الرئيسية » مقالات » مسؤولية الأشخاص الطبيعيين عن الجرائم ضد السلام والإنسانية وجرائم الحرب

مسؤولية الأشخاص الطبيعيين عن الجرائم ضد السلام والإنسانية وجرائم الحرب

من الأحكام المتعارف عليها في القانون الدولي المعاصر يعتبر ذلك الحكم الذي يقول بأن الأشخاص الطبيعيين المذنبين بإعداد الجرائم ضد السلم والإنسانية وجرائم الحرب والتخطيط لها وتنظيمها وارتكابها يتحملون مسئوليتهم عنها إلى جانب الدول المعنية. لقد أدرج هذا الحكم للمرة الأولى وبصيغة دقيقة واضحة في الاتفاقية حول مقاضاة ومعاقبة كبار مجرمي الحرب للدول الأوروبية، المؤرخة في 8 آب 1945، ثم تثبت في نظامي المحكمتين العسكريتين الدوليتين في نورنبرغ وطوكيو والأحكام الصادرة عنهما وفي غيرها من المواثيق القانونية الدولية. ووجدت مبادئ القانون الدولي المعترف بها في نظام محكمة نورنبرغ العسكرية الدولية والمتجسدة أيضاً في الحكم الصادر عنها، تأكيداً لها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 95/1 الذي تم إقراره بإجماع في 11 كانون أول 1946.
وتضمن الحكم الصادر عن محكمة نورنبرغ العسكرية الدولية تعليلاً للحكم المتعلق بالمسؤولية الفردية عن الجرائم الدولية. جاء فيه، على وجه الخصوص، أن القانون الدولي ينظر في أفعال الدول ذات السيادة فقط دون أن يفرض عقوبات على أشخاص منفردين، وأن الأشخاص الذين نفذوا فعلاً ما باسم الدولة، عملياً، لا يتحملون أية مسؤولية شخصية عن ذلك، إذ يحميهم مبدأ سيادة الدولة.
وفي رأي المحكمة لابد من نبذ هذين الادعائين. ذلك أنه صار من المتعارف عليه منذ زمن أن القانون الدولي يفرض واجبات والتزامات على أشخاص متفردين مثلهم مثل الدول. ويتلخص جوهر نظام المحكمة نفسه في تحميل أشخاص منفردين تلك الالتزامات الدولية التي تفرق واجبهم القومي في الإطاعة الذي تفرضه عليهم دولتهم الأم. ومن يخالف قوانين خوض الحرب وأعرافها لا يمكن أن يبقى دون حساب ولا عقاب بحجة أنه يتصرف وفقاً لتوجيهات دولته إذا كانت هذه الدولة لدى إعطاء إذنها بارتكاب مثل هذه الأفعال تتعدى دائرة صلاحياتها واختصاصاتها التي يحددها القانون الدولي.
ونرى على ضوء هذه الطروحات أن ثمة صلة معينة بين مسؤولية الدولة عن الأعمال التي يصفها القانون الدولي بأنها جرائم دولية، وبين المسؤولية الفردية للأشخاص الطبيعيين المذنبين بالتنفيذ العملي لجريمة دولية محددة. وتقع هذه المسؤولية على الشخص الطبيعي أيضاً في تلك الحالات حين يقترف إجراماً دولياً ما بصفة فردية وأن يقوم على صلة قانونية مع دولته. وفي مثل هذه الحالة تنشأ مسألة المسؤولية الدولية لدولة ما إذا لم تتخذ هذه الدولة إجراءات كفيلة بمنع وقوع الجريمة ومعاقبة المذنبين بارتكابها طبقاً لتشريعاتها والقانون الدولي ولم تعوض عن الضرر الذي أحدثته التصرفات غير الشرعية للأشخاص المذكورين أعلاه.
إن مقولة المسؤولية الجنائية الدولية للأشخاص الطبيعيين عن الجرائم الدولية المقترفة من جانبهم لها أهمية بالغة بالنسبة للحيلولة دون ارتكاب مثل هذه الجرائم وتأمين فعالية مراعاة قواعد القانون الدولي المعاصر وأحكامه. ويقضي القانون الدولي الحديث بأن يتحمل أشخاص طبيعيون ومجموعاتهم المسؤولية الفردية عن الجرائم ضد السلام والإنسانية وجرائم الحرب إلى جانب الدول المعنية.
كتب غ. تونكين في هذا يقول: “حين يطلق على حرب عدوانية وغيرها من انتهاكات القانون الدولي إسم “الجرائم” تكمن الغاية من ذلك في التشديد على الطابع الخطير للغاية الذي تتخذه هذه المخالفات بالنسبة للدول المعنية. أما فيما يتعلق بالأشخاص الطبيعيين الذين يتولون تنفيذ هذه الأعمال بشكل ملموس فيدور الحديث في القانون المعاصر فعلاً عن الجريمة الدولية والمسؤولية الجنائية الناجمة عنها”.(1)
أما ل. موجريان فتشير في صدد هذه المسألة على وجه الخصوص إلى أن “الجريمة الدولية تعتبر مخالفة دولية خطيرة للقانون تهدد وجود وبقاء الدول والأمم والأقوام بالذات وكذلك السلام والأمن والعلاقات الودية بين الشعوب. الأمر الذي قد يترتب عليه ليس الالتزام بالتعويض على الضرر المحدث وإزالة آثاره فحسب بل وفرض العقوبات الفردية أو الجماعية على الدول الجانية”.(2)
وقد قدم نظام المحكمة العسكرية الدولية لأول مرة تعريفاً شاملاً ومفصلاً لعناصر الجرائم الدولية التي تجر المسؤولية الفردية للأشخاص المذنبين بارتكابها. وأدى نمو وعي الشعوب الحقوقي والتطور المطرد للقانون الدولي إلى توسيع عناصر الجرائم الدولية وجعلها أكثر تفصيلاً. على سبيل المثال، تعد من عداد الجرائم الدولية التي تجر المسؤولية الجنائية الفردية تلك الأفعال التي تنص عليها الاتفاقية بشأن منع جريمة الإبادة بالجملة والمعاقبة عليها المؤرخة في 9 كانون أول 1948 والاتفاقية حول القضاء على جريمة التمييز العنصري والمعاقبة عليها المؤرخة في 30 كانون أول 1973 واتفاقيات جنيف لعام 1949 بشأن حماية ضحايا الحرب والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها في عام 1977 واتفاقية لاهاي حول حماية القيم الثقافية في حالة نشوب النزاع المسلح المؤرخة في 14 أيار 1954 واتفاقيات لاهاي حول قوانين الحرب وأعرافها لعام 1907 وغيرها من المواثيق القانونية الدولية.
وتثير مسألة ذوات المسؤولية الجنائية الدولية عن الجرائم الدولية منذ القدم مجادلات وخلافات في النظرية والتطبيق المتناقض وإن بدأ يتخذ مع مرور الزمن طابعاً أكثر تجانساً. على سبيل المثال، في أواسط القرن التاسع عشر وطبقاً لنظرية القانون الدولي الكلاسيكية ساد اعتقاد بأنه لا يمكن أن تكون ذاتاً للمسؤولية الدولية إلا دولة.
كتب الأستاذ ف. ليستْ إن “الدولة وحدها تعتبر ذاتاً (أو طرفاً) للمخالفات الدولية وبالتالي لما يترتب عليها من المسؤولية إذا كانت هذه المسؤولية حتى ناتجة عن تصرفات رعاياها”.
إن الدولة ذات السيادة والأهلية القانونية الدولية هي وحدها تستطيع أن تقدم على مخالفات دولية”.(3)
ووفقاً للمبدأ القائل بأن الدولة وحدها يمكن أن تكون ذاتاً للمسؤولية الدولية كانت مواقف الدول وممارساتها تتطور على هذا الصعيد وكان ثمة إجماع. من حيث النظرية والتطبيق، على أن المسؤولين الحكوميين، مثلا، لا يمكن أن يتحملوا مسؤولية دولية مهما يتخذون من خطوات بصفة رسمية لكونهم يمثلون هيئة من هيئات دولتهم التي تتحمل هي وحدها مسؤوليتها أمام دول أخرى.
وعلى هذا النحو بالذات جرت معالجة مسألة مسؤولية العسكري البريطاني النقيب ماكليود في السابقة الشهيرة المرتبطة بقضية “كارولينا”. لقد اعتدت القوات البريطانية العاملة تحت إمرة هذا النقيب في ليلة 29 كانون أول عام 1838 على سفينة “كارولينا” الأمريكية الموجودة داخل الأراضي الأمريكية وأغرقتها لأن هذه السفينة كانت تستخدم لدعم المتمردين الكنديين بالأفراد والمؤن والعتاد دون أن تعترض السلطات الأمريكية على ذلك. ونتج عن إحراق السفينة وإغراقها وقوع ضحايا بين أفراد طاقمها. وقبض الأمريكان على النقيب ماكليود وأقاموا عليه الدعوى بتهمة القتل والاحتراق.
غير أن بريطانيا طالبت بإطلاق سراح النقيب بحجة أن تصرفات المرؤوسين لم تكن عملاً قمعياً فردياً بل جاءت نتيجة لتنفيذ الأمر الموكل إليهم. لذا لا يمكن أن تكون أفعالهم إلا موضعاً للمعاملات الدبلوماسية. ووافق وزير خارجية الولايات المتحدة فورسايت على هذا الحكم مما أدى إلى عدم محاكمة ماكليود وإطلاق سراحه.
وفي عام 1842 صدر قانون خاص في الولايات المتحدة يقضي بعدم تعريض الأجانب لمرافعة الجنائية إذا تولت حكوماتهم المسؤولية عن تصرفاتهم.(4)
وينوه الأستاذ د. ليفين في هذا الصدد بأن “مفهوم المخالفة الدولية من قبل بلد ما تم تحديده بموجب المذهب السائد وقتذاك انطلاقاً من المعيار الشكلي، أساساً لمخالفة القانون دون أدنى تمييز بين مختلف أنواع المخالفات طبقاً لدرجة ذنب الدولة وتقييم طابع التصرف الذي تجد في المخالفة ودرجة الخطر الناجم عن المخالفة على دول أخرى أو المجتمع الدولي ككل… الخ”.(5)
مع ذلك حتى في ظل سيادة مقولة مسؤولية الدول وحدها عن أفعال رعاياها شهدت الممارسات التعاهدية بعض الاستثناءات من القاعدة العامة والتي قضت بتحميل الأشخاص الطبيعيين المسؤولية الفردية عن خرق الأحكام المعينة من قوانين الحرب وأعرافها التي تم إقرارها بشكل تعاهدي. على سبيل المثال، نصت المادة 12 من نظام الأحكام الخاصة بقوانين وأعراف الحرب في البرد على أن كل أسير حرب “تم إطلاق سراحه بعد أن أعطى كلمة شرف ثم وقع في الأسر من جديد حين كان يقاتل بسلاح تلك الحكومة التي أقسم بشرفه أمامها أو قاتل حلفاءها يحرم من الحقوق الممنوحة لأسرى الحرب ويمكن أن يحال إلى القضاء”.(6)، أما المادة 34 من تلك الوثيقة فنصت على أن “رسول هدنة يفقد حق الحصانة إذا ثبت بصورة مقنعة وأكيدة أنه كان قد استفاد من وضعه المميز لتدبير الخيانة أو الحث عليها أو تنفيذها”.(7)، كما نصت المادة 41 من النظام نفسه على أن “خرق شروط الهدنة من قبل أشخاص منفردين يتصرفون بمحض مبادرتهم مما يخول حق المطالبة بمعاقبة المذنبين والمكافأة لقاء تكبد الخسائر إذا حصل ذلك بالفعل”.(8)
وعلى صعيد مذهب القانون الدولي كان ثمة مؤلفون حبذوا اللجوء إلى طرق دولية كفيلة بمعاقبة الأشخاص المذنبين بصورة مباشرة بارتكاب الجرائم الدولية. على سبيل المثال، تقدم العالم السويسري مؤانيه أحد مؤلفي اتفاقية جنيف لعام 1864 بشأن المرضى والجرحى، تقدم في عام 1882 بمشروع استحداث محكمة دولية لمنع مخالفات الاتفاقية والمعاقبة عليها. واقترح العالم أن تضم المحكمة في قوامها ممثلاً عن كل طرف من الطرفين المتحاربين وثلاثة ممثلين عن البلدان المحايدة ينتخبون بالقرعة. وكانت الغاية من المحكمة أن تنظر في قضايا ناتجة عن شكاوى طرفي النزاع وتقرر عقوبات على أن تتم صياغتها في بروتوكول إضافي خاص ملحق باتفاقية جنيف لعام 1864. وعدا العقوبات كان من الممكن للمحكمة. حسب الاقتراح الآنف الذكر، أن تقرر التعويض عن الضرر الملحق. وراعى الاقتراح أن تنفذ حكومة الدولة التي ينتمي المحكوم عليه إليها. أحكام المحكمة العسكرية الدولية.
غير أن مسألة المسؤولية الجنائية الدولية للأفراد عن الجرائم الدولية لم تطرح بشكل واقعي إلا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى حين أدرج في جدول الأعمال موضوع المسؤولية الدولية ليس للدول المعتدية فحسب بل والمسؤولية الفردية لأولئك الذين كانوا وراء شن تلك الحرب. ونصت معاهدة فرساي لعام 1919 على تحميل الإمبراطور فيلهالم الثاني المسؤولية الجنائية الدولية وإحالته إلى المقاضاة في المحكمة العسكرية الدولية وإحالة مجرمي الحرب الألمان إلى المرافعة ضمن دائرة اختصاص محاكم الدول الحليفة. وجاء في مذكرة أرسلتها بلدان الائتلاف إلى الحكومة الهولندية. في 14 شباط عام 1920 تتضمن طلب تسليم فيلهالم الثاني ما يلي: “على هولندا أن تعمل سوية مع الأمم المتحضرة الأخرى من أجل ضمان المعاقبة على الجرائم ضد القانون ومبادئ الإنسانية.. ويكمن الواجب الذي لا يمكن لأحد أن يعتبر نفسه طليقاً عنه لاعتبارات ذات الطابع القومي مهما كانت جدية، في تضافر الجهود لإنزال العقوبة بطريقة مثالية على كل المذنبين بويلات وأهوال الحرب”(9).
وفي الآداب الحقوقية المتخصصة في القانون الدولي التي صدرت عقب الحرب العالمية الأولى أبدى مؤلوفها، في اعتقادنا، رأياً صائباً مؤداه أنه إذا كان الهدف من مسؤولية الدول القانونية الدولية عن الجرائم الدولية هو التعويض عما ألحق من الأضرار الفعلية فإن المسؤولية الجنائية الدولية للأشخاص المذنبين بارتكاب الجرائم الدولية تستهدف درء ارتكاب مثل هذه الجرائم المحتمل في المستقبل أو منع ارتكابها من قبل أي أشخاص سواء أكانوا موظفين رسميين أو أشخاص غير رسميين. لقد أبدى هذا الرأي، على وجه الخصوص، الحقوقي الفرنسي المعروف دوتيديه دي فابر الذي اشترك فيما بعد في جلسات محكمة نورنبرغ العسكرية الدولية التي عاقب مجرمي الحرب.
كما انتشرت في تلك الفترة نظرية أخرى حول المسؤولية الدولية عن الجرائم الدولية رأت في الأفراد ذوات للمسؤولية الجنائية وفي الدول ذوات للمسؤولية القانونية بشكل تعويضات وجزاءات وإيفاءات. وكانت ضرورة تحميل الأشخاص الطبيعيين المسؤولية الجنائية الدولية معللة انطلاقاً من أن التشريعات الوطنية لم تنزل عقوبات موازنة لخطورة الجرائم الدولية وأن الأشخاص المعينين المذنبين بارتكاب هذه الجرائم يجب أن يحالوا إلى المحكمة الدولية. وفي الوقت ذاته رفض أنصار مثل هذه الرؤية رفضاً قطعياً فكرة تحميل الدول المسؤولية الجنائية الدولية. وكتب أحد أبرز ممثلي هذا الاتجاه الحقوقي اليوناني ن. بوليتين في هذا الصدد يقول إنه “من دوافع التوهم فقط يمكن الحديث عن الدولة وكأنها شخص معنوي يمكن أن تفرض عليه عقوبة أو جزاء. والمسؤولية الجماعية ليست إلا وهم كاذب ومضلل. وفي حقيقة الأمر يؤدي هذا المفهوم إلى التهرب من المسؤولية والعقاب. كما أن المسؤولية “النظرية” للدولة تنسف وتلغي مسؤولية الحكام الحقيقية”(10) إلا أن وجهة النظر هذه يصعب علينا أن نوافق عليها وإن تتضمن فكرة صحيحة حول وجوب المعاقبة الجزائية للأشخاص المذنبين باقتراف جرائم دولية.
في اعتقادنا، لا يصح سواء من وجهة النظر الحقوقية أو من وجهة نظر الإنصاف إلقاء كل ثقل المسؤولية عن أفعال الدولة الإجرامية على الأشخاص المذنبين مباشرة بارتكاب الجرائم الدولية وترك الدولة جانباً رغم كونها تمثل الأمة وتنشط باسمها في الخارج وتعتبر هيئتها. والدولة بصفتها هيئة تعبر عن إرادة الطبقة الحاكمة، من جهة، وتمثل الأمة كلها في العلاقات الدولية. من جهة ثانية، عليها أن تتحمل كامل المسؤولية الدولية عن الجرائم الدولية ضد السلام والإنسانية وجرائم الحرب والإبادة بالجملة والتفرقة العنصرية على أن تكون هذه المسؤولية الدولية الخاصة أكثر قساوة من التعويضات والجزاءات والإيفاءات.
ويجب الاعتراف بمثل هذه المسؤولية الخاصة المتمثلة في أشكال شتى من إزالة الدولة الجانية وحتى إعادة تنظيمها وإقرار الضمانات الدولية بهذا الخصوص والتقييد المؤقت لحقوقها وأهليتها، إذا كنا نسعى بالفعل لمنع الجرائم ضد السلم والانسانية وجرائم الحرب والإبادة بالجملة والتمييز العنصري ووضع حد لها.
وكانت مسؤولية ألمانيا وحلفائها الذين شنوا الحرب العالمية الثانية واقترفوا أثنائها جرائم دولية عديدة غير محصورة بحال من الأحوال في مسؤولية قانونية دولية عادية بشكل تعويضات وإعادات وجزاءات ومسؤولية جزائية دولية لمجرمي الحرب. ذلك أن الدولة الألمانية بوصفها هيئة أو جهازاً لارتكاب الجرائم الدولية ضد الإنسانية وجرائم الحرب تخطت المسؤولية الدولية الخاصة كدولة أي المسؤولية الجماعية.
وقد أعلنت الدول الحليفة في مؤتمرها بالقرم أن غايتها من احتلال ألمانيا وفرض رقابة الحلفاء عليها هي “القضاء على العسكرياتية الألمانية والنازية وتوفير ضمانة للحيلولة دون أن تصبح ألمانيا من جديد في يوم من الأيام قادرة على خرق السلام العالمي”.(11)
وأبدت الدول الحليفة عزمها على نزع السلاح من القوات المسلحة الألمانية وحلها مرة لا متكررة وإزالة الأركان العامة الألمانية وانتزاع كل الأعتدة الحربية الألمانية وتصفيتها وتحطيم كل الصناعة الحربية الألمانية أو فرض الرقابة عليها كي لا تستخدم لغرض الإنتاج الحربي وفرض العقوبة السريعة والعادلة على مجرمي الحرب وإرغام ألمانيا على التعويض عينا عن الأضرار الحاصلة الناتجة عن أعمال الهدم والتدمير الهتلرية واتخاذ الإجراءات اللازمة في سبيل توطيد السلام العالمي وأمن جميع الشعوب.
وركزت قرارات مؤتمر القرم على أن “الحلفاء لا يسعون اطلاقاً لإفناء الشعب الألماني.. مع ذلك لن يظهر أمل للشعب الألماني في العيش اللائق والمكانة اللائقة في أسرة الأمم إلا بعد استئصال جذور النازية والعسكرياتية”.(12)
علاوة على ذلك تم في سياق تطبيق العقوبة على ألمانيا فصل بروسيا الشرقية عن أراضيها التي كانت تستخدم دائماً بصفة رأس جسر لقيام ألمانيا بالاعتداءات على البلدان المجاورة.
في رأينا تمثل كل هذه الأشكال أشكال مسؤولية الدولة الخاصة عن ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية والتي توجد إلى جانب غيرها من الأشكال المعروفة من المسؤولية الدولية للدول مثل التعويضات والجزاءات والإيفاءات وكذلك المسؤولية الجزائية الدولية الفردية (الشخصية). هكذا يمكن القول إنه في سياق التطور التقدمي للقانون الدولي وتصارع وجهات النظر على صعيد مذهب القانون الدولي تكونت في ممارسات الدول وفي النظرية ولقيت اعترافاً أكيداً مقولة المسؤولية الجنائية الدولية للأشخاص الطبيعيين عن الجرائم ضد السلام وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وكان إقرار نظامي محكمتي نورنبرغ وطوكيو العسكريتين الدوليتين وإصدار أحكامها يعنيان ليس تأكيد مبدأ المسؤولية الجنائية الدولية للأشخاص الطبيعيين فحسب بل وتعيين نظام وعناصر للجرائم الدولية وأشكال للمسؤولية الجنائية على النطاقين الدولي والوطني وأصول إجرائية للقضاء الجنائي الدولي.
هذا وعينت الاتفاقية حول مقاضاة ومعاقبة مجرمي الحرب الرئيسيين للدول الأوروبية المؤرخة في 8/8/1945 ونظام المحكمة العسكرية الدولية في نورنبرغ دائرة اختصاص المحكمة والجرائم الدولية التي تشتمل عليها دائرة اختصاص المحكمة كون هذه الجرائم تجر المسؤولية الجنائية الفردية. “لقد جاء إقرار نظام المحكمة نتيجة لتحقيق الصلاحيات التشريعية من قبل تلك البلدان ذات السيادة التي استسلم أمامها الرايخ الثالث دون قيد أو شرط علماً بأن حقوق تلك البلدان في سن قوانين في الأراضي المحتلة اعترف بها العالم المتحضر بلا ريب وشك. مع العلم بأن النظام بحد ذاته لا يعتبر تعسفاً أو تسلطاً من جانب الدول الغالبة بل ويشكل تجسيداً للقانون الدولي القائم لحظة أحداث المحكمة. وبهذا المعنى يعد النظام اسهاماً في القانون الدولي”(13) هذا هو رأي الأستاذ الإنجليزي د. هارس الذي يمكن مشاطرته.
مع ذلك، ينبغي، على ما يبدو لنا، أن نضيف إلى هذا الكلام أن حق الدول الحليفة في وضع نظام المحكمة العسكرية وتنظيم واقامة المحاكمة جاء على الأرجح، نتيجة وتبعية للجرائم الدولية الخطيرة ضد السلام والإنسانية وجرائم الحرب التي اقترفها الرايخ الثالث وحكامه بدلاً من أن يكون “نتيجة لتحقيق الصلاحيات التشريعية” للدول المحتلة ذات السيادة. ومما لاشك فيه أن احتلال الأراضي الألمانية إثر انتصار الأمم المتحدة في الحرب العالمية الثانية خلق مقدمات مادية وسياسية ضرورية لإلقاء المسؤولية عن الجرائم الدولية وتحصيلها. إلا أن مسؤولية الرايخ الثالث بما في ذلك المسؤولية الجنائية الشخصية لقادة الدولة الفاشية نشأت ووجدت بحكم ونتيجة وقائع التخطيط للجرائم الدولية المذكورة وإعدادها وتنظيمها واقترافها. لذلك، في رأينا، ينبغي اعتبار جرائم النازيين الدولية ذاتها عاملاً أساسياً أدى إلى إحداث المحكمة العسكرية.
وشملت دائرة اختصاص المحكمة العسكرية كل الجرائم المسرودة في المادة 6 من نظام المحكمة بغض النظر عن كون هذه الأفعال قد خالفت القانون الداخلي للبلد الذي نفذت فيه أم لم تخالف. ولهذا الحكم أهمية كبيرة، إذ أكد على المبدأ القائل بأن المسؤولية الجزائية الدولية للأشخاص الطبيعيين تستند إلى واقع الإقدام على تعديات في غاية الخطورة على أصول القانون الدولي بصرف النظر عن وجود هذا الصنف من الجرائم أو ذاك أو عدم وجوده في تشريعات الدول الداخلية.
لهذا السبب رفضت المحكمة العسكرية الاستشهادات الباطلة لمحامي الدفاع عن المتهمين بالمبدأ الزاعم أن لا جريمة بلا قانون ولا عقاب بلا قانون. وادعى المحامون أن إعطاء نظام المحكمة العسكرية أثراً رجعياً يتناقض مع المبادئ العامة للعدل، التي اعترفت بها كل الدول المتحضرة، لأن القانون الدولي لم يعتبر الحرب العدوانية في المرحلة السابقة جريمة دولية ولم يعين جزاء عليها ولم توجد محاكم تشمل دائرة اختصاصها النصر في مثل هذه الدعاوى وإصدار الأحكام على المذنبين بارتكاب هذه الجرائم. غير أن الاستشهادات بالمبدأ المذكور كانت باطلة تماماً لأن المتهمين الذين شغلوا مناصب رفيعة في هيئات الحكومات الألمانية أدركوا أن شن الحرب العدوانية يشكل خرقاً صارخاً للمعاهدات الدولية التي أبرمتها ألمانيا وأن جرائم الحرب المرتكبة بأوامرهم وبعلمهم تعتبر انتهاكاً لقوانين الحرب وأعرافها التي تحشد الوضع القانوني للأطراف المتحاربة والأشخاص الطبيعيين وحقوقهم وواجباتهم.
وكان المحامون الذين تولوا الدفاع عن المتهمين قد طرحوا أيضاً أدلة مؤداها أن القانون الدولي يضبط أعمال الدول ذات السيادة ولا يقر مسؤولية الأشخاص الطبيعيين ومعاقبتهم وبما أن الأفعال قيد الدعوى ناتجة عن تصرفات الدولة يجب أن تتحمل الدولة وحدها المسؤولية عنها لا الأشخاص الطبيعيون. إلا أن المحكمة العسكرية فضت هذه الحجج أيضاً بما في ذلك ما قيل عن تصرفات الدولة وحدها. وجاء في الحكم النهائي الصادر عن المحاكمة أن “مبدأ القانون الدولي الذي يحمي في ظروف معينة ممثلاً للدولة لا يمكن تطبيقه على الأفعال التي يجري تناولها كجرائم بموجب القانون الدولي، والجرائم ضد القانون الدولي يرتكبها الناس ولا “مقولات مجردة”. ولا يمكن مراعاة أصول القانون الدولي إلا عن طريق إنزال عقوبات بحق أشخاص منفردين يقترفون مثل هذه الاجرام”.(14)
وكانت أهمية بالغة على صعيد ضبط مسؤولية الأشخاص الطبيعيين عن الجرائم الدولية المرتبكة للمادتين 7 و 8 من نظام المحكمة العسكرية الدولية اللتان اعتمدتا على ممارسات الدول وأحكام الاتفاقيات الدولية المعقودة قبل إقرار النظام بوقت طويل. وتنص المادة 7 على أن وضع الشخص الوظيفي بما في ذلك وضعه بصفة رئيس الدولة أو الموظف المسؤول في الدوائر الحكومية لا يمكن اعتباره أساساً لإعفائه من المسؤولية أو تخفيف العقوبة أما المادة 8 فنصت على أن واقع كون الشخص قد تصرف بتكليف من الحكومة أو بأمر من الرئيس لا يعفيه عن المسؤولية ولا يجوز اعتباره علة لتخفيف العقوبة.
وتدل الحقائق على أن الأحكام المذكورة من نظام المحكمة العسكرية الدولية في نورنبرغ تم الإقرار بها في القانون الدولي وتطبيقها في ممارسات الدول. وجدير بالذكر أنه حتى المادة 9 من اتفاقية لاهاي بشأن قوانين الحرب في البر وأعرافها لعام 1907 نصت على أن “الطرف المتحارب الذي خالف أحكام هذه الاتفاقية يجب أن يعوض على الخسائر الحاصلة إذا كان هناك أساس لذلك. وسيكون هذا الطرف مسؤولاً عن كافة الأعمال التي ينفذها أفراد من قوام قواتها المسلحة”(15)، وبموجب المادة 227 من معاهدة فرساي وجهت إلى الإمبراطور الألماني السابق فيلهالم الثاني تهمة “بالإساءة القصوى إلى الآداب الدولية والقوة المقدسة للمعاهدة المعقودة”.(16)
واتجهت النية إلى إحالته إلى القضاء وإجراء محاكمته الدولية. علاوة على ذلك جرت في ليبيغ مقاضاة غيره من مجرمي الحرب الألمان. وكما أشار الباحثان السوفيتيان في الشؤون الدولية: بولتراك ول. سافينكي، “أعلنت معاهدة فرساي لعام 1919 عقابية مخالفات قوانين الحرب وأعرافها وجاءت من هذه الناحية علامة متميزة على طريق إضفاء الطابع الجنائي على مثل هذه المخالفات. وبما أن ألمانيا لم تجادل هذا الواقع باستثناء النقطة العائدة إلى ما هية الجهة التي من شأنها أن تمارس القضاء: أما دول الائتلاف أما المحاكم الألمانية ـ فإن هذا الأمر كان معناه أن قواعد معاهدة فرساي وأحكامها أصبحت مصدراً قانونياً لجر مخالفي القانون الدولي في أثناء الحرب العالمية الأولى إلى المسؤولية الجزائية”.(17)
أما فيما يتعلق بأحكام المادة 8 من نظام المحكمة العسكرية فقد تمت صياغة موضوع مسؤولية المكلف بتنفيذ الأمر الإجرامي قبل إقامة المحاكمة في نورنبرغ. وفي المرافعات والمقاضاة التي جرت في ليبيغ عقب الحرب العالمية الأولى بموجب المواد 228 ـ 230 من معاهدة فرساي لعام 1919 أشير إلى أن “كون أفعال المتهمين ناتجة عن أمر مباشر أو غير مباشر صادر عن قائدهم لا يعفيهم من المسؤولية”.(18)

المراجع
1- غ. تونكين. “نظرية القانون الدولي”. موسكو، عام 1970، ص 457.

2- ل. موجوريان. “ذوات المسؤولية الدولية القانونية”، مجلة الدولة السوفيتية والقانون، العدد 12، عام 1961، ص 122.

3- ف. ليست. “اللمحة المنظمة في القانون الدولي”، يورييف، عام 1902، ص 193.

4- أ. فيردروس. “القانون الدولي”، موسكو، عام 1959، ص 414-418.

أ. كوركونوف. “القانون الدولي”، سانكت بطرسبرغ. عام 1886، ص 166.

5- د. ليفين، مصدر سابق، ص 102.

6- ف. ليست. “المؤلفات قيد الاستشهاد، الملاحق”، نظام قوانين وأعراف الحرب في البر.

7- ف. ليست، المصدر السابق.

8- ف. ليست، المصدر السابق.

9- د. ليفين، مصدر سابق، ص 106.

10- ن. بوليتين. “التيارات الجديدة في القانون الدولي”، باريس، عام 1927، ص 128-129.

11- “السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي في فترة الحرب الوطنية العظمى”، المجلد 3، موسكو، عام 1947، ص 102-103.

12- المصدر السابق.

13- د. هارس. “الحالات والمواد في القانون الدولي”، الطبعة الثالثة، لندن، عام 1983، ص 537.

14- “محاكمة مجرمي الحرب الألمان الرئيسيين في نورنبرغ”، 7 مجلدات، المجلد 7، دار نشر “الأدب الحقوقي” 1968 ص 368.

15- “القانون الدولي في الوثائق المختارة”، المجلد 3، دار نشر “العلاقات الدولية”، موسكو، عام 1957، ص 42.

16- انظر، بولانسكي، “العدل الدولي ومجرمو الحرب”، من منشورات أكاديمية العلوم السوفيتية، موسكو، عام 1945، ص 32-49.

17- أ. بولتوراك، ل. سافينكي. “النزاعات المسلحة والقانون الدولي”، دائرة نشر “ناؤوكا” موسكو، عام 1967، ص 367.

18- ن. بولانكي، مصدر سبق ذكره، ص 44-45.

المصدر: مجلة رؤية