الرئيسية » مقالات » قرن من عمليات الابـــادة

قرن من عمليات الابـــادة

 Rysard KAPUSCINSKI

ان الانظمة القومية والسلطوية والكليانية في عصرنا تشترك في نظرة الى الآخر باعتباره تهديداً يمثل القوى الاجنبية والهدامة. انها ظاهرة ثقافية عالمية. فليس من حضارة استطاعت مقاومة مرض الكراهية والاحتقار والتدمير الذي تنشره مختلف الانظمة في مختلف الارجاء. واذ يأخذ هذا المرض مداه يتخذ شكل الابادة المشؤوم الذي يشكل احدى السمات المأسوية والمتواترة في عالمنا المعاصر.

يستسهل البعض النزعة الملائمة لاعتبار مختلف فصول تاريخ الابادات كأنها حلقات “غير مفهومة” ومعزول بعضها عن البعض. فيرون في كل منها انفجاراً للغضب الجماعي. وبما انه، وعملاً بنظرية كارل ياسبرز حول الخطأ الماورائي، تلفنا هذه الاحداث بالعار فنحاول نسيانها في اسرع ما يمكن وتكليف المؤرخين المتخصصين شؤون البحث في هذه المسألة الدقيقة والمؤلمة.

رغم ذلك يكفي التوقف بعناية عند بعض عمليات الابادة من اجل رفض نظرية الانفجار اللاعقلاني. ففي اساس كل فعل ابادة هناك في الواقع ايديولوجيا كراهية يجري نشرها في صورة واسعة ومنهجية. اذ سبقت عمليات الابادة في كل مرة تحضيرات تقنية طويلة لا تتغير يؤمّنها الجهاز البيروقراطي للدولة الحديثة. هذا ما سمح لبعض علماء السياسة والفلاسفة من امثال زيغموند بومان ووالتر لاكور او حنه اراندت ان يتقدموا بهذا الطرح المقلق: ان الحضارة المعاصرة تحمل في طبعها وجوهرها وديناميتها سمات يمكنها ضمن ظروف وزمان محددين ان تولّد فعل ابادة. انها لخلاصة مخيفة وتحذير اخلاقي منذر بالخطر.

لكن متى يبرز خطر كهذا؟ تحديداً في اللحظة التي تحدث فيها قطيعة بين الثقافي والمقدس، أي عندما يضعف او يختفي البعد الروحي لثقافة ما، عندما يسيطر الخمول الاخلاقي على مجتمع ما فتضمر حساسيته على الفراغ والشر لتختنق وتدخل في سبات.

في النهاية ان الوصية المسيحية التي تتعرض اليوم لاكبر قدر من التجاهل والاستهزاء هي تلك التي تدعو الى محبة الأخ. لا بد ان العلاقة مع الآخر كانت تثير مشكلة في تلك الازمنة الغابرة بما ان احد اقدم النصوص المكتوبة يحتوي على وصية لا لبس فيها :”احب أخاك كما تحب تفسك “هل يجب الاعتقاد ان رفض الآخر، ان لم يكن شعور العداوة حياله،يشكل سمة متأصلة في الطبيعة البشرية؟ الواقع ان جميع ايديولوجيات الكراهية المعاصرة، القومية والفاشية والستالينية والعنصرية، استغلت نقطة الضعف المتمثلة في استعداد الانسان لرفض الآخر ومن باب اولى لرفض المجهول وهو شعور نجحت بعض الانظمة في تحويله عدائية ،لا بل استعداداً لارتكاب الجرائم.

لقد اتخذت نتائج هذه الحال المرضية احجاماً فظيعة في عصرنا هذا الذي زوّد السلطة بنية دولة فاعلة مجهزة باحدث التقنيات بما في ذلك تقنيات القتل. هكذا برزت ظاهرة الابادة الصناعية المخيفة.

ان الابادة عمل اجرامي عن سابق تصور وتصميم، يجري تنظيمه وتنفيذه بصورة منهجية بهدف القضاء على جماعات مدنية يتم اختيارها وفق معايير الجنسية او العرق او الدين.

لقد عرف القرن العشرون تسعة فصول من الابادة على الاقل (وكلمة “فصل” ليست الافضل لان هذه المجازر دامت لوقت طويل) وهي بالترتيب الزمني، مذبحة الارمن على يد تركيا الحديثة (1915-1916)، القضاء على ملايين الفلاحين الاوكرانيين بواسطة التجويع على يد النظام الستاليني (1932-1933)، افناء سكان نانكي وضواحيها على يد الاحتلال الياباني (1937-1938)، محرقة يهود اوروبا التي ارتكبها النازيون (1941-1945)، قتل ملايين الهنود المسلمين والهندوس عند تقسيم الهند (1947-1948)، ملايين الضحايا الذين سقطوا من جراء الثورة المعروفة بالثقافية والتي قادها نظام ماو تسي تونغ في الصين في السنوات 1950 و1960، تدمير الشعب الكمبودي (1975-1978)، القضاء على قسم كبير من شعب تيمور الشرقية بواسطة الجيش الاندونيسي والميليشيات الموالية لاندونيسيا ابتداء من العام 1975، تصفية جماعات التوتسي على يد نظام الهوتو في رواندا عام 1994.

هذه اللائحة ليست كاملة اذ كان القرن العشرون، بالاضافة الى ذلك ،غنياً بالاحداث الشبيهة ولكن يصعب تصنيفها بشكل جازم، خصوصاً في السودان وسييراليون والبلقان.

اذا بحثنا عن المعايير والقواسم المشتركة في متاهة الجرائم والاكاذيب والاحقاد هذه لبرزت معنا بعض الصفات المشتركة.

فجميع عمليات الابادة ليست نتاج ثقافة واحدة اذ ارتكبتها بلدان تنتمي الى دوائر ثقافية متنوعة. وهذا ما يبرهن على سخافة القول بوجود ثقافة معينة تتمتع باستعداد وراثي لارتكاب مجازر الابادة.

هناك رابط واضح بين الحرب والابادة، فجميع الحالات التي ذكرناها حصلت في جو من الحرب او التهديد بالحرب.

لم تحصل أي عملية ابادة في بلد تسوده الديموقراطية، وتبدو هذه حتى الان الحاجز الوحيد الفاعل في وجه نزاعات الابادة.

كل تخطيط لعملية ابادة قامت بها السلطة بدأت بتدمير صورة العدو او الضحية المقبلة في اوساط رعايا هذه السلطة. وكلما كان العدو المشار اليه موجوداً في قلب المجتمع المعنـي – داخل العائلة او القرية او المدينة او الجماعة- ما بدا خطيراً. فهو يعيش تحت السقف نفسه وقادر تالياً على اضرام النار في البيت ودس السمّ لساكنيه. ان عدوا بعيداً ومجرداً لا يتمتع بصفات مميزة يسهل تخيلها وتكون مخيفة بحيث تدفع الى ارتكاب المجازر.

يمكن ان يكون العدو متحدراً من اصول مختلفة -طبقة اخرى او ديانة او اثنية اخرى – لكن لجهة الدعاية تلصق به دائما صفة واحدة هي “عدو الشعب”. طوال القرن العشرين نظر اليه على انه تهديد للوجود القومي ويمثل الخطر الاعظم.

و يلاحظ البروفسور زيغموند بومان في مؤلفه “الحداثة والمحرقة”(1) ان نزعة الابادة وجدت في التقدم التكنولوجي سنداً لها حيث يسمح هذا التقدم بارتكاب عملية القتل عن بعد، وليس باليد مما يحرر المحرضين من الندم المحتمل. لكن هذا النمط ليس عمومياً اذ اعطى منظمو الابادة في رواندا عام 1994 الاوامر عن قصد الى ميليشياتهم بالقتل ليس بواسطة الاسلحة الاوتوماتيكية بل بالساطور. ان الذبح باليد يعزز على الصعيد الرمزي تماسك صفوف القاتلين.

وفي كل حال من الحالات يسبق الوصول الى المجزرة والى ابادة الجماعة المضطهدة حقبة من العذاب والتجويع والاذلال والارهاب ليشعر الضحايا بان الموت يصير نوعاً من انواع الرحمة والخلاص.

اخيراً وفي جميع الحالات ايضاً يجري تحضير عملية الابادة وتنفيذها في اطار اجتماعي تسوده ازمة اقتصادية وسياسية واخلاقية عميقة، في لحظة يكون فيها الضمير الديني متوارياً والمشاعر ضامرة وقدرة التمييز بين الخير والشر معدومة.

لقد شكل مرض السلطة المعاصر المتحول في حالاته القصوى الى الابادة، موضوعاً لمئات الكتب وآلاف الابحاث وكمية كبيرة من الوثائق. يظهر من قراءة هذه المواد انه يتم بحث كل عملية ابادة ومراقبتها على حدة، يصار الى وصفها بطريقة موضوعية طبعاً لكنها تدرس كعنصر مستقل لا علاقة له بجرائم اخرى مماثلة. لكن في الوقت الذي تتميز فيه هذه الفصول الشائنة بخصوصيتها – مثل الطابع الاستثنائي للمحرقة النازية- فان دوافع الجريمة وآليتها يتضمنان صفات مشابهة. وخصوصاً ان كل فصل منها لا يطاول فقط مجموعة معينة من الاشخاص – دينية او اثنية او اجتماعية او خلقية – بل يشكل كارثة جماعية تطال المجتمع باكمله. انها هزيمة كبرى للنزعة الانسانية وخطأ يقع على عاتق جميع اهل الارض.

ان التقويم التحليلي والشامل للقرن العشرين يجعل منه عموماً قرن النظامين الكليانيين، الفاشية والشيوعية، وقرن الحربين العالميتين. انه قرن اوشويتز وهيروشيما. في المقابل، لا نجد أي تأكيد انه كان قرن عمليات ابادة-مهما كانت القارة او الحقبة او الثقافة التي حصلت ضمنها- متكررة، مصممة ومنظمة على ايدي حكومات قائمة ادت الى عدد هائل من الضحايا الابرياء في اغلب الاحيان. بالفعل فان مجازر القرن العشرين تسببت بعدد ضحايا يفوق ضحايا الحروب العالمية. اما الدمار الماضي الذي تسببت به فيصعب عموماً تقويمها.

لماذا نرفض النظر الى زمننا على انه يولّد بشكل دوري ومنهجي يصعب فهمه هذا النوع من الجرائم الكبيرة؟ لماذا لا نبحث عن العلاقات الواضحة المعالم بين الابادة التي تسببت بها ثورة ماو تسي تونغ الثقافية وافناء ملايين السكان في كمبوديا ومئات آلاف الضحايا من الراوانديين؟ كل هذه الاحداث وقعت في الفترة نفسها ضمن قريتنا الكونية، عالم الاتصالات الفاعل والمعقد والمزود قدراً مفرطاً من المعلومات، كرة ارضية تحت الرقابة المشددة لشبكة من الاقمار الاصطناعية وحشد من موظفي المنظمات الدولية…

أليس التبسيط القائم على وصف كل عملية ابادة على حدة كأنها منفصلة عن تاريخنا الغاشم وتحديداً عن شطط السلطة في اماكن اخرى من العالم، اليس هذا التبسيط وسيلة لتفادي الاسئلة الفظة والاساسية المتعلقة بعالمنا وبالاخطار الجاثمة فوقه؟ ان فصول الابادة اذ توصف ويحدد لها مكان على هامش التاريخ والذاكرة، لا ينظر اليها كجزء من تجربة جماعية وكإمتحان مشترك يجمعنا كلنا.

هناك نتيجة مؤسفة اخرى: فغالباً ما يجهل الناس ضمن حضارة وقارة معينة انه يصار الى ابادة جماعة او شعب آخر فوق قارة اخرى ضمن دائرة ثقافة او اتنية اخرى. حتى جريمة من قياس المحرقة النازية يتم تجاهلها في افريقيا او الهند. فالجرائم المرتكبة داخل بلد محدد لا تعني سوى ضمير هذا البلد ونادراً ما تصل اصداؤها نحو ثقافات اخرى.

ان السلطة وخصوصاً الدولة التي ترتكب عملية الابادة تفلت من العقاب بشكل كبير. وتمثل محاكمة نورنبرغ استثناء جرت خلاله محاكمة قسم ضئيل من المجرمين النازيين. يحدث احياناً ان يجلس موظف دولة في قفص الاتهام. لكن عموماً يضعف العقاب كلما كانت مرتبة المجرم عالية في الدولة. يمكن ان يصل سفاح صغير الى حبل المشنقة لكن يصعب الوصول عموماً الى جلاد عالي المقام. تلك هي نقطة الضعف في نظام العدالة الدولية المتميزة بهشاشتها وتناقضها وانتهازيتها.

نادرة هي الحالات التي يعترف فيها مسؤولو دولة بانهم دبروا عملية ابادة. ويشكل الالمان الاستثناء الذي يثبت القاعدة. ففي غالبية الحالات الاخرى تنكر السلطة أي اتهام بالابادة او انها تحافظ على صمت متصلب. فالحكومة التركية لا تزال حتى اليوم تنفي تعرض مليون ونصف مليون ارمني للقتل في بلادها تحت الحكم العثماني. الحكومة الروسية تسكت عن موت عشرة ملايين فلاح اوكراني. حكومة بيجينغ ترفض الاتهام بالقضاء على عشرين مليوناً من مواطنيها في الستينات.

والاكثر احباطاً هو ضياع الرأي العام واللامبالاة الاخلاقية والعجز عن مواجهة الشر. فنعتاد على هذا الاخير الى درجة يفقد في نظرنا ما يحمله من انذار. فبعدما حمل الصفات الشيطانية صار منذ زمن طويل امراً معتاداً يتخذ مظهراً غير لافت يخدعنا بطابعه العادي ويذوب تماماً في يومياتنا.

واذا كان الشر في الماضي يرجع الى ظواهر من نوع الانفجار اللاعقلاني او الفورة غير المفهومة للغرائز العمياء او التعطش المحموم للثأر، فانه بات يظهر اكثر فاكثر على شكل تنظيم بارد ومخادع، فصرنا نتحدث عن “الاجرام المنظم” و “اللاشرعية المنظمة” و “الجريمة المنظمة” الخ.

وبما انه لا يوجد أي آلية او حاجز شرعي، مؤسساتي او تقني، قادر على مواجهة اعمال الابادة الجديدة بشكل فاعل، فان مواجهتها تكون بالمعنويات المرتفعة للافراد والمجتمعات: الضمير الروحي الحيّ، الارادة القوية لعمل الخير، التطبيق الدائم والمتنبه للوصية القائلة: “احب أخاك كما تحب نفسك!”.

——————————————————————————–

(*) صحافي، فرصوفيا. حصل كتابه الاخير Elène, Plon, Paris, 2000 على جائزة.


(1) Zygmunt Bauman, Modernity and the Holocaust, Polity Press, London, 1991.

المصدر:
http://www.mondiploar.com/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *