الرئيسية » مقالات » الاغتراف من السقوط لكراس قديم نشره المرحوم بدر شاكر السياب

الاغتراف من السقوط لكراس قديم نشره المرحوم بدر شاكر السياب

اطلعت مؤخرا على كتاب صدر حديثاً عن دار الجمل في ألمانيا تحت عنوان ” كنت شيوعياً ” للشاعر المرحوم بدر شاكر السياب ونشر إعلانا عن صدوره ” كتاب جديد للسياب في موقع البرلمان العراق مع صورة للسياب والإعلان مازال لحد هذه اللحظة على موقع البرلمان وفي الحقيقة هو ليس بالجديد فهو قد طبع أيضاً بمطابع جريدة الحرية أو الفجر الجديد على شكل كراس ” فأعادتني الذاكرة إلى تلك المقالات التي كتبها السياب ما بين 1959 ــ 1963 والتي تتوجت بكراس مازلت املكه إلى هذه اللحظة الراهنة وهو ضمن مكتبتي أسوة بكتب قديمة نشر تحت عنوان اعترافات شيوعي حيث يباشر السياب منذ ( الحلقة الأولى ) مؤكداً للقراء وسوف انقل ما كتبه حرفياً حتى بعلاته وأخطائه الإملائية حينذاك

” اسمي : سأكشف عن صريحه بعد الانتهاء من نشر هذه الاعترافات. اسمي الحزبي : الرفيق رائد ويعرف من أنا ( رفاقي ) الكبار وارد وخالد وثائر وثورة وهم على التوالي : عزيز الحاج وعبد القادر البستاني وعامر عبد الله والآنسة التي هي ليست آنسة والتي سأكشف عن اسمها فيما يعد.. الخ ”

الجميع يعرف أو تعرف على السياب كونه من الشعراء الرواد الكبار للشعر الحر “قصيدة التفعيلة ” ولا احد ينكر شاعريته ومكانته الشعرية حتى أولئك الذين يناصبونه العداء والخلاف الفكري عندما كان شيوعياً ولفترة وجيزة أو بعد تخليه عن عضويته وأصبح قطباً مغايراً ليس للحزب الشيوعي بل للشيوعية ليس في العراق فقط ، وعندما نعالج هذه الموضوعة لا أريد الحط من قيمة السياب كشاعر ومثقف استطاع إلى حد هذه اللحظة أن يفرض شاعريته ونصوصه الأدبية بشكل واسع وكبير

لكنني أجد من الضروري الإشارة إلى ذلك التجمع الذي كان حوله وكل الذين يكنون العداء لثورة 14 تموز فقد بشروا حينذاك بالمقالات وعلى نطاق واسع واستغل الموضوع لضرب هامش الحرية والديمقراطية القليل الذي حصلت عليه الجماهير العراقية مما ساعد على توسيع الهجمة المضادة لثورة 14 تموز ومنطلقاتها الوطنية التقدمية .

الكراس القديم تناول على امتداد صفحاته أل 158 صفحة ما عدا الغلاف علاقته الشخصية ومدى استعداه للتشهير حتى في قضايا كانت معروفة وأصبحت الآن أكثر وضوحاً وقد أوغل في قضايا التشهير الأخلاقي غير المنطقي والحوادث الذي بنى عليها وحولها بهاجس الشك والريبة وكنت في عهد كتابته المقالات شاباً يافعاً بتجربة قليلة ولكن لم استطع استيعاب ما كتبه ولم أصدقه للتناقضات الكثيرة التي أوردها حينذاك وهو في ( الحلقة الثانية) يقول ” إني اعترف!! إني اعترف: ولا أقول إلا الحق .. والحق وحده . واسرد هنا الحقيقة وتكفيراً عن جرائمي بحق عروبتي لعله تفكير ضئيل.. حزين مسير. وجميعاً كشيوعيون مسيرون.. ومتكافلون مع أحزاب شيوعية أخرى في مختلف أنحاء العالم . وكلنا أشقاء .. أشقاء حتى مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي ولقد وصلتنا وصايا هذا الحزب.. الحزب الشيوعي الإسرائيلي قبيل الثورة.. الخ ”

وهكذا وعلى امتداد الجزء الأول خاض قضايا تكاد أن تكون ساذجة غير ناضجة لا من الناحية السياسية والفكرية ولا الثقافية وبقى يردد أسماء البعض من الذين يعتقدهم أعداء شخصيين له أما والجزء الثاني والحلقات والردود في بعض الحالات فقد بدأت هكذا ” فضائحكم يا اتحاد الشعب ” ويقصد جريدة اتحاد الشعب الجريدة المركزية للحزب الشيوعي حينذاك ويستمر ” هذا لواء الحق يرتفع ويخفق في سماء العراق بعد أن مزق الشعب أسمال الباطل الأحمر الملطخ بدماء تنطق بصدق عن طهارة أصحابها ” وقد تناول السياب العلاقة التي كانت تجمعه ونشاطه الحزبي السابق على الرغم من تحفظنا عليه مع الأحداث الآنية التي كانت تحدث في وقتها وليس في زمنه أو أثناء وجوده كحزبي لكن ليوظفها لصالح ما كان يهدف إليه وبتشجيع ممن كانوا يقودون حملة الحقد والعداء ويدفعون اللازم من اجل استمرار الحملة ولو تابعنا مجريات اعترافاته والحوادث والأسماء لوجدنا أن الفترة القليلة التي قضاها كعضو في الحزب لا تسمح له بالتعرف أو الحصول على مركز ادعائه وهذا لا يجعلنا أن نقوم بإلغاء كل نشاطه الداخلي الحزبي.

إن شاكر بدر السياب عندما أنجز مشروع حلقاته وردوده ونشره إعلاميا و ثم طبع في كتاب وهو الآن بين يدي قبل ما يقارب ( 48 وأقصد النسخة القديمة ) لم يستطع تحقيق رغبته ورغبة من كان خلفه إلا بنجاح انقلاب 8 شباط 1963 وهي رغبة كانت ترقد في أعماق جلادين ومجرمين وشذاذ آفاق فاقدي الضمير عرفهم التاريخ وجربهم الشعب العراقي أولئك الذين دمروا الثقافة الوطنية وأعادوا أساليب اعتى النظم الدكتاتورية في الاضطهاد الفكري والجسدي للذين اختلفوا معهم .، وان عودة هذا المنشور بطبعة جديدة وبحلة جديدة في هذا الوقت بالذات لن ينفع الذين مازالوا يعيشون هواجس الجبهة القومية وتآمرها على الثورة بالتعاون مع الأمريكان وحلفائهم في المنطقة ومن كان خلف جريدة الحرية والفجر الجديد وأيتام العهد الملكي فالحقيقة التي حاول السياب إخفائها من خلال نشر الأكاذيب وتشويه المواقف وخلط الأوراق ببعضها ودمج الأحقاد الشخصية بالسياسة وبالأيديولوجية وحشر المقولات بلا تحديد وبشكل يدعو للرثاء في سذاجته وركاكته اللغوية وبضياع فكري واضح أصبحت في متناول يد الجميع ومثلما ذهب الكراس الأول ومن خلفه إلى مزبلة الفكر الرجعي فان طبع الكتاب مرة أخرى ومحاولة نشره على نطاق أوسع سوف يجعلنا نفكر ألف مرة أن الصراع اللاأخلاقي لم ينته وان العداء باقي مادام الاستغلال والاضطهاد سياسة يتبنها الذين لم يتعلموا من تجربة التاريخ ويصرون على المضي إلى المكان الذي اقبر أساتذتهم المعروفين..

بصراحة تامة لم يكن ذلك المجهود الذي صرفه المرحوم بدر شاكر السياب على كتابة المقالات والحلقات التشهيرية البعيدة كل البعد عن الصراع الفكري الصحيح الملتزم وعن جوهر الحوار والنقاش المثمر قد رفع مكانته لا الثقافية ولا السياسية ولا الشعرية السياسة بل العكس مثلما أشير له من قبل عشرات الناقدين والمفكرين والمثقفين

ونقول بصراحة كن حذرا عندما تبصق على السماء فان أكثريته لا محالة سوف يغسل وجهك .