذي اختاره البعض. لكن فكرة الكتابة عن ما مضى بدأت تضغط علي بعد التغيير الذي حصل في 9/نيسان/2003 في العراق، وهو التغيير الذي كان الجميع يترقبه كي يخلصنا من ظلم لحق بنا وبثقافتنا وببلدنا ويعيد لنا ولأسرنا البسمات التي غابت عنا طوال عقود. ولكن مع الأسف الشديد وجدت وخلال ثلاث زيارات للعراق أن حال المثقف العراقي اليوم اصبحت اكثر سوء من السابق عدا فترة قصيرة في بداية التغييرحينما تحسن وضعه الثقافي، في حين أن معاناته لم تتغير ولم يجد ما كان يصبو إليه،لا بل أن ممارسات جديدة بدأت تمارس ضد المثقفين هي أسوأ مما كانت تمارس ضدنا يومذاك، ومنها هذا الإلغاء للمثقفين ولدورهم ولمنظماتهم الثقافية.فعاد معظمهم لمزاولة أعمال غير ثقافية، أعمال في الأسواق والمعامل البيتية والدكاكين الصغيرة وسياقة التكسيات! والعمل في ورش المعامل والاشغال اليدوية. وهو ما جعلني أعود لتلك الأيام لاقارنها بما يحدث لمثقفي اليوم لاجد في تلك الفترة فسحة أكبر للتحدي، إذ ليس فيها تفجيرات ولا مفخخات ولا انقطاع طويل للكهرباء ولا ضياع للسلطة ولا انعدام للمؤسسات، رغم عنف وظلامية تلك المؤسسات، فلا ميلشيات تكمم افواه الناس، ولا حراس يمنعون بارات بغداد من العمل، ولا صحف واذاعات تعتمد ثقافة اللطم والتطبير. ولا عزل في المدارس الابتدائية بين سني وشيعي، ولا تهديد لعيش الناس بان يتركوا دكاكينهم وبيوتهم لانهم من الشيعة أو من السنة. ولا مجال لدخول مخابرات الدول المجاورة لتسيير أمور البلاد ولا غض النظر عن نهب الثروات ونفطه واقتطاع اجزاء من الاراضي العراقية للغير ولا السماح لقوميات أن تمتد في ارض العراق وتمتلك قطاعات منها، ولا وجود لمن يهرب الشاحنات واعمدة الكهرباء والزجاج بعد تكسيرة إلى ايران، ولا وجود لأحزاب دينية وعشائرية تأسست بين يوم وليلة وسيطرت على منافذ العراق ومنابعه وبدأت بتهريب العراق كله، ولا بيوت ومحلات تأوي الإرهابيين من التكفيريين ومن طلاب الشهرة واللصوص من السياسيين وغيرهم، ولا وجود لمناطق علنية تباع فيها المخدرات وحبوب الهلوسة ، ولا وجود لثقافة قطع الرؤوس والاغتصاب. كل ! هذا الذي يحدث في العراق دفعني أن أعود لتلك الممارسة الشخصية مستجمعا ما سمعته وسجلته ورأيته وأنا اتجول في ربوع مدينة لا تنقطع عنها الكهرباء كثيرا ولا تمنعك ميليشيات مكفنة بالسواد عن العمل. هذه الحال هي التي دفعت بمخزون الذاكرة الارشيفي للظهور ثانية، فأصبحت الكتابة عن تلك الفترة ملازمة لحال لا تقبل التغيير كما يبدو أو هكذا خطط السياسيون المتعجلون للحكم على حساب الوعي الوطني. واعني به حال المثقف العراقي حيث بقي كما هو إن لم يكن ادنى مستوى مما كان، وهوما يجعل أية كتابة منحازة لوضعية ذلك المثقف قبل ان تكون إدانة لفترة او لظاهرة.


3

تتناول هذه اليوميات تجربة مثقف رفض أن ينخرط في جوقة المطبلين لثقافة سلطة البعث في العراق، فقرر مع نفسه أن يعمل بسيارته سائق تكسي في الليل دون أن يعرف أحد من أسرته أو أصدقائه، إلى أن كشفت الأيام أن الكثير منهم كان يعرف ذلك، ربما عرف البعض من فلتات لسان المثقف السائق،فغالبا ما يقول ما يؤمن به، وربما عرف من الركاب الذين كان ينقلهم ليلا فلا يتبينهم بينما هم يعرفونه وجها ثقافيا، غالبا ما ظهرت صورته في الصحف والمجلات والتلفزيون. وربما عرف أمره من السلطات الأمنية التي كانت تتابع كل المثقفين الذين لا ينضوون تحت خيمته البعث. والسبب الرابع هو وربما يكون اهم الاسباب كلها، أن السيارة لم تكن تكسيا كباقي سيارات الأجرة ذات الألوان المخططة، مما يجعل الراكب يتفحص كثيرا بوجه السائق الذي قادته الظروف المالية لأن يعتمر كوفيه يغطي بها نصف وجهه ويسرح على باب الله.
التجربة مريرة استمرت لسنوات كنت فيها كادحا بامتياز، فقد كنت أعمل ليلا، بعد أن احتسي كأسا في البيت او في اتحاد الأدباء، سائقاً ما بين الساعة العاشرة والواحدة صباحا أو اقل من هذا الوقت. بينما أكون في النهار في الكشك الصغير الذي ا! فتتحته في محلتنا بمكافأة التقاعد لأولادي ،سرعان ما اصبح بعد ستة أشهر محلا كبيراً لهم، فكنت في فترة النهار في الشورجة بائعا ومتسوقا، بينما في الليل متجولاً في بغداد بين الأزقة والشوارع .البحث عن الذات في غياب التنظيم الشيوعي الذي كان يشغلنا وهيمنة سلطة قمعية على الثقافة والمثقفين دفعتنا أن نسير في محاذاة الطرق خشية ان يرونا على اطوال قاماتنا، وهذا ما كان يرعبهم. في أحد الليالي بعد هجمة جراد السلطة في عام 1979 على الحزب الشيوعي واختفاء وسفر وموت الكثير من الرفاق بقيت لوحدي ادرج نفسي على الصبر لارتباطي باسرة كبيرة لا استطيع تركها لوحدها في العراق،وفي ليلة كنت عائد من اتحاد الادباء انتظر في ساحة المتحف سيارة تنقلني لمدينة العامل ، سمعت كلاما من شخص كان يقف خلفي ” بعدهم الجماعة يجرون نعلهم تالي الليل”.
التفتت للشخص اشاح بوجهه عنى وابتعد، عرفت أنني المقصود وعلي أن اختفي من وجوه السلطة المسعورة التي قال صدام حسين في أحد ندواته التلفزيونية عنهم أن الشباب ما أن ولكلنا لهم أمر الجماعة حتى انهوهم ويقصد بالجماعة الحزب الشيوعي.أما الشباب فهم أجهزة الأمن.
الطريق للبحث عن الذات لا ي! مر عبر العلنية ولا السرية، بل العمل وعلي أن اثبت لنفسي أولا ولأسرتي أن ني لن اكون طعما سهلا لازلام الثقافة كي يكسروا قلمي. وغالبا ما يأتي رجال الجيش الشعبي إلى البيت ليلا فلم يجدوني، عندئذ علي أن اتدبر امري قبل طلوع الفجر للهرب من البيت إلى مناطق بغداد الأخرى أو للسفر إلى كردستان أو البصرة. وقد تحمل الصديق الراحل سامي محمد والناقد فاضل ثامر الكثير من الليالي التي هربت بها من بيتي متخفيا عن رجال الجيش الشعبي هي محنة أن تكون موجودا وغير موجود في الوقت نفسه، ولم تكن بطولة ندعيها، بل حالة من الفزع الشامل علينا ان نتجنبه خشية الموت المجاني في جبهات القتال.كما مات الكثير من رجال محلتنا.
التجربة المريرة التي عشتها سائق تكسي قبل أن اخرج من بغداد مهاجرا للأردن ثم إلى هولندا وأنا أحمل أعباء مرض قاتل. كانت نموذجا احتذى به الكثير من الأدباء- أحتفظ بأسمائهم- بعدي وأثناء تجربتي. فقد قرر عدد منهم أن لا يحني ظهره لسلطات البعث، فعمل سائقا ليليا في سيارته بعد أن يغير قليلا من مظهره الخارجي ويتوكل على الله. بينهم اساتذة جامعيون ومثقفون وفنانون وتجار واصحاب وظائف كبيرة. هي نزهة غير محببة أن ترى الناس في الليل بعد ان يكونوا قد خدروا من التعب، أو أن يروك على حال ! غير محببة بالنسبة لهم بعد أن تكون قد تركت الكتابة. نزهة لا مجال لتكرارها إلا أن تعود للمرحلة نفسها وهذا من المستحيلات، ولكنها نزهة لم يكن مخطط لها أن تتحول إلى نص يكتب ليشاع بعد أن كان التخفي عنها نوعا من التستر على ممارسة لا تليق بمثقف عراقي. ولكن ما العمل وأنت محاصر من كل الجهات: جهة البيت ومتطلباته، وجهة السلطة ومطاردتها وإغراءاتها، وجهة الثقافة التي كنا نظن أنها ستنجينا من العوز والفاقة، وجهة الإيديولوجيا التي تؤمن بها بحق نفسك وشعبك ووطنك وهي جهة لم تكن بضاعة خاسرة في يوم مثلما هي خاسرة بعد أن ترك الجميع العراق ساحة فارغة للسلطة وأزلامها لتبقى وحيدا بين أقران يودون أن يكونوا مختفين.
بعد ان قررت الرحيل والهجرة عن بلد لا يمنحني غير الاهمال والمرض والجوع وقمع الحرية ومنعي من أن أكتب ما أريد وأفكر كما يفكر خلق الله، وأن أضمن عيشة لأسرتي لا يأخذها علي جار أو حزبي من أنها من نعم السلطة.” آخر قرار بمنعي من الكتابة ما لم أكتب عن سلطة البعث بلغني به المرحوم رعد عبد القادر بعد أن كلّمه رئيس تحرير القادسية أمير الحلو، قائلا له ” على ياسين النصير ان يترك الجريدة حمايه له فأنا ش! خصيا لا أريده أن يكتب كما يطلبون” كان ذلك عام 1991 قررت أن أدع سر خروج ي عند صديق مؤتمن أسره فيه، أما أسرتي فقد كانت مسافرة إلى البصرة ولم يعرف منها إلا أمجد الأبن الأوسط للأسرة فقط، وهكذا كانت الرحلة فارغة من أي سند، بل هي هروب من الذات دون أن تكون هذه الذات في تلك الأيام مطاردة، ولكنه البلد الذي يوشك أن ينهار فلا تجد السلطة من مجال غير أن تعيد اعتقالنا وتخويفنا وتخويف اسرنا. وقد ذهبت يوم خرجت من الأمن العامة في 3-4-1978 بناء على توصية من الحزب إلى السفارة اليمنية في بغداد كي أخرج من العراق إلى اليمن وكان الحزب يومذاك يوصي رفاقه بترك العراق، وفي صالة الإنتظار رأيت من كان يحقق معي في الأمن العامة، فرجعت لأخبر الحزب أن السفارة اليمنية في بغداد مزروعة بمخبري السلطة، فلم استطع العودة للسفارة ثانية وقررت أن أبقى في بغداد مهما كانت النتائج- ثم مررت بسلسة من الاعتقالات القصيرة ثلاثة ايام، يومان ونصف، يوم، اسبوع ، عشرة ايام ..ألخ اذكر أن آخر اعتقال لي كان يوم 29/5/ 1985 وكانت الوقت عصرا وفي جيبي راتب الشهر الخامس فسقت معصوب العينين إلى جهة مجهولة بعد أن اقعدوني في سيارة مطأطأ الرأس. وبقيت يومين في مخفر للشرطة وقد حدثت في هذين اليومين عجائب وغرائب لا ي! سع المجال هنا لذكرها، لعل أبسطها هي ماعون الأكل الذي كان يدفع لي مرتين من تحت الباب يوميا ثم يسحب بعد دقيقة لتقذف لي من الشباك الصغير سندويتشا فيها شيش كباب وزلاطة، لا أدي من يسحب الماعون ومن يدفع لي السندويج إلا بعد خروجي بستة اشهر، عندما أفصح شرطي كنت أدرسه في المدرسة المسائية فقال لي: يا أستاذ ما كنت أفعله هو دين برقبتي لتلعيمك لي.أنا الذي كنت القي لك سندويشا في كل وجبة لأن الماعون الذي يدفع لك من تحت الباب ليس نظيفا وفيه قاذوراتهم. لذا فالهرب كان فرصة لأن أجدد ذاتي التي بدأت تتآكل من الإهمال فنحن لا نعيش تحت ظل قبيلة ولا عشيرة ولا مدينة ولا لقب ولا حزب، وكنا نتمنى أن يكون الحزب الشيوعي خيمة لنا لكن هذه الخيمة كسرت أعمدتها وفر سكنتها للخارج نجاة من أجل العودة كما يقولون، وفي الخارج رأيت بعظهم يتمسك بالهجرة، أما نحن فقراء الحزب لا خيمة لنا ولا عودة، كما لا رحلة لنا ولا سفر. كل ما كنا نتمناه هو أن لا نرحل، وأن نبقى نقول ونكتب حتى لو كنا عاجزين عن بلوغ أدنى هدف. فالوطنية ليست وصفة تشتريها من الصيدلية لتتداوى بها وتشفى أو تتعافى، ولا هي بطاقة سفر ترحل عن أرض لتستقر في اخرى، ! بل هي مصير وقدر وتكوين ذات وقدرة على الفشل والنجاح. وعند خروجي للأردن الذي بقيت فيه ثلاث سنوات ونصف كنت اسكن غرفا رطبة بجيوب فارغة تمر علينا الأيام بدون أكل لولا حمية اصدقاء اردنيين في مقدمتهم الصحفي والمترجم صلاح حزين و الشاعرحازم مبيضين و القاص نازك ضمرة. ولما غادرت الأردن إلى سوريا للعمل في مجلة المدى بناء على طلب من الاستاذ فخري كريم ذقت الأمرين هناك على يد رفاق الأمس، خاصة الشاعر سعدي يوسف الذي استطار يوم جئت للعمل معه في المجلة فقد سحب موضوعات مجلة المدى إلى بيته كي لا اطلع عليها، فقد اعتبر مجلة المدى ملكه الشخصي، هكذا كان يقول فخري كريم كلما اجرى حديثا معه بشأنها. شخصيا لم اطمع باي موقع في مجلة أو دار نشرفأنا جئت لسوريا هربا من جوع الاردن وفقرها، ولم اجيء كي احتل موقع احد أو انافس احدا.كان راتبي مئتا دولار مائة لايجار الغرفة ومائة مصرفا، لكن الاستاذ فخري كريم كان بين الفترة والاخرى يرسل مبلغا لاسرتي في بغداد دون أن يخبرني أول الأمروهو ما جعلني اطمئن إلى أن البعض ما يزال يفكر بطريقة حماية رفاقه من الضيق. وتجربة سوريا لوحدها تستحق كتابة أخرى.خاصة عندما تحينت فرصة سفري لحضور مؤتمر الرابطة في ألمانيا ثم استبدلت بشخص آخر بعد فترة. في المساء ! نجلس سوية في شقة سعدي يوسف نحتس المر الليلي ونتحاور لكنه بعد ساعة من بدء الحوار ينتفض ليقول لي
ياسين انت ما إلك اي حق في المدى كل ما عليك هو أن تكون مجرد فرد عادي، جئنا بك من عمان لمدارة وضعك المادي وعليك ان تكون ساكنا دون أن تبدي اي ملاحظة. قلت في وقتها لسعدي يوسف لنؤجل خلافاتنا لوقت آخر علينا أن نجتاز هذه المحن الصغيرة بدون كسر اي عظم مع أي أحد، فأنا شخصيا لا طموح لي بان أكون كذا وكذا. ينتهي المساء بخروجي منكسرا فقد يكون من هم اقرباؤك ورفاقك يسلكون دون وعي المسلك السلطوي نفسه. فعدت هاربا للأردن ثانية على وعد أن يستمر راتبي في مجلة المدى 200 دولار شهريا، لكن الراتب قطع بعد شهر من وصولي للأردن وفي الطريق للأردن عائدا اصبت بجلطة على الحدود السورية/الأردنية لتنقلني سيارة اسعاف للمستشفى وبعد اربعة اشهر سافرت إلى هولندا بعد ان وفر لي السيد فخري كريم مشاركة في مؤتمر عن السياب في باريس. هي تجربة تكمل تجربة أخرى لذا لافرق عندي بين ان كنت في بغداد سائق تكسي او في دمشق مثقف مهمل من اي نشاط.من هنا لم اكن ارغب العيش في دمشق فقد خشيت منها أن تأخذ تجربة بغداد مني ففضلت عمان بالرغم م! ن شحتها على اي مدينة اخرى.
فسياحتي الليلية في شوارع بغداد أعطتني فر صة نادرة أن أرى الأشجار والبيوت والشوارع والناس على غير ما أراها في النهار وهي ضاجة بحرارة الشمس. أما في الليل فتستكين هذه المكونات للرياح وللصمت وللظلمة وللنور الشحيح. فرصة لا توفرها لك كتب الأدب والا الجغرافيا ولا التاريخ. وانت تخطو بين الطرقات والمنازل يتنازعك همّان، همٌّ أن لا تكون وحيدا في فترة كثرت فيها الأغتيالات خاصة في مدينة الثورة والمسبح، فيكون الراكب معك حماية لك حتى لو لم تعرفه. وهمّ أن تسوح في الليل وتتحدث مع الركاب وقد تسمع كلاما سخيفا من قبل البعض وقد تجد على ألسنتهم أكثر من منشور حزبي بلغة ركيكة وبمطالب شعبية قد لا توفرها لك أدبيات الحزب التي كان يدبجها محترفون.
الآن رحلتي في شوارع بغداد ليلا ، رحلة اختيارية، أجبرت على خوضها، ومن ثم دعوة الآخرين إلى تقليدها، بعد ان لقيت راحة لضميري أن أطعم اسرتي من جهد حلال…


