الرئيسية » مقالات » حول مشروع القانون الجديد لحقوق وامتيازات مجلس النواب!

حول مشروع القانون الجديد لحقوق وامتيازات مجلس النواب!

نشرت وسائل الإعلام العراقية والعربية مشروع قانون يتضمن حقوق وامتيازات مجلس النواب رئيساً ونواباً وأعضاءً يراد مناقشته في المجلس ذاته وإقراره وممارسته. ويبدو لي أن هذا القانون ليس إشاعة بل هو مسودة فعلية وضعتها لجنة من أعضاء مجلس النواب لتأمين أوضاع وحياة أفضل للنواب. ليس نواب العراق وحدهم يتصرفون بهذه الطريقة, بل أغلب مجالس النواب في العالم تسعى إلى وضع قوانين وحقوق وامتيازات إضافية تساهم في إبعاد هذه المؤسسة والمنتدبين إليها يعيشون في عالم آخر غير عالم شعوبهم, في عالم البحبوحة التي يعيش فيها الأغنياء من سكان هذا البلد أو ذاك. وعندها لن يحسوا بالواقع الذي تعيش فيه الغالبية العظمى من الشعب. هكذا هو الأمر في ألمانيا والنمسا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا …الخ. فالعراق ليس استثناءً بأي حال. ولكن أين هو الاستثناء في النموذج العراقي الجديد؟
لا شك في أن من حق مجلس النواب أن يقرر مستوى الراتب لرئيسه ونواب الرئيس والأعضاء والمخصصات والمكافئات …الخ. ومن حقه أن يقرر الحراسة الضرورية لهم وما إلى ذلك, فليس في هذا من حيث المبدأ أي اعتراض. ولكن, أين يبرز الاعتراض؟ وقبل الخوض في الاعتراض نشير أيضاً إلى حالة استثنائية أخرى يعيش فيها مجلس النواب العراقي والعراق عموماًً, بغض النظر عن موقفنا من بنية وتكوين مجلس النواب. إن رئيس ونواب رئيس وأعضاء مجلس النواب يعيشون في عراق شاذ واستثنائي من حيث فقدان الأمن والاستقرار ووجود تهديد متواصل لا لحياة عضو مجلس النواب فحسب, بل وحياة أفراد عائلته والأقرباء حتى الدرجة الثالثة, وفق موقف النظام المقبور من العقوبات التي كان ينزلها بمن يتهم بالتآمر على نظامه الدكتاتوري البغيض. علينا أن نؤكد بأن النواب جميعاً في العراق, بغض النظر عن البعض منهم الذي ربما يكون من أتباع المليشيات الطائفية أو له علاقات مع قوى إرهابية أو بعثية, إذ أنهم قلة وليسوا الكثرة في المجلس. فالمجلس لا يعيش في أوضاع طبيعية, وعلى كل منا وهو يتحدث عن هؤلاء أن يضع نفسه في موقعهم حيث يتربص به في كل لحظة خطر القتل على أيدي إرهابيين وأعداء لا يعرفهم ولم يلتق بهم في حياته. أضع هذا أمام أنظار القارئات والقراء لا لكي أبرر هذه المسألة أو تلك, بل لأصف الوضع أولاً, ومن ثم نبدأ بالنظر إلى الأمور بهدوء وموضوعية.
والآن كيف نفهم هذا المشروع الجديد للقانون وما هي الاعتراضات عليه؟
يعبر مشروع القانون الجديد عن أفكار هي مزيج من الرغبة المتفشية في توزيع الرواتب والمكافئات والامتيازات وفق قواعد توزيع المناصب الرئاسية في الدولة وعلى أساس المحاصصة الطائفية. فلا بد للمراكز الثلاثة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب أن يتسلموا رواتب متساوية, وكذا مع نوابهم والعاملين معهم في مجالسهم, والرغبة في اعتبار كل من هذه المراكز متساوية من حيث الأهمية للقومية أو الطائفة التي مثلها, إضافة إلى المبالغة غير المعهودة في نشر الامتيازات لتشمل أفراد العائلة التي لا يمكن رؤيتها في أي قانون يمس مجالس النواب في سائر أرجاء العالم.
نحن أمام حالة غير سليمة في العراق, ولكن لا يجوز لمجلس النواب أن يقرر صيغة للحقوق والامتيازات تعبر عن حالة استثنائية يمر بها العراق مؤقتاً, بل يفترض أن يضع قانوناً لحالة طبيعية ثم يتخذ إجراءات لتفادي الأوضاع الاستثنائية مثل المخصصات الإضافية التي يستوجبها لضمان حمايته أو بسبب المصروفات التي يفترضها موقعه …الخ.
ولهذا أؤكد ما يلي:
• لا أجد أي مبرر في ربط راتب رئيس مجلس النواب ونائبيه وأعضاء مجلس النواب براتب السيد رئيس الجمهورية ونائبيه ورئيس مجلس الوزراء والوزراء. فهو موقف غير منطقي, إذ لكل مؤسسة أو مجلس له مكانته ودوره وأهميته ومهماته المختلفة, ويفترض أن لا يخضع للطائفية السياسية التمييزية المقيتة.
• لا يمكن منح جميع أعضاء مجلس النواب قطعة أرض أو داراً, بل يمكن أن تمنح لمن لا يملك أرضاً أو داراً لقاء تعويض مالي يقرر وفق موقع الأرض.
• لا يجوز منح أفراد عائلة رئيس ونواب وأعضاء مجلس النواب جوازات سفر دبلوماسية بأي حال, بل يمكن ربما وضع صورة أو اسم الزوجة والأطفال بعمر أقل من 18 عاماً في جواز رئيس ونواب وأعضاء مجلس النواب لتسهيل سفرهم مثلاً ولكن لا يمنحوا جوازات سفر دبلوماسية خاصة يمكن أن تمتد للأبوين .. الخ, كما يمكن أن تستخدم لغير أغراضها.
• لا بد من وضع قانون للضمان الصحي للموظفين في العراق ليشمل أعضاء مجلس النواب أيضاً, كما يفترض وضع قانون للضمان الصحي لكل المواطنات ولمواطنين, ولكن لا يجوز معالجة عضو مجلس النواب في حالة إصابته بمرض اعتيادي, كما يمكن ان يصاب به أي مواطنة أو مواطن آخر, ما لم تكن إصابته في وقت أداء عمله أو بسبب اعتداء إرهابي وقع على العضو.
• من المناسب أن يكون لعضو مجلس النواب راتباً مجزياً ومخصصات تساعده على إنجاز مهماته لكي لا يمد يده إلى آخرين أو يعاني من مصاعب مالية تدفعه لقبول رشوة لتحسين أوضاعه المالية, أي وضع معايير مناسبة لحماية النائب من احتمال السقوط في الفساد.
• لا مبرر لشمول الورثة بذات الحقوق التي يراد منحها لعضو مجلس النواب, إذ أن الفترة الراهنة والإرهاب الذي يعيشه العراق ليس أبدياً. كما أن من واجب الحكومة (وزارة الداخلية) أن تنظر في قضية كل عضو في المجلس لتأمين الحماية له في حالة وجود تهديد ومخاطر تعرضه وأفراد عائلته للقتل.
• لا بد من الإشارة إلى أن مقام ونفوذ واحترام presige رئيس أو نائب رئيس أو عضو مجلس النواب لا يأتي من كونه بمركز رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو الوزير, بل بالمهمات التي يؤديها والعلاقة الحميمة مع ناخبيه ودفاعه عن قضاياهم وبسلوكه في التعامل ووعيه في الدفاع عن مصالح المجتمع …الخ, بالرغم من التخلف الذي يعيش فيه المجتمع العراقي والمعايير المتخلفة التي لا تزال تسود فيه.
من واجبنا أن ندرس كل مشروع قانون تريد الحكومة أو مجلس النواب طرحه ومناقشته وإقراره, ويفترض أن يتميز حوارنا ونقاشنا لتلك القوانين بالهدوء والموضوعية وبعيداً عن الانفعال والاتهام وشن الحملات القاسية.
أرى بأن هناك خطأ فادحاً يرتكبه مجلس النواب إن أقر مشروع القانون بالصيغة التي نشرت في وسائل الإعلام, ولا بد من أخذ رأي الناس بنظر الاعتبار, ولا بد من إعادة النظر به بعيداً عن التقسيم الطائفي والمحاصصة حتى في الحقوق والامتيازات والمنافع, إذ أنها ستجرنا إلى وضع المجتمع كله ضد السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
إن المجتمع الذي يعاني من حالة الفقر (30% من السكان تحت خط الفقر, 30% على خط الفقر مباشرة و25% من السكان فوق خط الفقر بقليل, ونسبة ضئيلة جداً هي المترفة والمتنعمة, وخاصة العائمين في بحر من الفساد المالي على حساب الشعب) لا يمكنه قبول هذه المحاولة من جانب السلطة التشريعية في منح نفسها ما تشاء من الحقوق والامتيازات.
أملي أن يفكر أعضاء مجلس النواب بذلك جيداً وكذا الأحزاب التي رشحت هؤلاء النواب ليكونوا ممثلين عنها في مجلس النواب. إن سمعة النواب وتأثيرهم في المجتمع وفي السياسة بشكل عام يرتبط عضوياً بما يقرروه لأنفسهم وللمجتمع من مكاسب وحقوق.
أوائل نيسان/أبريل 2007 كاظم حبيب