4

تلقي الحرب بظلالها على رحلاتك اليومية، تتفرس في الوجوه فلا تجد جنديا يركب السيارة، وتمعن في الأجرة فلا تجد من لا يسأل عنها ويناقشك في المبلغ، إن لم نقل أنه لا يعطيك ما اتفقت عليه، وتبصر في نفسك بعيدا عن هذا وذاك فتجد نفسك قد انغمرت في ظاهرة أنت بعيد عنها، فما يفصلك عن سواق التكسي غير أن تشتم وتفشّر وتقول الكلام الناقص على زميل سائق يتجاوز أو يخطأ. أحيانا اترك مثل هذه الشتائم للراكب وهو يتولى عني مثل هذه المهمة. لكني وانا أجوب داخل المدينة كما لو كنت أتجول داخل روحي الهاربة والمنكفئة معا، أجد بعض السلوى عندما ينهمر سيل من النكات الجديدة التي لم يعرف عن العراقيين أنهم منكتون أو اصحاب نكتة، هذه الأيام كثرت النكات الفاحشة، وبدأ البعض يُنظّر لها ويشيع حولها الإشاعات. فالحرب لما تزل قائمة والشعب بحاجة لأن يضحك على كوميديته السوداء فلا مجال غير أن ينفجر اللسان العراقي بالفشار وهو المعروف بالحشمة والتستر والعفة. ولأيام كثيرة اعود للبيت ممتعضا حزينا كئيبا من الحال التي وصلت إليها لا بل وصل إليها المثقف العراقي الذي لا يعرف غير الإيمان بمادئ وطنية لا ترخي له عنان الراحة أو الخير ! بل كل معاناتها سجون ومطاردة واختفاء وملاحقة. وها أنت بارادتك تطارد نفسك كما لو كنت سلطة عليها، ما معنى أن تتخفى وتصبح سائق تكسي من اجل لقمة عيش دون ان تكون إرادتك في تغريب نفسك عن الآخرين هي جزء من تغيب متعمد للمواجهة أو للرفض؟، شخصيا ليست لي القدرة على أن ارحل وأترك اسرة كبيرة، كما أن ليس لي القدرة أن استمر في الانتماء لحزب لم يجد فرصة يوما لأن يستقر، ولكني ما أن أجد اديبا كرديا قد عرج على اتحاد الأدباء ليلا حتى اسأله عن إصدارات الحزب : طريق الشعب والثقافة الجديدة والبديل وغيرها، وكان رفاقنا الأكراد يجلبون لنا ما نريد من كردستان فأجد نفسي موزعا لبريد الحزب دون أن أكون حزبيا أو مكلفا من احد. حتى أن الجهبذ الديناصورالدكتور …… لن يصدق ما رويته له ونحن في هامبورغ مجتمعين كهيئة تحرير الثقافة الجديدة وكانت من نتيجة ذلك الأجتماع أن فصلت من الهيأة دون أن يحسنوا حتى تبليغي برسالة. هذه هي المحنة التي ترى فيها نفسك كما تود أن يراك فيها الآخرون. ولكن الآخرين مغرمون دائما بتصديق ثقافة الإشاعة.


5

لن تكون هذه اليوميات مؤرخة حيث التجربة المكررة لها لا تولد إلا حكاية واحدة تستمر كل ليلة في هيكلها العام وإن اختلفت ببعض التفاصيل. الحكاية هي أن مثقافا عراقيا رفض الإنخراط في جوقة المطبلين للسلطة فخرج للشارع سائقا في سيارته لكسب قوته اليومي ثم للتعرف على نبض الشارع العراقي ايام الحرب وغيرها، وهي الغاية الأكثر حضورا في ذهن هذا المثقف الذي تحول أمام نفسه إلى كيان ساخر احيانا ومأساوي تراجيدي أحيانا أخرى، لأن ما سوف يرويه يتجاوز نقل الناس في الليل إلى بيوتهم ليصبح الحدث كله هو رؤية الناس وهم في فترة بين أن يكونوا مغيبين بارادتهم عن بيوتهم أو منشغلين بما هو واجب يومي لهم. فبغداد في الليل وأثناء الحرب ليست هي بغداد النهار وفي فترة السلم، الكل هنا متوتر غاضب يُستفز على أقل كلمة ولذلك كنت حذرا جدا من إثارة أي موضوع عنوة أو لجر الكلام، بل كنت اترقب الزبون ان يفتح لسانه في أي موضوع ثم استمر معه قابلا أو رافضا، وغالبا ما كنت أستمع ثم أبدي ملاحظاتي، وحدث أن البعض بعد ان يسمع ملاحظاتي وهي مغايرة لما يريده، يسمعني كلاما خشنا وأحيانا يهددني بالذهاب إلى مركز للأمن أو الشرطة، فما اقوله ! وانا سائق تكسي لا يتناسب وحجم المعلومة أو دقتها مع ما يريده الراكب. مرة قلت للراكب معي بعد ان تحدث عن عدد القتلى في معركة مع إيران،” يبين السمجه خايسه من راسها”. فطلب مني أن اوقف السيارة ولما توقفت نزل دون ان يعطيني الأجرة. وغالبا ما كنت أصمت ثم يبدأ تراجع الراكب عن موقفه بعد ان يرى نوع سيارتي الفيات الصغيرة فما أرويه هنا هو خلاصة لخمس سنوات تداخلت فيها ظروف شتى من بؤس وكد وتعب وخوف ومراقبة وخشية أن تقول ما لا تؤمن به أو أن تعمل وأنت غير قادر على العمل ثم تعود مساء لبيتك وأنت مطأطأ الرأس ملتفا بكوفيه لا تراك إلا زوجتك المنتظرة على مقعد القلق بينما هجع الجميع للنوم، ووسط الأخذ والرد والخوف من التأخير تسرد عليها جزء من يومك وأنت نصف مغمض العينين ثم تنساب لفراشك على أمل أن تسمع كلمة صباح الخير من أول ناهض للذهاب إلى المدرسة. وماعدا ذلك ندرج هنا المواقف التي صادفتني خلال جولاتي الليلية وأنا أتعرف على بغداد عن قرب ، عرفت أزقتها وشوراعها وبيوتها المعلنة والخفية القصية والدانية تلك التي عليها حرس وتلك الفارغة من الحراسة. عرفت الناس بعد منتصف الليل وفي أواخره، الناس الذين تشاهدهم ف! ي أماكن كل يوم فتعرف أن واجبا ما ما يحتم عليهم التواجد فيها. تعرفت على الناس الذين يخرجون في وقت محدد من الليل ويذهبون إلى بيوتهم في وقت محدد فتعرف أنهم يعملون في أمكنة عامة مثل البارات والملاهي والفنادق، تعرفت على الناس الذين يدعون السكر وهم أصحاء، أملا في أن يصطادوا منك كلاما ، تعرفت على بعض الناس الذين يقفون في المكان نفسه وينادون عليك بالنداء نفسه ويصلون للمكان نفسه، فتعرف عملهم وسياقات حياتهم اليومية، البسطاء في الأغلب ومن عامة الناس هم الأكثر هدوءا ما أن ينزل من سيارتك حتى يدعو لك بالتوفيق والسلامة. بعض الناس ما أن يصعد السيارة حتى يبدا بالشكوى فيشكو لك دون أن تعرفه، ظلم المدير والمسؤول وظلم الزوجة التي تنتظره، وحتى ظلم الأب والعشيرة. البعض تعرفه إن كان فقيرا أو غنيا وهو يعاملك على السعر، البعض تعرفه من الرداء فهذا من المنطقة الغربية وهذا من المطقة الشرقية وهذا من بغداد وذاك من النجف، أما طريقة دخول الراكب السيارة ففيها ما يجعلك تفهم سجايا الناس وأحوالهم فإذا كان الراكب صاحب سيارة عرفت حرصه من سد باب السيارة عندما يسحبها بهدوء، في حين أن الراكب الآخر يسحب الباب كما لو كان يعاقبه. تعرف الراكب إذا كان سائقا من حركة قدميه كما لو أنه يسوق مع! ك، وتعرف أن الذي يدخل ليقرفص قدمية أمام جسده منتظرا الوصول أنه من عامة الناس وثمة شيء في جيبه يحتفظ به لأسرته. فتشعر أنك أمام جو مختلف وحالات قديمة – جديدة وعليك ان تكون مجسا لنفسك فأنت تقوم بمهمة خطرة في زمن خطر والحواث عن قتل سائقين في الليل كثيرة. ثمة سجية خاصة كامنة في أعماق العراقيين هي أن يقولوا ما في قلوبهم دون خوف وأن يتحدثوا حتى لو لم يعرفونك عن أسرار خاصة، ثمة شوق حقيقي لحديث البعض للبعض الآخر، وكأنه جليس ديوانية في قرية أو بلدة يسمعك الأحاديث التي سبق وان حكاها لغيرك. لم اعرف مثل هذه الحاجة الكامنة في الإنسان العراقي إلا عندما هاجرت فوجدت نفسي كغيري بحاجة لمن اتحدث معه عن أمور لا تخصني. يلجأ خاصة في أوربا كبار السن إلى الحديث مع اي إنسان يصادفونه أو يتعاملون معه، الحديث للآخر حاجة نفسية وبيلوجية تتطلبها حياة إنسان يشعر بمخاطر العمر.


6

هذه اليوميات هي حكايتي وحدي وأنا مستمتع بها عندما أستعيدها في أحاديث جانبية مع اصدقاء، فاقترح علي كثيرون ان أدونها وأن انشرها، وبالرغم من أنها لم تأت بجدبد، فما فيها مشاع ومعروف، ولكنها أبنة مرحلة معينة وظروف محددة، ربما الآن يوجد ما هو أسوأ من تلك المرحلة خاصة إذا كانت الحكاية حكاية مثقف وأديب. وهذا لوحده يجعلها حكاية أعم من مصدرها لتكون نافذة على مرحلة ما أكثر ما نحتاج من نوافذ فيها كي نطل على واقع عراقي مرتبك وهو يتقلب كالجمر على نار مشتعلة مع إيران، ومن قبلها على نار داخلية مشتعلة مع القوى الوطنية، ومن قبل قبلها مع نار أكثر أوارا مع القومية الكردية في بشتاشان وغيرها، ومن قبل قبل قبل قبلها كنا نعيش على نار أشعلتها لهم المخابرات الأمريكية ليقتلوا عبد الكريم قاسم ويعدموا أعضاء الحزب الشيوعي العراقي. نار توصل بأخرى ومرحلة طويلة تشعب عن مراحل صغيرة ليجعلوا العراق في دوامة من الخوف والرعب، مرحلة متداخلة ليس فيها فواصل أو مناطق استراحة، ابتدأت منذ شباط 1963 عندما كان أبطالها الفاشيون وكان حطبها السياسيون والمثقفون والاقتصاديون والتكنوقراطيون والدينيون، ولم تنته حتى بس! قوط الصنم الفاشي في بغداد يوم 9 نيسان 2003. شعب كامل كان يتمشى معي في الليل وانقله إلى المستشفى أو البيت أو إلى مختلف بقاع بغداد مخاطرا بحياتي من اجل كسب معيشتي والابتعاد عن جراد السلطة من المثقفين كي لا يجبرونني بحاجتي لأن أكون معهم.

7

أحيانا بغطاء الرأس وأحيانا بلا غطاء

لغطاء راسي أثناء العمل الليلي مشكلة كبيرة، فعندما أخرج من إتحاد الأدباء بعد احتساء ربعية العرق، يكون رأسي أكثر حرية فهو جزء من قيافة الجلسة المسائية لكني غالبا ما اضع كوفية في السيارة قبل خروجي من البيت لاستعمالها ليلا، وسرعان ما تنكشف اللعبة ليس لي فقط وانا العارف بالأمر، بل للراكب الذي أول ما يتفرس بوجهك حينا يؤجر السيارة، وعندئذ عليك أن تكون معروفا ولو بحدود فالركاب يخشون الرؤوس الملفوفة والعيون المغطاة بنظارة. في مرات كثيرة لم اضع الكوفية فوق راسي وقد انتبه عدد من الركاب لذلك فبدأ البعض لا يتحدث عن الاجرة فيكتفي بالقول كم يريد الأستاذ؟. فالسيارة الخصوصية تكشف عن هوية صاحبها رغم أن الكثيرين من الناس تستعمل سيارات خصوصية هي ليست ملكا لهم.
في أحدى المساءات ركب معي رجل سكران، وما أن جلس في السيارة حتى نام دون أن يقول كلمة غير حي الميكانيك في الدورة، بالنسبة لي الطريق إلى الدورة يقربني من بيتي، لكن أن ينام الراكب فتلك مسألة تحتاج إلى جهود كي توقظه، بعد اكثر من نصف ساعة بين الباب الشرقي والدورة نبهت الراكب قلت له نحن في حي الميكانيك دلني أين الطريق إلى بيتك؟ استفاق! بعد أكثر من نداء ثم سألني:
– بربك استاذ شنو الفرق بين العراق والعرق؟
– قلت: حرف الألف.
– صح قال، وعاد للنوم ثانية وكاني أطعمته رشفة من كأس محببة لديه.
– نبهته ثانية أخي وصلنا لو بعد.
-قال: وهو نائم : بعد شويه للجعب. البلد ما بيه جعب كله طفح ليفوك.
-أوهوه رددت بصوت اعتقدت أنه لا يسمعه: شيخلصها هاي الليلة؟
-أجاب: وهو نائم: توكل على الله استاذ كلها تنكضي، وبعدين أحنا بالعُراق يعني إذا ما تخلص المسألة انت تخلص. صمت وردد بصوت واطئ: ويطبنا طوب.
-قلت مع نفسي: الله يستر.
– قال: بربك استاذ شنو الفرق بين العرق والعراق؟
– قلت له: شو بدلت الكلمات؟
– قال: أكيد أنت مثقف مثلي. بس وداعتك ما كو فرق،
– لا يابه يامثقف يابطيخ أحنا على باب الله.
– هو وينه باب الله ردد وهو مطأطئ الراس. مسدود، والتفت إلي وهو ينظر بوجهي، استاذ مسدود، استاذ ثانوية ما يلكه قوت لعيالة؟
– قلت: دلني الطريق.
– قال: ويكول أنا مو مثقف ويحجي فصيح.
– وبعدين وياك؟ أخي وصلنا لو بعد؟
أنزل زجاج السيارة ليطل رغم أن الجو بارد،أخرج يده وكأنه يستشعر المنطقة من هوائها أغاتي وصلنا! خليني أنزل هنا أحسن لي. ثم فتح الباب ونزل من السيارة دون أن يعطي الأج رة.
– يامثقف، صحت وراءه، يعني بلاش التوصيلة.
-لا يابه انا آسف آسف جداً والله العظيم أنت لهيتني.ثم اخرج النقود وقدمها مع سيل من الاعتذار.
اطل ثانية من باب السيارة قبل ان ارفع الزجاج:
– بربك أستاذ شنو الفرق… وضحك وهو يغادر رصيف الشارع باتجاه منطقة مظلمة.
صحت وراءه دون أن يسمعني: وداعتك كل فرق ما كو الاثنين عرق أبو الكلبجة.
عدت أدراجي باتجاه البيت بعد ان خلعت الكوفية عن رأسي وفتحت راديو السيارة لأستمع أغنية ” شلهه غرض بينا الناس بويتنا ونلعب بيه”. البيت هنا هو العراق أما الناس فهم المعارضة ودول العالم، ” الله يعفينا منهم” أما اللاعبون بهذا البيت هم الحكام الذين جندوا الأغنية لأغراضهم السياسية. بيت وضاعت مفاتيحه هذا هو ما خلصت إليه الأغنية.
تمنحك مثل هذه الحالات فرصا أن تعرف أن قاع المجتمع مشغول بنفسه بعد ان فقد الأمل بمن يرتفع به إلى حالات جديدة، السكر وشرب الخمر ليس إلا طريقة بائسة لنسيان المشكلات ولكن ماذا تفعل وأنت غارق حد اذنيك بما لا تعرفه من حياتك وبلدك. كل شيء مبهم، لماذا دخلنا الحرب ؟لا نعرف.لماذا ضربت الجبهة اللاوطنية؟ لا نعرف. لماذا يزداد الفقير! فقرا والغني غتا في ايام الحرب؟هذا سؤال يقودك للمشنقة؟ لماذا استولى عدي على كل أغذية السوق ؟ لا نعرف .ضمن هذه اللانعرف يعيش المواطن في بلد يسير نحو الهاوية. ومع نفسك تردد ” ابويتنا ونلعب بيه شلهه غرض بينا الناس”
تصل للبيت تصعد السلم ،تفتح الباب، تجد نفسك صباحا أنك كنت نائما في فراشك. تحمده وتشكره على رؤية أطفالك في اليوم التالي.


8

السياقة ببدلة أنيقة أم بشداشة
الرداء علامة دالة على هوية الشخص ومنطقته وسجاياه،فمن يرتدي العمامة يحسب على رجال الدين، ومن يرتدي الكوفية السوداء يحسب على العامة من السادة الشيعة، ومن يرتدي الكوفية البيضاء يحسب على فئة السنة، وقل ذلك بالنسبة للباس العسكري واللباس المهني ولباس النساء من العرب ومن الأكراد ويشمل كل ألبسة الناس في مناطقهم ومذاهبهم وقومياتهم. اللباس علامة لكن لا يوجد لسائقي السيارات لباسا معينا يمكن التدليل عليهم به، فكيف إذا كان السائق مثقفا ويرتدي البنطلون والقميص دائما ولم يتعود على ارتداء الدشاشة بعد أن تركها يوم غادر القرية؟ ها هو الآن يختار لباسه الليلي عندما يخرج من البيت، بينما يختاره لباسه عندما يكون خارج البيت. شكلت الملابس مشكلات كبيرة لي. حتى أني كتبت موضوعا في أوائل الثمانيانات بعنوان ” الدال والمدلول ونشر في مجلة فنون عدد 254عن العقال واليشماغ كعلامة دالة على فئة من الناس كنا نصادفهم وهم يتقاطرون ليلا على الملاهي والحانات،يصفون سياراتهم بالقرب من منطقة المسبح ثم يدخلون الملاهي وبارات الفنادق ويبدأ بعد ذلك رقص الجوبيات.
كتبت على مداخل هذه الملاهي والحانات لافتات معدنية منص! وبة في الشارع تقول ” الفلاح يحيي ثورة 17-30 تموز المجيدة” ومن يتجول في منطقة المسبح في كرادة مريم يوم ذاك يجد أن مثل هذه اللافتات كانت مقدمة لكل مدخل ملهى ومطعم ونادي.حتى أن صديقا الناقد يوسف نمر ذياب رحمة الله عليه وهو من محبي الجلسات في هذه الأماكن بعد ان اوصله بسيارتي لبيته في الكرادة وقد ،يقول: احنا فلح بس العمل يتطلب أن نلبس بنطلون، ولما كان يجيد لهجة الغربية حيث أنه من هيت، كنا ندخل بسهولة لفنادق الخلفاء ولملاهي المسبح. جاءني أكثر من رد بعد ان نشر المقال احد الردود ينبهني أن المقال المذكور يقصد فئة به من أهل الرمادي، فجأة انتبهت لنفسي فأكتفيت بالصمت. غالبا ما أرتدي الكوفية أثناء عملي الليلي والكوفية والنظارات خلال النهار،لأعرف لاحقا أن أناسا مثلنا يسعون لتضييع أنفسهم بتغيير ملابسهم فالهوية أكبر من أن تكون مظهرا خارجيا. عليك أن تكون عاديا في ارتداء ما تشاء ومع ذلك لابد من ارتداء ملابس تليق بسائق، فالمهنة لها شروطها ، ملابس لا تليق بمثقف أو أستاذ أو موظف، وهذا الأختيار يضعك أمام نفسك ثلاث مرات: مرة أنك توهم نفسك بالتخفي، ومرة أنك لا تلتزم بلباس واحد مما يعني أن لا تؤمن ! بالملابس الهوية، ومرة ثالثة انك تحاول أن توهم الآخرين أنك لم تتخف.
عندما أكون بملابس مدني ينظر الراكب إلي نظرات اشعر انها مزرية كأن يقول: شصار بيها الناس ما خلوا شغلة ما اشتغلوها؟ وقد يقول آخر الدنيا تمشي بالمكلوب، اساتذة وموظفون وأصحاب محلات نزلوا للشارع يعني ما خلوا لهل الكار شغلة.. وثمة يقول شتسوي الناس العيشة تتطلب، بينما يكتفي الأكثرية بالصمت وهو ينظر إليك في بداية صعودة وفي نهاية وصوله. وهناك من يسمعك كلمة طيبة استاذ ديربالك على نفسك. قالها راكب حملته من من المسبح ومررنا على الطريق الجواني المحاذي لدجلة والقريب من مساكن رغد وحلا وبرزان وعدي، قالها لي مرتين: استاذ انتبه لنفسك ولا تجي بالطريق هذا فقد قتل قبل ليلتين أحد السواق. كنت انظر لهذا الرجل نظرة احترام فهو ينبهني أنني أسير في منطقة ممنوعة، وينبهني أنني لست إلا عاملا من أجل لقمة خبر للأسرة، وفي كلتا المرتين أفهمني أن رجال الدولة يخشون أي حركة لا يعرفونها. ومن يومها لم أطرق ذلك الطريق. لكن المحذور ليس دائما بجانبي.
في أحدى الليالي ركبت معي اسرة من حي الجهاد رجل وزوجته وطفلين أحدهما صغير جلس في حضن ابيه،لأوصلها للباب الشرقي. كان الوقت مساء وبحدود الساعة العاشرة وكانت الأجرة دينار ! ونصف، سرت كالعادة في الطريق السريع الذي يوصل للقصر الجمهوري ومن هناك الاستدارة على دائرة صغيرة للتوجه إلى الباب الشرقي، وحين وصلت للدوار بدأت بالسير كي أستدير وإذا بالحرس يوقفوني فصاح بي الحرس قف؟
وقفت في مكاني، وين رايح؟
للباب الشرقي
ما تعرف الاستدارة ممنوعة من هنا؟
قلت لا لا توجد إشارة تشير إلى ذلك
قال أنت أعمى شوف الفسفور على الطريق يعني امش من هنا.
قلت له: شكرا
قال شكرا شنو تفضل اطبك على صفحة.
اوقفوني على جنب الشارع وبدأت الاسئلة والأجوبة سألوني وسألوا الراكب معي اخرج الراكب لهم هويته فلم يتكلموا معه. اما أنا فقد اخرجت لهم هوية اتحاد الأدباء لأعرف نفسي، فنظر إلى الشرطي وقال وبوضوح، نسامحك ليس لانك تحمل هوية بل لأن الراكب معك نعرفه. ومن يومها لم امر في هذه المنطقة التي شهدت حوادث قتل كثيرة بسب هذه المخالفة من بينهم ضابط كبير في الجيش العراقي أطلقوا النار عليه فأصيب بجروح لكنه لم يمت ثم ركنوا السيارة وهو فيها في أحد البساتين القريبة. وفي اليوم الثاني عثر عليه في حالة جيدة فنقلوه إلى المستشفى.
الطرق حراس السلطة هذا ما يمكن أن يكون في تلك المرحلة ! يتركونك لحالة من الهستيريا أن تكون في مدينة كلها قيود من يعرف منطقة كر ادة مريم يعرف حجم الممنوعات في الشوارع ويعرف كم من البيوت والبساتين قد استولى عليها ليس لأمر ما بل لأنها قريبة من القصر الجمهوري، الشوارع المسيجة بالحرس سلطة متجولة وعليك ان تلقن سيارتك خارطة الطريق فالدماغ الذي تحمله قد يعجز عن التفكير بالطرق التي تتغير بين يوم وليلة، وماذا تعمل وأنت بحاجة لهذه الشوارع لا بل أن الركب لابد وان يمر بها؟ لذا عليك أن تغامر وان تقول أنا اديب ومثقف إذا اقتضت الضرورة.


9


بناي وهاشم وشرطي المرور
الذين يعرفون الصديقين صاحبي المكتبتين في الباب الشرقي ” بناي والمرحوم هاشم” يدركان أن الصلة معهما تجعلك عارفا باهم الكتب الحديثة،وغالبا ما كانا يحجزان نسخنا من الكتب النادرة لنا. تقع مكتبتيهما بالقرب من مخفر للشرطة في ساحة التحرير. وهذا ما يجعلهما نافذة مشرعة على حواث المنطقة،وللصدف أن ضابط شرطة كان يتبع سيارتي وأنا احمل فيها ثلاثة جنود من شارع 14 رمضان إلى ساحة النهضة، ومن خلال مادار من حديث بينهم عرفت أنهم كانوا محالين إلى محكمة عسكرية وقد خرجوا من القضية براءة فكانت البسمة بادية على تصرفاتهم ووجوههم،
-قالوا استاذ احنا ما نتعامل نريد توصلنا للنهضة وعدنا نص دينار. غالبا ما يكون الجنود مفلسين وقد اعطيت يوما اجرة لجندي كنا نركب سيارة معا من حي العامل للباب الشرقي عندما همس في أذني : استاذ ياسين ما عندي كروة اروح بيها للعمارة وحدتي هناك وإذا غبت يعدموني.
-قلت هل تعرف اسمي؟
-قال نعم انت استاذي أنا تلميذك بمدرسة الجاحظ بس الحظ ما كعد وياي وبطلت.
الحرب مع إيران كانت قائمة وآلاف القصص اليومية تسمعها أو تعيشها. نقدت السائق اجرتي واجرة الجندي / التلميذ وعندما وصلنا! للباب الشرقي ونزلنا اعطيته دينارا واحدا زيادة قلت له: هل يكفي هذا؟
– شكرني ومضى لمصيرة.
أعاد الجنود الثلاثة علي الصورة تلك قلت لهم على حسابي .
انشغلوا بالحديث فيما بينهم أعادوا افاداتهم انتبهت أنهم كانوا في المحكمة العسكرية.
لم انتبه لسيارة الشرطة التي تسير خلفي، وعند تقاطع الباب الشرقي اوقفني ضابط الشرطة بعد أن نادى علي.
وقفت على جانب الطريق وبدون اي مقدمات قال” ليش تشيل ركاب وانت خصوصي؟
قلت له هذولة اقاربي اريد أن اوصلهم للنهضة حتى يلتحقون بوحداتهم.
التفت لضابط للجنود ليسألهم:
– انتم اقارب الأخ؟
– قال كبيرهم: لا والله احنا عبرية يوصلنا بسيارته للنهضة
– وشكد الكروة
– نصف دينار، بس هو قال على حسابي
– قال الضابط اطبك السيارة وجيب السويج.
ثم قادني إلى مخفر الشرطة في ساحة التحرير ليحرر لي محضرا.
وأنا ادخل المركز وإذا ببناي وهاشم يقفان في باب المركز.
سألني هاشم ها ابو أمين شكو شصاير؟
قلت له كنت احمل في سيارتي اقاربي لاوصلهم للنهضة مسكني ضابط الشرطة ليقول لي أنك تشتغل تكسي وسيارتك خصوصي.
عرف بناي وهاشم أنني لست صادقا فيما اقول،! فالكل يعرف ان البعض يعمل في هذه الأيام اعمالا اخرى ولكني لا أملك في م ثل هذه الحال غير أن اقول الصدق.
دخلا على ضابط الشرطة ليستفسرا منه. بعد خمس دقائق خرجا من المخفر وهما يضحكان ليعودا إلى مكتبتيهما، دون ان يلتفتا إليّ.
اكتفى الضابط بحجز سيارتي بعد ان عرف علاقتي ببناي وهاشم وعلي أن اسلمها لمركز الحجزفي منطقة 52 كما اعتقد. ارسل معي شرطي مرور وهناك سلمت سيارتي للحجز وعدت لاستلمها بعد اسبوعين.
بعد اسبوعين نزعت عن سيارتي كل الملحقات الخارجية بها: اللايتات الامامية الدعامية الخلفية، الماسحات، المرآة الداخلية الفراش. لا يكفي أن يغرموك بل ويسلخوا سيارتك من عدتها.

10
نقمة الأجداد
هو ابو تحسين جار وصديق ومعلم مثلي ،وجدّه ” عويد” يحمل نفس أسم جدي ايضا،ويعمل سائق تكسي مثلي، مما جعلنا متهمين بالشيوعية وهو البعيد عنها. كان ذلك في الثمانينات عندما كنا نلتقي أسريا كل ليلة تقريبا في بيوتنا الكائنة في العمارات السكنية. وابو تحسين من النجف وأنا من البصرة لا معرفة لبعضنا البعض إلا كوننا جارين في المنطقة نفسها.بعد أن أصبحت الطلعة من البيت تحمل مخاطرها بدأنا نبحث عن صديق قريب نقضي معه الليل ونتحث إن كان ذلك مسموحا بالسياسة وشؤون المعيشة. كان ابا تحسين جاري وكنا نقضي الليل معه ويقضي واسرته معي في البيت مما أثار حفيظة منظمة الحزب في الرسالة، فبحثوا في اسمائنا فوجودوا إسم جده” عويد” يطابق اسم جدي فأستدعيت لأواجه بأسئلة عن صلة القرابة بيني وبين أبو تحسين.ولم يستدع هو.
قلت للسائل: ليس من صلة بيننا سوى أننا معلمين وجارين.
قال السائل: تجتمعون كل ليلة وبالتأكيد تتحدثون عن الحزب والثورة.
قلت: ليس صحيحا هذا فما وصلتكم من أخبار هي مغلوطة لا نتحدث عن أحد بل نحتسي
الخمر وسط أسرنا خشية أن لا نذهب للبارات.
قال السائل: ألم تكونوا أقرباء فاسماء اجدادكم متشاب! هة؟
قلت: ليس بيننا أدنى قرابة إلا قرابة الجيرة وهي افضل من قرابة العشيرة. فهو من النجف وأنا من البصرة.
لم يكن الاستجواب عن تشابه الاسماء إلا طريقة لاستدعائي، فانا كما عرف عني لم أذهب في اي تطوع للجيش الشعبي وكانوا في كل حملة استدعاء للناس يأتون بيتي فلم يجدوني، كنت في عدد من المرات اسافر مع مجموعة من المعلمين للشمال نقضي اربعة أو خمسة ايام، ثم نعود تكون حملة التجييش قد انتهت، وأحيانا اختفي في بيوت اصدقائي المرحوم سامي محمد أو فاضل ثامر دون ان اقول لهم السبب، وكنت في المرات الأكثر اعاند ولا أذهب ثم يستدعوني في منتصف الليل وأكون سكرانا فيأتي ابو نبيل وهو رجل عشائري من النجف وحزبي لينقذني من الورطة التي أنا فيها. مرات اخرى يبلغي مدير المدرسة الأستاذ كريم الجميلي أن انتبه ياياسين، بعد يومين اكو حملة للجيش الشعبي فاخذ اجازة لاختفي. سنوات ونحن تحت تعذيب الآخر بينما رفاقك الفارون من العراق يعيشون في بحبوحة من الآمان.
بالتأكيد لم تكن أسئلة ذلك الأستجواب مقصودة لذانها فقط، ارادوا تنبيهنا أننا تحت نظرهم وأنهم يعرفون أننا نلتقي ليلا أسريا، واننا مشغولون بالضحك عندما تزداد الخ! مرة في الرأس. كانت أم تحسين أطال الله في عمرها لا تجد ما تضحك عليه غير الجورب الأسود الذي يحتذيه اليمنينيون بينما تكون الدشاشة القصيرة مثار تساؤل كانت تضحك وتتساءل لماذا كل جوارب اليمنيين سودا؟ بينما كنا نضحك على طريقة عمل الفسنجون الذي تجيده ام تحسين من بين القلائل اللائي يجدن هذه الطبخة النجفية، وهي طريقة متعبه لكنها اكلة مغرية. بينما ننفرد أنا وأبو تحسين بالحديث عن آخر أخبار السياقة الليلية، وكيف. كان يقول إذا دار الويل ثقل الجيب، ويعني الرزق الذي يأتي من حركة الويل بالطريق. لاتجد في مثل هذه الفترة ما تتحدث به عن آخر اصدارثقافي، واخر قصيدة قرأتها،وآخر قصة لصديق،فالكل مشغول بتدبير لقمة العيش. كنا نتبادل القفشات والنكات التي نحصل عليها من الركاب. رويت له مرة ما دار مع أحد الركاب الذي اصر باصرار لا مثيل له أنني لست سائقا، بل عربنجيا اسوق سيارة لا استحقها .
قال: هاي سيارة ما تستحقها نظيفة وقوية وانت سائق مخربط
قلت له: هي سيارة فيات 125 وبسيطة.
قال سياقتك تموت ضحك.
قال وهو يضحك: تذكرني سياقتك بقيادة عربانة بالشورجة.
وعندما نزل الراكب عند بيته أوصاني بقوله: دير بالك على السيارة فهي تسوى سائقا أحسن منك.
كنت احتقر نفسي عندما أسمع! كلاما مثل هذا، فالراكب ليس من حقه أهانة الآخرين، ولكن الزمن الرديء يجعلك تصمت عن كلام لايقال إلا من أجل أن يبرهن لك الآخرون انهم قادررون على إغضابك عنوة. كان أبو تحسين يطمئنني أن لا أدير اهتماما لمثل هذه المواقف، فالطريق حبلى بالمشكلات، وعليك ، يقول : مادمت قد ركبتها أن تتحمل نتائجها، ولكن عليك أن لا توصل الأمور مع الراكب لحد العراك . ثم وهو يودعني عند باب بيته قال: أرجو ان تترك هذه الشغلة يا أبو أمين فأنت لا تصلح لها.
وبالطبع فهي لا تصلح لي أيضاً. ثم نودع بعضنا على أمل بصباح آخر.
لأبي تحسين مواقف وحكايات كثيرة سترد ضمن هذه السياحة، ولكن قبل أن اعرج على فكرة اخرى أرى من الضروري القول أن محلتنا الشعبية فيها من امثال أبي تحسين العشرات، هؤلاء الذين ما أن تراهم أو يروك حتى يستأنسوا لك وتستأنس لهم، وقد حملت يوماتي عن الحرب الأحاديث الكثيرة التي جرت بيننا.
11
الراكب الديني
استأنس أحينا براكب وقور هادي لا يذكر غير اسم الله وهو يخاطبك ، فمثل هذه الوقائع تقربك من الله الذي افتقدناه في العراق كثيرا، حتى أن البعض يشتمه على كل صغيرة وكبيرة ولا تملك غير أن تستغفره وتدعو للشاتم صواب السريرة والهداية،وعلى مرتين ركب معي الراكب نفسه من شارع السعودن قاصدا مدينة الحرية، فتعرف علي في المرة الثانية قال لقد ركبت السيارة نفسها قبل شهرين، ولم يكن لي بد من التأكيد على الأمر ثم اردفت القول يبدو انك سريع البديهة ذكي جدا بحيث لا تنسى محدثك أو سائقا عابرا مثلي.
التفت إلي وقال أدامك الله وابقاك لاسرتك لابد من أخذ الحذر هذه الأيام فقد جرت حوادث كثيرة يقولها بعض من يأمون الجوامع منبهين إلى أن بعض سواق السيارات يقتلون راكبيهم لذا قصدت أن اتمعن من السائق ومن المركبة في كل مرة اركب فيها، ولا تزعل إن سجلت رقم سيارتك في ورقة خاصة بي فقد احتاجها ولكني اثقك القول أنني سامزقها كما افعل دائما حالما أصل البيت سالما.
لم استطع مواصلة الحديث معه، فالرجل عاد يردد بعض آيات من القرآن الكريم وأنا استمع إليه،وحينما وصل لمدينة الحرية في منطقة لا أعرفها بالضبط نزل وهو يودعني ث! م أخرج ورقة من جيبه ومزقها امامي قائلا : هذا رقم سيارتك، اتصدق أن مثل هذه الطريقة تجعلنا أصدقاء أكثر. لم أجبه فأنا لا أعرف كيف اداري وضعي الذي لست مهيئأ له، فمثل هذه الأمور التي تحدث في المجتمع ولا يعلن عنها قد تكبر بالإشاعة وقد تكون أقل من حجمها. ومن يعرف العراق وما فيه يصدق كل شيء. أو يكذب كل شيء.
عدت للبيت حكيت ما مر بي لزوجتي التي اتسعت في التفسير قائلة : هذا ليس رجل دين بل مدع إنما هو رجل أمن فرجال الدين لا يركبون سيارات عامة الناس ولا يخرجون في الليل في شوارع بغداد. هذا الذي حدثك يعرفك وتوسل بهذه الطريقة كي يتقرب منك ولا تتفاجأ عندما تراه ثانية أن يطلب منك أشياء أخرى. هؤلاء تعودوا أن يتلبسوا لبوس الآخرين ويخرجون موزعين في مناطق بغداد علهم يصطادون فريسة. صرخت يا لفراستك!!
لم استبعد تفسير زوجتي لما مر بي الليلة، ولكني لم أكن على استعداد أن أأخذ نصيحتها وأترك مهنتي ففي مساء الغد ساخرج ثانية للشارع، كي اجلب ما يكفينا لقوت اليوم التالي. فما فائدة نصيحة من هذا النوع لمثقف يعيل سبعة اشخاص.
في قرارة نفسي ركن لذلك التفسير المريب الذي تفرض وقائع كثير على صحته، فقد استث! مرت السلطة الجامع بكل ما يملك من سلطة، الخطيب والمسؤول ورجل الدين وخلط ت الاوراق بين السنة والشيعة وبين المتدين وغير المتدين، فما ان ترى رجلا بلحية كثة وطويلة حتى ترسم له صورة الرجل المتدين، ولكن الكثيرين من رجال الامن والمخابرات تستروا بمثل هذا الزي. فالدولة في حالات الحروب تستثمر كل الاشياء تلك التي ولدت قناعاتها عند الناس، وتلك التي ستولد قناعات جديدة عند الناس. وفي كلتا الحالين ثمة اجهزة خفية تمارس دور التثقفيف.كنت بعد تلك الحادثة احذر من حمل رجل دين بسيارتي، هؤلاء الاغنياء ما الذي جاء بهم في شوارع بغداد في ساعات متأخرة من الليل، وهؤلاء ذوي الدشاديش البيض والجاكيتات والكوفية البيضاء ماذا يعملون في امكنة مثل المسبح وكرادة خارج والمنصور وبغداد الجديدة؟ الاسئلة كثيرة وعلي أن أكون حذرا مرتين: الأولى أنني سائق تكسي عرضة لكل الطوارئ، والثانية أنني رجل يساري وسبق أن دخلت المعتقلات الصغيرة والكبيرة مرات عدة، ولذا لا مناص من ان يتغلب مثل هذا التفكير علي وعندئذ أخسر في كل ليلة ثمن المشروب الذي شربته فأصحو وهذا يعني عودة ثانية وفي الليلة نفسها لأن تغيّب وعيك، ولكن هذه المرة في البيت وبعد أن تصل سالما.
لا يعني الراكب الديني ان يكون الراكب رجل دين، ل! ا فمثل هذه الصفة تلبسها رجال بغير ان يكونوا بلباس ديني، وهؤلاء أشد فتكا بالآخرين عندما يكون لسانك أطول عندما ترى من يخطئ من سواق آخرين وكالعادة تكون المسبة واحدة من الكلمات التي تحدث نقاشا بينك وبين الراكب إذا كان متدينا. وهوما حدث لي مرة وانا في طريقي إلى الدورة عندما شتمني احد السواق لاني لم افسح المجال له بالمرور فما كان مني إلا أن رديت عليه بشتيمة اقسى اضطر الراكب الذي معي أن يطلب المغفرة لما ارتكبته من اثم.
12
بضاعة على لسان سكران
في زيارتي للعراق عام 2004 و2005 زرت بالطبع مقرات الحزب الشيوعي العراقي في بغداد والبصرة. زيارة كمن يعود إلى عشه القديم، اتذكر هنا قصة ” المئذنة” لمحمد خضير التي يتحدث فيها عن امرأة بعد أن ضجرت من حياة بيتها العادية، عادت لبيت طفولتها القديم لذلك العش، عش الطفولة والمغامرة وابراج الحمام. شخصيا لم أكن ابحث عن أحد بقدر ما بحثت عن نفسي في هذه المقرات فهل بقي لي مقعد أو مكان بعد أن تبدلت المقاعد والأمكنة والشخوص؟ في مثل هذه الأماكن ليس المهم الشخص الذي تقصده بل الرمز الذي تعنيه،ومع ذلك حال دخولي المقر الرئيس في بغداد سألت عن رفاق اعرفهم كانوا يزورون هولندا ويمرون علينا متفضلين بكرمهم ومن بينهم الرفيق مفيد الجزائري. قيل لي ليس موجودا، سألني الحارس إذا كنت أطلب شخصا آخرا. قلت له اريد الحزب الشيوعي العراقي، ضحك من طلبي وقال تفضل ابحث عنه.
في مدرج السلم صادفني وجه أعرفه تبين ملامحي ثم هتف هاي اشجابك؟ قلت له رجلي.
ضحكنا ودلفنا ممرات وغرف حتى استقربنا المطاف في مكان مرتفع.
قال سألوني عنك الرفاق في كردستان وفي بغداد مرات عدة، قلت لهم آخر مرة رأيته فيها وهو يشتري صناديق الد! وندرمة من محل في حي المنصور كان ذلك عام 1987 كما اعتقد . ولم اره بعدها.
شكرته لأنه اوصل معلومة عني لرفاق يسألون . لكنه واصل الحديث بعدها كما اعرف سافرت لهولندا، قلت صحيح ثم اردف واين اصبح المحل؟ قلت له ما يزال ولكن ليس فيه دوندرمة، ضحكنا على مصائب الزمان ودورانه.
الحقيقة هي كما يلي: كنت ممن افتتح محلا صغيرا في المنطقة التي اسكن فيها كي اتلهى فيه من ضجر الكعدة في البيت. وكان محلا صغيرا سرعان ما توسع ليصبح محلا كبيرا ثم ضاع بعد خروجي من العراق بسبب اهمال الأبناء له. ليس الرفيق وحده الذي رآني اشتري الدوندرمة المعلبة للمحل، بل المرحوم الفنان هاني هاني وزوجته زهرة الربيعي وهم يرونني أشتري صينيات القيمر وجبن العرب من الشواكة صباحا للمحل وبدلا من أن يسلما علي أدارا وجهيهما عني كي لا يروني. وما أن رايت هاني في مديرية السينما والمسرح حتى هلل بوجهي مرحبا قائلا امام الجميع: صار مدة استاذ ياسين ما شفناك. وبالطبع كان يريد ان يسمعنى أنه لم يرني قبل ايام.
ليس هذا فقط بل ان شخصا تعودت أن اشتري منه حاجات كثيرة من الشورجة ايام محنة الحرب والخراب والدمار، هذا الشخص وكما يبدو عرفني جي! دا، فكنت كلما اقبل عليه يهلل لمقدمي ويضع لي كرسيا لأجلس عليه. وفي احدى الأمسيات ونحن نحتسي الخمرة في اتحاد الأدباء كان الشخص المعني موجودا بين الشاربين، وما ان رآني حتى قام من مكانه وتقدم إلي وسط اصدقائي الأدباء ليقول وبلسان واضح: استاذ باجر تنزل بضاعة جديدة جاية من لبنان راح احجزلك صندوقين منها ، أنا بانتظارك، لا تتأخر بكره الصبح.ثم غادر مائدتي ليعود لمكانه وهو يترنح، وقبل أن يخرج من الاتحاد عاد ثانية ليذكرني بالموعد.
تصبب العرق مني أمام اصدقائي الذي سكتوا بعد أن عرفوا خجلي. لم اقل شيئا بل التفت للصديق الذي بالقرب مني وقلت له: هذا الشخص يساعدني كثيرا فهو ابن تاجر في الشورجة اعرف والده ودائما يحجز لي بضاعة جديدة.ومع ذلك لم يذهب الخجل الذي بدأ يسيطر علي.
قال الصديق ها هي الدنيا لا تدير بال ابو أمين.
جئت مكاني المعتاد وهو نادي اتحاد الأدباء كي احتسي كاسيا واغادره سائقا بسيارتي،فاتحاد الادباء كان المكان الذي نحتمي به فهو مكان امان وثقة لنا برغم من اختلافاتنا السياسية هكذا انشأنا الاتحاد بوصفة المنظمة التي تحمي الجميع، وقد شهد خلافات واختلافات حادة ولم يعتقل احد منا ، حتى إننا في احدى المرات دخلنا في نقاش حاد مع ابو ندى عضو لجنة مركزية سا! بقة ثم ترك الحزب عائد من كردستان للعراق وجاء الاتحاد بمعية عبد الامير معلة وشخص موسيقي أخر وعبد المطلب محمود ودار نقاش واضح معي ومع الناقد فاضل ثامر حول تشكيل حزب شيوعي جديد بديلا عن الحزب الشيوعي العراقي، فكان النقاش عراكا ثقافيا وسياسيا انبرى له الصديق فاضل بالحديث الواضح والصريح وكان من نتيجته أن خرج ابو ندى خائبا في حين ان عبد الامير معلة الذي كان جالسا كان صامتا طوال الفترة ويردد مقولة مع عبد المطلب محمود: هم رفاق يتحاورون أحنا ما علينا. وبالفعل ما أن انتهت المحاورة إلى اتهام ابا ندى انه عميل للمخابرات العراقية حتى انهار ابا ندى وكاد يسقط وكانت ليلة ممطرة. فما كان من ابي ندى وهو يعمل يومذاك في جريدة الجمهورية إلا أن يتصل بعبد الامير معلة ليخبره ان لايوصل ما دار من حوار لاي جهة رسمية ويبقية ضمن حدودنا نحن الجالسين. فوعد عبد الامير بذلك. المهم أن اتحاد الادباء حتى في غياب الشيوعيين كان مكاننا الذي نحتمي به. اليوم يأتي شخص مجهول ليستفزني بكلمات البيع والشراء دون ان يعرف مكانتي بين الاصدقاء بالطيع ليس عيبا ان تبيع وأن تشتري ولكن تقصدهُ لي مرتين وبين زملائي ليقول : استاذ بض! اعة لبنانية جيدة ساحجزها لك. كان كلاما سخيفا . فقد ضاعت الحدود بين الن اس في الفترة هذه واصبح اتحاد الأدباء مجرد بار. أما انا فلم يسعني ثوبي كما يقال،فما أن عدت للبيت حتى انهمرت الدموع من عيني، وبالطبع لم أذهب صباحا لللشورجة.
في داخلي يتحرك ثمة تاجر صغير تعود أن يجلس في دكان ابيه في القرية ومن ثم في محلة الجمهورية في البصرة لبيع ويلتقي بالناس، هكذا فطنت منذ الصغر على دكان أبي في بيتنا القروي وهو يبيع الشاي السيلاني والسكر للقرية، ثم اصبح الدكان ملازما لحياة أبي فرافقنا طوال عشرين سنة في القرية حتى تكونت لدي ثقافة البيع والشراء، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد كان أعمامي ممن امتهنوا هذه البضاعة أيضا. ثقافة التعامل مع الناس اورثتني شيئا مفيدا في زمن البعث، وهو أن المجتمع ذخيرة حية تعلمك ما لم تجده في الكتب..
13
حي المكيانيك
لحي المكيانيك في الدورة حكاية معي تمتد إلى عام 1975، فقد انتدبني الحزب الشيوعي لإدارة خلية من رفاقنا المسيحيين وهم أسرة واحدة: بنتان وشاب، كان الحزب يرعاهم ماديا واجتماعيا، وهم اسرة بمعيمة امهم تجدهم كما لو كانوا تحت عباءة واحدة، لا أعرف عنهم كثيرا،ولم اسأل الحزب عن أبيهم ولكن كما يبدو أنهم اسرة شيوعية عريقة. و كنت عندما أذهب إليهم كمن يدخل بيته وأسرته، فقد تعلمت من تضامن هذه الأسرة الكثير، أولها حب الإنتماء للوطن، وثانيها أخلاصهم لما ارتبطوا فيه، وثالثا تفانيهم في أن يكونوا قريبين من نبض الحياة السياسية. لم ابق معهم كثيرا بضعة اشهر، ولكني كنت كلما اذهب إليهم مرتين في الشهر أو مرة واحدة أحيانا أجد نفسي في قريتي وبين احضان أسرتي، كانوا حريصين على أن ابدو واحدا من أقاربهم عرفوني على صور الاسرة وأجلسوني في صالة البيت البسيط واكلت من زاهدم وشربت من مائهم، يودعوني كما يستقبلوني بافضل الكلمات.
بعد كل أجتماع يسقونني كما يسقون أنفسهم كاسا من الشراب،اشعر بلذته ، كأسا واحدا فقط، كان شرابا لذيذا، تجرأت يوما وسألت عنه فقيل لي أنه نبيذ التين. قلت هي فرصة لي أن أسأل كيف يصنع نبيذ ! التين، فكتبوا لي الوصفة التي اصبحت مشهورة بين الأصدقاء ابتداء من بغداد وحتى الكويت، ثم تدربت على عملها فكانت إنقاذا لي أيام الحرب الإيرانية – العراقية المشؤومة عندما اصبح المشروب نادرا.
من هنا أحببت حي الميكانيك ورغبت ان اسكن فيها فبحثت عن بيت لأستأجره ولكن بُعد المسافة عن مركز المدينة، وقلة المواصلات جعلت تلك المنطقة غير مرغوبة، ثم صادف أن اخبرني صديق لي بالمدرسة أن بيتا سيباع في الميكانيك بالقرب من “قصرأبو طيارة” ذهبت لاشاهد البيت فوجدته مبنيا حد الشبابيك، ولما سألت عن سعره قال لي الوكيل المكلف بالبيع أنه بـ 400 دينارفقط، هو والأرض وكل ملحقات البناء،ب400 دينار؟ استغربت للسعر الرخيص ، جئت مسرعا لأخذ رأيي اسرتي بالأمر، فوقف الجميع ضد الفكرة لبعد حي الميكانيك عن المدينة كما لو أنه يقع خارج الكرة الأرضية. استجبت لراي الأسرة ولكني خسرت بيتا.
أثناء عملي سائق تكسي اصادف أحيانا من يذهب لتلك المنطقة، فأشتاق إليها ونحن نسير في طريق طويلة ومنحنيات ومناطق مجهولة وبساتين اشعر انني ذاهب لتلك الخلية الشيوعية الصغيرة. وغالبا ما يسالني الراكب هل أنت من اهل المنطقة ؟ أجيبه نعم كنت سا! كنا فيها وتركتها. يردف ليقول أنها بعيدة وقلة من يوافق من سواق التكسي ا لمجيء إلى حي الميكانيك، ولما اصل للمنطقة أعرج على البيت الذي لم اشتره لأجده مكتمل البناء وفيه من يسكنه، ثم اعرج على البيت الذي كنت أنظم فيه خليتي فأجده مضيئا حيا فاشعر بالطمأنينة والخوف معا، ثمة من يعيد ترتيب الحياة لنفسه وثمة من يفقدها بتصورات غير دقيقة. سنتان على تلك الفترة أو اكثر بقليل وإذا باسعار البيوت ترتفع لعشرين مرة، البيت الذي اسكن فيه طلب مالكه 2200 دينار سعرا له كان ذلك في 1978 أعطيته 2100 فلم يقبل، بعد اقل من ستة اشهر باعه مالك البيت ب 40 الف دينار ، من يعطي 2100 يمكنه أن يعطي الفرق القليل ولكن لا حظ لنا في شراء بيت.، بعد سنتين سكنا في شقة حصلت عليها من إسكان الموظفين ما تزال هذه الشقة وانا في هولندا ملكنا الوحيد على هذه الأرض.
في كل مرة اذهب بها لحي الميكانيك أنقل راكبا اعيد هذا الشريط الحياتي الطويل وإذا صادف أن يكون الراكب معي أريحيا وصاحب كلام اسرد عليه حكايتي مع البيت الذي ضيعته.
14
محصول اليوم
ليس هينا على كاتب مثلي أن لا يكون في جيبه نقودا تكفي مؤونة اسرته،تعلمت في بداية حياتي أن أعمل عاملا في الطابوق لكني لم استطع مواصلة العمل إلا ليوم واحد كانت أجرتي 100 فلس بعدها غضبت والدتي على أبي الذي دفعني للعمل، ثم اشتغلت عامل كازينو في البصرة أوزع الأكل على رواد ملهى ماري في الشارع الوطني ولكني ولأنا ادخل الملهى واشاهد الفرقة الاستعراضية وعري النساء حتى أنسى نفسي وقد خسرت لليلتين متتابعتين أجوري كلها بسبب أنني لا أعرف زبائني. ها أنا أستعيد شريط حياتي وأنا اسير باتجاه الكرادة عسى أن يكون ثمة راكب الساعة قاربت العاشرة ليلا في مثل هذا الوقت يخرج الكثير من رواد البارات وعندئذ لابد وثمة من يركب معي، وبالفعل ما ان دخلت شارع أبو نؤاس حتى ركب معي راكب،طلب توصيله لمدينة الحرية ، وفي الطريق فتح معي حوارا عن السنة والشيعة وبدون معرفة مسبقة قال انا سني واخاف من الشيعة الذين يكثرون في الحرية، لم أجبه ولم أواصل معه الحديث كانا سكرانا، عندما وصل اعطاني الأجرة 750 فلسا . عدت إلى البيت بعدها كانت هذه النقود كافية لأن تسد بعض حاجة لاسيما وانا في وضع نفسي بعد حديث الراكب لا يسمح لي با! لاستمرار.
عدت وجدت كل الأسرة جالسة على التلفزيون انتحيت جانبا في المطبخ عمرت لي كأسا صغيرا ثم انهمرت دموعي. مثقف ومعلم وصاحب اسرة وابن عشيرة ورجل لي أولاد ولي كتب مطبوعة ولاأجد قوتا فاي بلد هذا الذي أعيش فيه؟ ومن لحظتها خططت لمغادرة العراق.
15
بعد أن غادر الصحب
دخلت السجن في 2/3/1978 على أثر تمزيقي لصورة صدام حسين وأحمد حسن البكر في مقر اتحاد الأدباء في ليلة 8 شباط 1978 حينما كنت اجلس على مائدة وقد وضعوا عليها شعارات حزب البعث عن شباط الأسود، سكرت فتذكرت رفاق الحزب الذين أعدموا في هذا الإنقلاب الأسود لم يكن في الاتحاد غير بضعة اشخاص بينهم الصحفي سلام مسافر و الناقد علي حسين العلاق و الصحفي ابراهيم الداقوقي والعاملين بينهم احد المصريين، عندما خرجت مزقت صورا ودستها بحذائي. في اليوم الثاني كان ثمة قراءات شعرية في المكتبة الوطنية ولاول مرة شاهدت الشاعر شفيق المكالي وهو يخزرني قلت رحنا بيها يبدو أن الخبر قد وصل،كان العامل المصري واحد الصحفيين العاملين في مجلة فنون لدى كامل الشرقي هو وراء اخبار السلطات بالحادث. يعد يومين استدعاني المسؤول الحزبي وكان المرحوم هاشم الطعان فوبخني على ما فعلت، بعدها بثلاثة ايام أخبرني الرفيق عبد الرزاق الصافي علي أن اغادر إلى كردستان فالوضع في العراق مقلق ويخشون اعتقالي، لكنهم لم يسهلوا الأمر لي، عدت للبيت بعد ليلتين مختفيا ببيت في بغداد لاجد نفسي بعد عشرين يوما في يوم 2/3/1978 معتقلا من قبل المخابرات ال! عراقية. وضعت بعد تحقبق بسيط في غرفة انفرادية وفيها بدأت قصص كثيرة من نزلاء زوارعراقيين وسوريين ونزلاء دائمين وتعذيب وضرب وحكايات مضحكة وأخرى مبكية.
لم تنته السنة حتى بدأت حملة السلطة على الحزب الشيوعي فزج بالمئات في السجون والمعتقلات واصبحت الأرض العراقية تنذر بمخاطر كبيرة في عام 1979 تسلم صدام حسين السلطة فزادت همجية البعث واستئثاره، لم ابق في السجن كثيرا خرجت بعد اربعين يوما كنت فيها في غرفة انفرادية تفيض مراحيظها علينا مرة كل اسبوع وعليك أن تنظفها وتنظف نفسك. غادر رفاقي ولم يبق من أتعرف عليه إلا قراء جريدة طريق الشعب وكنت أنا ونبيل ياسين وعبد الرزاق الصافي أخر من بقي في الجريدة كانوا يرهبونني فقد خرجت من السجن إلى العمل ثانية في الجريدة ورغم نصيحة الدكتور سلوى زكو أن ابتعد قليلا عن الجريدة لكني وجدت نفسي مرغما الذهاب إليها فهي مثل الحبل السري لي إن انقطع مت، وبالفعل كل شيء في العراق بدا غائما واسودا بقينا لوحدنا لفترة طويلة بين استدعاء للتحقيق واعتقال لفترات متقطعة.
اسرد هذه الحكاية الطويلة بلياليها وأيامها التي لا أعرف أن كنت في الليل أم في النهار بعد أن نبهني أحد! الركاب معي وهو يسألني عن الثقافة، هل تدري أنني كنت معك لمدة يوم واحد ثم نقلوني لغرفة أخرى؟ ادرت رأسي له لم اتبين ملامحه سكتت لفترة قلت له لا أدري عمن تتحدث؟ قال الست ياسين النصير
قلت له نعم
قال كنا في الامن العامة معا ولكني لم ابق معك إلا ليلة واحدة ثم نقلوني لغرفة أخرى. ثم بدأ يسرد علي حيثيات تلك الليلة وما جرى له.
قلت هل كنت شيوعيا؟
قال كلا بل كنت خطيب حسينية فاعتقلت انا من سكنة النجف الآن اسكن في بغداد حي السيدية اعرفك جيدا كنت مرتبكا أول ما جئت لا تتكلم ولا تسأل بل كنت خائفا.
لما تيقنت انه بدأت الحديث معه.
قال سائق تكسي وانت المثقف؟
قلت وكنت مسجونا وأنا المثقف؟
قال وجماعتك وين صاروا؟
قلت فروا كالطيور كل يقصد هجرته.
ضحك .
وأنت كيف سارت الأمور معك؟
قال كفلوني الاجاويد وتوسطوا لاطلاق سراحي بعد ان قدمت تعهدا لهم أن اترك خطب المساجد واشتغل في علوة الخضرة بالدورة، غيرت سكني وتركت بيتي في النجف وبدأت حياة جديدة وأنا على وشك الزواج.
وصل بيته ناولني اجرة السيارة رفضت اخذ الأجرة تصافحنا على أمل أن لا نلتقي.

16
دفتر اشعار عن طفلة لم يرها
قال سجين مصري كان معي في المعتقل هل رأيت مصر؟
قلت له نعم مرتين.
قال وهل كتبت عنها.
قلت ليس كثيرا.
قال وهل تكتب عنا؟
قلت أن هذا هو اليوم الثاني لي في المعتقل لا أدري.
عندما غادرت المعتقل لم تفارقني حكاية الشاعر بائع المخدرات زيتونة.
كعادتي كل ليلة بعد أن نحتسي المر الليلي نخرج من اتحاد الأدباء للعمل ، كنت في تلك الليلة من شهر آذار عام 1991قد شربت زيادة قليلة على المعتاد الليلي، وكنت مرتديا بذلتي المخططة الجميلة وفي الطريق إلى الكرادة خارج باتجاه البيت في السيدية صادف أن أشر لي أحدهم لانقله للسيدية، قلت هو رزق الطريق وبدون أن اتعامل معه ركب الراكب معي وما أن خطونا بضعة امتار وبالضبط في دوار الكرادة خارج حتى اضطربت السيارة فصدمت سيارة تسير بجانبي من نوع بيكب خضراء فقلبتها على الشارع بينما اتجهت سيارتي للجزرة الوسطية لتصطدم بشجرة فدمرت مقدمتها. سمعت الراكب يقول : شلون ركبه سودة الحمد الله على السلامة استاذ ثم اختفى من مسرح الحادث. تجمع الناس حول السيارتين واعادوا السيارة المقلوبة إلى وضعها الطبيعي وكان جانبها قد دمر تماما وإذا بسائقها مجروح بيده اليسرى، وبسرعة حظرت الشرطة بينما وقفت مندهشا لما حصل، وقبل ان يبدأ التحقيق معي وكان مركز الشرطة قريبا جدا من مكان الحادث حضر الشاعر جواد الحطاب وكان يعرف ضابط الشرطة الذي كنا غالبا ما نشاهده في التلفزيون وهو يقدم برنامجا عن المرور، كان جواد على معرفة به بحكم ع! ملهما في الاذاعة والتلفزيون اخبره أن مسبب الحادث هو ياسين النصير وهو اديب ومثقف ولكنه سكران ولا يدري كيف حدث الحادث، دخلنا مركز الشرطة للتحقيق افدت انني لم اشاهد سيارة البك اب لانها كانت تسير على الجانب الأيسر واردت ان اسير كالعادة فاصطدمت بها ،وبالطبع ليست هي الافادة الصحيحة، الصحيح ان سيارتي انزلقت على الطريق بسبب وجود أمطار ويبدو انها بلا ميزانية مضبوطة مما جعلها تدور في الشارع فضربت السيارة. ضبط ضابط الشرطة محضرا ونقل السائق المصاب للمستشفى، قدم جواد الحطاب كفالة لي لا أخرج من المركز إلى للبيت على أمل العودة صباحا.
وبالفعل اصطحبي الشاعر جواد الحطاب للبيت وفي العاشرة صباحا كنت في مركز الشرطة قادني شرطي للتحقيق ثانية ثم استدعيت سيارة نجده لاخذي إلى محكمة تقام لمثل هذه الغايات بعد ثلاث ساعات قرر حاكم التحقيق توقيفي لمدة اسبوع على أن يجدد اذا استدعت الضرورة.
عدت لمركز الشرطة ثانية وكان الوقت قد قارب الخامسة عصرا،صاح بي ضابط شرطة خفر زين ما مات الرجال؟
قلت له: وأنا شعليه هو المذنب،
نظر إلي بعين مريبة وأمر الشرطي الذي يصحبني أن يقيد يدي، جلب الشرطي قيدا ” كلبجة” ! فوجد حجمها اصغر من رسغي قال للضابط سيدي هذا ايدة اكبر من الكلبجة،
ق ال له الضابط احشرها بالكوة وبالفعل ادخل يدي في كلبجة ضيقة مما سببت لي آلاما لم اشعر بها منذ سنوات كانت كلبجات الامن العامة اوسع من هذه لم استفسر ولكن الشرطي ما أن أجلسني في السيارة حتى فتح يدي قائلا انت ما تستحق ان توضع بيدك الكلبجات قضيتك قضية حادث.
في السابعة مساء كنت في سجن كبير وجدت فيه أكثر من 120 سجينا ، كان ذلك في التسفيرات وهو واحد من اربعة سجون طويلة يتجمع فيها كل السجناء المحالة قضاياهم للتحقيق أو للتنفيذ. فسح لي بعض السجناء مجالا بينهم للجلوس ومن ثم للنوم ، كان السؤال المتكرر شنو قضيتك؟
حادث سيارة
ضحك احدهم وجايبينك ويانا؟
شمدريني يجوز السائق اللي ضربت سيارته شخصية مهمة.
القاعة الكبيرة لا تتعرف عليها إلا بعد يوم أو يومين، في جانبها البعيد توجد المرافق الصحية ما أن تدخلها حتى تبعد اي شيء صحي منها، كنا في عام 1978 في الامن العامة في غرفة بسجن انفرادي لكن المرافق الصحية في داخلها وعلينا تنظيفها يومياً كان ذلك عام 1978 أما اليوم فالمسؤول عن القاعة شخص سوري قال لي في أول مجيئي: أنا مسؤول القاعة باعتباري اقدم سجين ثم قال: صار لي ثلاث سنوات. بعد أن تعرف ع! لي قال : شتريد استاذ يجيك.
لم افهم اول الامر ولما سألت جاري قال تريد طعام جيد او تريد كبسول أو حشيشة حتى عرك يمكن ان يجبلك هذا المسؤول هو عنده اتفاق مع الشرطة ويتقاسمون الفلوس. كان ذلك يوم الاثنين
قال شخص آخر انتظر الليلة وسترى.
بعد يوم واحد تعرفت على معظم النزلاء، كان جماعة من الاكراد محكومين بالاعدام، وجماعة من اربعة اشخاص هم زبيبة وجبنه محكومين بالاعدام ايضا لتهريبهم مخدرات للعراق، وثمة جماعة ايرانيين وعددهم حوالي عشرة اشخاص وشخص افغاني وجماعة من مدينة الثورة محكومين بالاعدام في حوادث قتل عشائري كانوا أكثر السجناء مرحا، قال احدهم انت قضيتك ما تسوى شيء ازاء قضيتنا .كان آخرون من الكويت ثمة سجين لبناني وهو طبيب جيء به بعد أن فتشت سيارته التي جاء بها من الكويت على الحدود عندما احتل العراق الكويت فوجدوا فيها كيلوغرام ذهب، دخل علينا يبكي قال: كل فلوسي سرقوها وعائلتي لا اعرف بها أين وضعوها، اما سيارتي وحاجاتي فقد نهبوها، كان يبكي بكاء مرا.
كان بعض السجناء من جنسيات أخرى لم اتعرف عليهم في اليومين الأوليين.
في اوقات الصلاة تجد جماعة تصلي وأخرى تلعب الورق وثالثة تح! كي نكات ورابعة نائمة واخرين كبار السجن يتجولون مشيا لتحريك اجسامهم.
صادف أن كان مكاني بالقرب من سجين مصري اسمه زيتونة وسمي باسم زيتونة لشدة سماره بينما صديقه المسمى جبنة شديد البياض فشبّه بالجبن، هؤلاء المحومون بالاعدام ينتظرون تنفيذ اعدامهم يوم السبت القادم اي بعد خمسة ايام،فكانوا في الليلة الماضية سكارى ومعربدين ومتعاركين بعضهم مع البعض الآخر ولاول مرة شهدت عركة سجناء بين المصريين أنفسهم، لزيتونة كما حكى لي ابنة صغيرة ولدت قبل عام او أكثر اراني دفترا كتب فيه اشعارا بعد أن عرفته بنفسي ككاتب وناقد وصادف أن جلب أحد السجناء الذين جاءوا لتوهم مجلة حراس الوطن وكان لي فيها موضوعا عن رشدي العامل وكانت صورتي المنشورة في المجلة فضيحة بين السجناء الذين يعرفني البعض فقد كان جمع من الشيوعيين المسجونين أو هكذا تصورته شبان يساريون يتناقشون في قضايا قريبة من اهتمامي، وكان احدهم من مدينة الثورة يعرفني وكما اعتقد أن اسمه قاسم،قرأ علي زيتونة بعض اشعاره بالعامية المصرية فكانت جيدة في عمومها ذكرته بالشعراء المصريين الشعبيين وبرباعيات صلاح جاهين وباشعاراحمد فؤاد نجم وغيره فرح لما عرف انني اعرف ادباء مصريين،انتشر الخبر بين السجناء ان كاتبا واديبا موجود بيننا ول! ما عرف مسؤول القاعة السوري بالأمر اوصل الخبر للشرطة التي استدعتني في اليوم التالي لتحذرني من اي تماس مع السجناء السياسيين ولما سألت هل يوجد سجناء سياسيون قالوا لا نعرف ولكننا نعرفك جيدا فانت شيوعي نعرف اسمك والمكان الذي كنت تعمل به. نحن الآن في السجن وجيشنا في الكويت وعشرات السجناء يلقى القبض عليهم من العرب يودعون السجن معنا ثم يغادرون في اليوم التالي لا نعرف إلى اين كل السجناء مؤقتين هؤلاء الاكراد الذين ارداوا العبور إلى إيران هربا من بطش صدام حسين القي القبض عليهم وهاهم متوارون في زاوية من السجن الكبير يتبادلون الاحاديث بينهم حاولت التقرب منهم لكنهم لم يفسحوا المجال للحديث معهم.
في فترات المساء كان يزيتونة يقرأ لي أشعاره بينما مثقف مصري آخر عرفني بنفسه أنه كان يشتغل في الكويت يطالبني بعد أن أخرج أن اكتب عن المصريين الذين يحتجزهم العراق لانهم يعملون في الكويت، لم ادر لم يكلفي بمثل هذه المهمة يبدو أن بعض السجناء الذين يعرفوني قد اشاعوا الخبر بان شيوعيا ومثقافا مسجون بيننا سرعان ما لقيت احتراما كبيرا وعناية خاصة من قبل الكثيرين الذين بدأوا في جلسات المساء يتحلقون حولنا لل! احاديث. لم تكن احاديث الساياسة بل أحاديث مختلفة عن العراق والعمل والصح افة والاسواق واحتلال الكويت والحرب مع غيران عن العمل وعن البطالة وغاليا ما ما يشاركنا الدكتور اللبناني الذي افتقد عائلته وكيلو الذهب بالحديث لكنه بعد جملتين يبدأ بالبكاء.
يبدو ان السجن الذي نحن فيه هو التسفيرات فلا تعذيب فيه ولا استدعاء بالنسبة لي لا احد حقق معي سوى أن الشرطة تعرفني وهذا لوحده جعلوني تحت المراقبة عرفت ذلك من المسؤول السوري الذي جاءني قائلا اعطيني مبلغا من المال وانا ارفع عنك المراقبة قلت اية مراقبة قال مراقبة الشرطة لك.
قلت له ليراقبوا أنا لا أملك فلسا واحدا
وتكول انت اديب ومثقف.
في السجن يوجد رجل فرنسي أو اجنبي وآخر اذربيجاني بالاضافة إلى سوادنيين وارتيرين وعراقيين من مختلف المدن حتى الشواذ جنسيا كانوا معنا في هذا القاووش الطويل.
اليوم الثالث في المعتقل بدأت الأمور تتضح كثيرا بالنسبة لي استدعيت من أكثر من جماعة للجلوس معهم كان السجناء يتحلقون حول بعضهم البعض ويلعبون او يتسامرون بالنكات كان كل شيء مباح هنا الضحك العالي والبكاء والهمس والصراخ وحتى العراك.لم اكن ارغب أن تكون حادثة سيارة بمثل هذه النتائج، شيء مؤسف ان يسجن أحدنا سجنا جنائيا غير ال! سجن السياسي الذي تعودنا عليه، مفارقة ان يكون احدنا في الموقعين في آن واحد يعني ذلك خللا في التركيبة الاجتماعية والشخصية ولكن وكما يبدو أن امتهان عملا كسائق تكسي من اجل ان لا تنجرف كغيرك من المثقفين لتنظيمات السلطة وبالتالي التكسب خلالها قد يدفعك لمثل هذه الظروف عندئذ تحاول أن تغطي نفسك بالكلمات والمواقف السابقة وربما تتمنى أن لايعرف الاخرون ما حدث.السياسي منا يتعطل تماما عندما يدخل في مشكلات من هذا النوع حتى الضابط الذي قال أننا نعرفك ونعرف من انت لم يمارس أي ضغط علي،بل تعامل مع الموضوع في حجزي عشرة ايام على ذمة التحقيق.وضمن هذه التركيبة الذهنية لم اشأ أن اوسع العلاقة مع الآخرين كل ما فعلته ان اجلس هادئا متحدثا في الثقافة دون أي بعد سياسي فنحن نغزو الكويت وسجن بمثل هذا العدد ولكل الانتماءات ومن مختلف الشعوب واللغات لابد وان يكون فيه عدد من الجواسيس، الذين ظهروا في ليلة السبت المميتة والتي سآتي على تفاصيلها. لذا فالسجن كما يغني الشيوعيون ” ليس لنا” بل لأولئك المجرمين والقتلة، ربما كنت قاتلا دون أدري وربما انني تعمدت ان اكذب على الشرطة في حادث انا المسبب له، ولكني لم اكن قاصد! ا مثل هكذا فعل حدث بالصدفة ونتيجة عمل شريف، المهم ان هذه الهواجس كانت تسيطر علي كل لحظة حتى أنها حرمتني من النوم.
اليوم هو الخميس وكنت قد دخلت السجن يوم الاثنين، عرفت لاحقا أن بقايا الأثنين من الساعات تعني استمرارا تناول الحشيش والكبسولات لمدة اسبوع كامل. فالزوار وخاصة الأخوة المصريين الذين يزورون اصدقائهم من المسجونين وباتفاق مع الشرطة وبمعونة مسؤول السجن السوري، تباع هذه الممنوعات باثمان عالية، ولاول مرة عرفت هذا النوع من المخدرات ونحن الذين نعتقد أن العراق خاليا منها، المصريون والإيرانيون هم الذين ادخلوا الحشيشة والكبسول للعراق، المصريون الأربعة الذين سينفذ بهم حكم الاعدام يوم السبت القادم يتحلقون حول بعظهم وفي لحظات يتعاركون فيما بينهم فتتكشف حقيقتهم في مصر، انهم يواجهون الاعدام وايامهم قليلة وعليهم ان يتصرفوا دون اي حساب لأي عقاب. المسؤول السوري اخذ موافقة كما يبدو في أن يسمح لهم كل عمل شيء.
قرأ لي زيتونة قصيدة عن ابنته، ثم دمعت عيناه، قال سنعدم بعد ثلاثة ايام، امانة في عنقك ان تخبر اي مصري بحالنا، قلت له إذا خرجت من السجن سالما.
قال قضيتك لا تتطلب وقتا طويلا ستخرج ولكن تذكرني .ثم قرأ بعض القصائد الأخرى كان شاعرا بالفطرة ويكتب قص! ائده في دفتر صغير عندما ينام يضعه تحت وسادته.
عندما سجنت في الامن العامة بغرفة عام 1978 كان معي اثنان قارئ تعازي من النجف ومصري مهندس ديكور يبيع حلويات في ساحة الطيران صباحا. وفي احاديث جانبية قال المصري وهو شاب لقد اخذنا من اسواقكم كل العملة المعدنية من فئة 100 فلس الفضية، كان سعرها في مصر يساوي جنيها أما هنا فقيمتها مئة فلس فقط وشرح لي كيفية تهريب هذه العملة إلى مصر كانت تتم عن طريق الأردن في السفر إليها بالسيارات ومن هناك بالباخرة إلى مصر حدثني أنه جمع ثروة لابأس بها اما سبب سجنه هنا فقد تحدث مع أحد الاشخاص عن الوضع المرتبك في العراق كما يقول فاودع السجن، بعد اسبوعين وعندما فاض علينا مرحاض الغرفة وزعنا على غرف اخرى لم ار المصري ولا الشيعي النجفي لكني رايت شخصا سوريا هذه المرة ويدعة عبد الله حسين ويكنى بابي غازي قال دخلت الحدود العراقية في المنطقة الغربية لاملأ سيارتي بالبنزين فاذا بي معتقل اودعوني سجنا في القصر الجمهور لمدة ستة اشهر ثم نقلوني إلى هنا ، بعد خروجي من العراق ذهبت لمدينته في حلب بالقرب من جامع خالد بن الوليد سألت عنه فلم أجد شخصا يعرفه.
هنا في سجن التس! فيرات عدد كبير من كل البلدان العربية والاجنبية وكل يحمل قصتة الخاصة به ، وعلي كي لا أكرر ما حدث لي مع السجناء يوم ذاك ابتعدت لان قضيتي ليست سياسية. في هذا الإطار لن تستطيع أن تتبرأ من السياسة هذا النبت الخرافي الكائن في جسد العراقيين، فبدأت اشارك في الحوار المعلن والمكتوم عن حرب الكويت، نحن في السجن والحوار يتم بين اشخاص لا يجمعك معهم غير سجن التسفيرات وهو سجن مخترق كما يعرف الجميع وخاصة أن التهجير في هذه الفترة على اشده بالرغم من انتهاء حربنا مع إيران، السياسة هي الطعام اليومي للسجناء ويكاد الرأي أن يكون متفقا عليه أن غزو العراق للكويت كان مغامرة لرد اعتبار لهزيمة مبطنة للحرب مع إيران،الوحيد الذي يصرح هو الطبيب اللبناني الذي ظهر بعد نقاش أنه فلسطيني الأصل ولكنه يسكن في لبنان قبل ان يعمل في الكويت في المستشفى الاميري ، المصريون يذكرونك دائما بالسادات وبعبد الناصر وان السادات حقق لهم الانتصار على اسرائيل بالموافقة على الصلح معها مثل هذا الحوار المقطوع لم يجد نفعا في مأساة يعيشها الشعب العراقي بغزوه للكويت، ومنذ فترة طويلة وبعد غياب التنظيم الحزبي عنا وجدت في مثل هذه الحلقات بين اشخاص لا رابط بينهم مفيدة. ان روح الحوار لوحدها تجعلك تنتمي لقدر كام! ن فيك من أنك كائن سياسي حتى لو تنصلت من ذلك وربما مثل هذا القدر سيلازم جلود العراقيين كلهم خاصة ممن انتمى لاحزاب وطنية ان لا يغادره وإن غادره فلايكون إما خائنا أو منحرفا عن افكاره.
لا تعرف منتصف النهار أو ليلة سوى من كوة صغيرة في أعلى الباب الذي يفتح مرات عدة في اليوم للنداء على هذا السجين أو ذاك،وعند مغادرة السجين هذه الغرفة الكبيرة يوقفه مسؤول القاعة السوري لينقده بعض المال هذه الرشوة سيتقاسمها مع الشرطة الذين اتفقوا معه على تقاسم الأموال من بيع المخدرات ومن اكرامية الخارجين من التوقيف.
قال زيتونة وهو يتابع اخبار من راديو صغير يحتفظ به : البعثيون متحكمون بكم حتى في السجن سوري مسؤول السجن وشرطي عراقي يحرسك خارج السجن.
في الواحدة من يوم الخميس نودي علي، نهضت مرتبكا قال احدهم وهو ينادي باسمي ياسين نزال مواجهة،
قال جاري اليوم ليس يوم الاثنين اكيد واسطة.
ذهبت للباب بانتظار أن يفتح الباب بعد خمس دقائق تقريبا فتح الباب وإذا بشرطي يقودني إلى غرفة الحرس وهناك وجدت الشاعر عدنان الصائغ وزوجتي ينتظران قال عدنان: سيفرج عنك بعد ايام لا تقلق هذه بعض الحاجات الضرورية، فتشه! ا الشرطي وتركها لي قال لخاطر الجماعة سمحنا لكم بالزيارة. لم افهم معنى الجماعة ولكن يبدو ان عدنان قد سعى مشكورا في ترتيب زيارة زوجتي لي ، اعرف انها اياما محدودة ولكن الايام غير مطمئنة لا سما ونحن في حرب، وأولادي الثلاثة في جبهات القتال، وليس في البيت إلا النسوة. اعطاني عدنان كيسا فيه اكل وسجائر وملابس داخلية وبعض النقود،وطمأنني على أن القضية منتهية، قلت له عدنان اعيش تجربة فريدة في هذا المعتقل لم يسمح لي الشرطي بالكلام ونظر إلى عدنان مما سهل انهاء الزيارة. عدت بعد ربع ساعة لاجد السجناء متحلقين حولي قالوا يبين اليوم راح نتغدى دجاج وبالفعل كانت ثمة دجاجة في الكيس.
ليس غير عدنان الصائغ يسأل عنك؟ ربما هو الوحيد الذي يغامر للسؤوال عن أصدقائه في مثل هذه المرحلة فعدنان من معدن قل مثيله.وقد عرفته قبل هذا الوقت في مواقف مشرفة كثيرة.
الذهاب للمرافق الصحية مسألة ليست بالصعوبة ولكن ما لفت انتباهي أن المصريين وعددهم اكثر من عشرة اشخاص اتخذوا موقعا قريبا من المرافق عدا زبيبة الذي يجلس وينام بالقرب منا ونحن في الطرف البعيد عن المرافق. الخميس مساء عمل المصريون مشعلا ليطبخ

3 تعليقات

  1. ما هى انهار الخنة التى توجد فى بلاد الهند

  2. والله ونعم فيكم يا كل ال المنشي وخصوصا ال المنشي بسعودية احلى واروع ناس واكرمهم الله يديم عزكم

  3. البرنامج كتيرررررررر حلوووووووووووو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *