الرئيسية » مقالات » الأحزاب الكوردية ومسألة الوحدات الاندماجية

الأحزاب الكوردية ومسألة الوحدات الاندماجية

ليس خافياً لكل متتبع للوضع السياسي العام في سوريا وعلى الأخص للمهتمين بالشأن والقضية الكوردية، إن كانوا كورداً أو من الأخوة العرب وغيرهم من الأقوام والأعراق والتي تتوزع ضمن الجغرافيا السورية، بأن ملف الوضع السياسي الكوردي والقضية الكوردية عموماً تحتل مكانةً بارزةً في الشأن السياسي العام في سوريا وذلك من حيث الاهتمام والتداول السياسي بين الأطراف والفرقاء المعنيون بالقضية وأيضاً من حيث التفاف الجماهير الكوردية ومساندتهم ومعاضدتهم للأحزاب والقوى السياسية الكوردية حولها، وإن لم يكن بالدرجة والشكل المطلوبين والذي أحد أسبابه هو عائدٌ لتشتت الحركة الوطنية الكوردية وضعف برامج تلك القوى والأحزاب السياسية وأيضاً المناخ الأمني العام والذي تعيشه البلاد نتيجة فرض قانون الطوارئ والأحكام العرفية ومنذ حوالي نصف قرن مما خلق مناخاً من الخوف والرعب لدى المواطن السوري وأبعده عن الشأن العام وتحديداً العمل في ميدان السياسة وقضايا الوطن والمواطن.

وأيضاً تأخذ أهميتها؛ (أي القضية الكوردية في سوريا) من حيث عدالة هذه القضية وضرورة حلها بأسرع وقتٍ ممكن، كونها تعتبر من ناحية قضية وطنية وسياسية – حقوقية بامتياز؛ فهي قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية ومحروم من كافة حقوقه القومية المشروعة وبالتالي تمس حياة شريحة واسعة من المواطنين السوريين؛ (يقدر عدد الكورد في سوريا بحوالي 15% من سكان سوريا) ومن الناحية الأخرى تعتبر مدخلاً لفتح بقية الملفات العالقة في البلد ومنها ملف الديمقراطية والحريات العامة؛ حيث بتقديرنا لا يمكن حل تلك القضايا دون الاتفاق أولاً على حقوق الكورد وعدالة قضيتهم وبالتالي حل ذلك الملف وبالتوافق بين كل شركاء هذا الوطن الذي يضمنا.

كان لا بد من تلك المقدمة التمهيدية للدخول إلى لب الموضوع والذي نحن بصدد تناوله في مقالتنا هذه؛ أي العمل من أجل (لم الشمل) والوصول إلى تكوين أحزاب سياسية مدنية حقيقية وذات برامج واضحة وشفافة تلبي طموح الجماهير الكوردية من ناحية ومن ناحية أخرى تكون منسجمة مع روح العصر وما أفرزتها من مناخات سياسية مستجدة، وليس أحزابٍ هي أقرب إلى القبيلة والعشيرة منها إلى مؤسسة مجتمع مدني حضاري. وإن تحقيق هذا المطلب الجماهيري ولضرورات المرحلة ومتطلباتها، يجب العمل بجد وإخلاص وموضوعية وعقلانية من أجل توحيد هذه الفصائل والأحزاب الكوردية المتشتتة وذلك ضمن تكتلات سياسية حقيقية وذات فعالية ودور في الساحة الوطنية والإقليمية، وهذا ممكن نظراً لتقارب (برامج) قوى وأحزاب معينة لبعضها إضافةً إلى ما ذكرناه سابقاً من العوامل التي تساعد في تجاوز هذه الأزمة التنظيمية والحزبوية في جسد الحركة الوطنية الكوردية.

ولكن ومن الملاحظ إن كل الأحزاب وبعد انفصالها عن الحزب (الأم) وبعد قطع الحبل السري معها، فإن أول خطوةٍ تقدم عليها هي طرحها لمشروعها الوحدوي مع فصائل الحركة السياسية الكوردية ومن دون أن تنسى أن تضع الفيتو على الحزب (الأم) الذي أنشق عنه، مما أولد لدى الجماهير الكوردية قناعة راسخة بأن الغاية والهدف من هذه البرامج الوحدوية المطروحة هي نوع من المتاجرة السياسية والإعلامية بغية كسب تلك الجماهير وبالتالي الادعاء بأن (القطيع) الذي يتبعني (أي يتبع حزبه هو) أكثر عدداً من (قطيع) الحزب الآخر.

وتأكيداً على هذه النقطة فإنه يمكن العودة إلى تاريخ الحركة الوطنية الكوردية في سوريا وتشكيل أول حزب سياسي كوردي في عام 1957 باسم (بارتي ديمقراطي كردستان) ومن ثم تلاحق الانشقاقات التي حصلت ضمنها، ومنذ الانشقاق الأول في عام 1965 والذي عرف باليسار واليمين وإلى اليوم الذي نحن فيه تكررت حالات الانشقاقات وبشكلٍ خطير ومرضي مما شكل في الوعي الجماهيري جملة استفهامات حول الموضوع ومدى ضلوع يد الأجهزة الأمنية فيها وبالتالي التشكيك بـ(كل) هذه الأحزاب ومصداقيتهم في تبني وطرح القضايا الحقوقية والسياسية للشعب الكوردي ضمن هذه الجغرافية الكوردية والملحقة بسوريا.

ومن جانبٍ آخر – وكما قلنا قبل قليل – حيث يلاحظ أنه بعد انشقاق أي حزب كوردي تبادر مجموع الأحزاب الكوردية إلى الاعتراف بالحزب المنشق ومن دون الاعتراف بالحزب (الأم) في أكثر الأحيان وذلك كنوع من الانتقام من الخصم والمنافس القديم عند الاعتراف بوليده وتهميشه هو وهكذا وبعد الاعتراف بذاك الفصيل (الجماعة) المنشقة تتلهف مجموع الأحزاب تلك إلى ضمها إلى صفوفها إن كان بـ(وحدات تنظيمية) ارتجالية تفشل قبل أن تعلن كما رأيناها بين رفاق (البارتي) لكلٍ من (جماعتي نصر وآلوجي) – مع كل الاحترام لشخصيهما – أو يحاول ذاك الحزب الذي يكون له (تاريخ) ومد وهيكلية تنظيمية لحدٍ ما بين الجماهير الكوردية إلى إلحاق وضم هذه الجماعة الفتية إلى صفوفها عبر (وحدات اندماجية) حيث يمكن اعتبارها بـ(وحدة الضعفاء) لتقوية الحزب الجديد إلى أن يصل لمرحلةٍ يتعرض هو نفسه لمرحلة التكتلات والانشقاقات وتجربة حزب الوحدة مثالٌ على ذلك؛ حيث قام وفي كل مرة الاعتراف بالكتلة المنشقة من الحزب (الأم) ومن ثم ابتلاعه بوحدات اندماجية وكأنه هو الذي كان يقف وراء انشقاق تلك الأحزاب (القبائل) وبالتالي تقوية قبيلته – حزبه بزيادة عدد رفاقه وعلى حساب إضعاف تلك الأخرى.

أما الجهود الحقيقية في سبيل توحيد حزبين ذات تأثير وفعالية ووزن على الساحة السياسية الكوردية في هذا الإقليم فلم نجد إنها أثمرت ولو لمرة واحدة؛ حيث رأينا كيف انهارت التجربة الأولى عندما حاول الراحل (بارزاني الأب) في عام 1970 أن يوحد الجناحين؛ (اليسار واليمين) ويعيد اللحمة إلى جسد الحزب وتسمية المرحلة وقيادة الحزب بـ(القيادة المرحلية) إلا أن “الحبر لم يجف على الورق” وبدل أن يعمل الجناحين تحت راية تلك القيادة لغاية المؤتمر حتى يتم الاندماج الكامل في جسد التنظيم، فقد رأينا على العكس من ذلك حيث أصبح هناك ثلاث كتل سياسية منفصلة تعمل في الساحة. وأيضاً وكمثالٍ آخر فإن كل السنوات والجهود التي بذلت من قبل كل من الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) وحزب الاتحاد الشعبي الكردي في سوريا (حزب آزادي حالياً) باءت بالفشل وكلٌ يلقي باللائمة على الطرف الآخر – للأسف – ومن دون استكشاف الحقائق والوقوف عليه.

ومنعاً لتكرار هذه الحالة؛ إلقاء اللوم على عواهنه ومساهمةً منا للكشف عن الحقائق والعمل بشفافية فإننا سنقف عند التجربة الوحدوية الأخيرة والتي كانت من المزمع إجراءها بين فصيلين جديدين، كان (البارتي) مرة أخرى طرفاً فيه والطرف الآخر كان حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي). حيث قيل بأن بعض كوادر قواعد حزب الوحدة وفي لقاءٍ ودي مع رفاقٍ لهم في (البارتي) طرحوا مسألة الوحدة بين الحزبين فتم الرد – كما في كل مرة وفي جوٍ من المنافسة على من هو أكثر وحدوياً من الآخر – بالقبول بالمبادرة مباشرةً. وهذا الأمر أو الخبر عن (الصورة – الواقع) لا يبقى ضمن نطاق القواعد فقط، بل يصل إلى القيادة؛ قيادة كل من الحزبين. فيقوم الأخوة والرفاق في حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي) بتوجيه الرسالة التالية إلى: “الأخوة في اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ((البارتي))” وحيث يأتي حرفياً ما يلي: “تحية أخوية وبعد. توضيحاً لموقف حزبنا ومنعاً للالتباس ، وحرصاً من جانبنا على العلاقات الودية والعمل المشترك بين حزبينا الشقيقين ، نؤكد لكم تصوراتنا بصدد تشكيل لجنة مشتركة بين حزبينا ، تمهيداً للدخول في حوار وحدوي ناجح وهي: 1- أن يكون الحوار الوحدوي بإشراف القيادة. 2- أن يكون الحوار محدوداً بسقف زمني. 3- أن يكون التمثيل نسبياً لجميع مناطق وفروع الحزبين في المؤتمر التوحيدي. مع فائق التقدير والاحترام”.

إنه بقراءةٍ سريعة لمحتوى الرسالة السابقة يستبان لنا نقاطٍ عدة: أولها التأكيد على قضية أن قيادة حزب الوحدة أرادت بهذه العملية؛ (توجيه الرسالة تلك لقيادة البارتي) أن تقطع الطريق على قواعدها من التواصل مع (البارتي) منفردةً ودون إشراف القيادة عليه وبالتالي هي محاولة منها في الأخذ بزمام الأمور بيدها وذلك خوفاً من (انزلاق) تلك القواعد والالتحاق بصفوف (البارتي) كما فعلت هي نفسها مع غيرها من الفصائل والأحزاب، وفي محطات حزبية عدة، وهذه تعتبر دبلوماسية وتكتيكٌ ناجح ولكن لفترة ومرحلةٍ محددتين وليس على طول الخط – كما يقال – وخاصةً بعد أن تكشفت كل الأوراق والحقائق.

النقطة الأخرى، بل الشرط الثاني والذي تحاول قيادة حزب الوحدة فرضه على (البارتي) هي مسألة السقف الزمني والذي قيل فيما بعد بأنه حدد بستة أشهر، وحيث يشتم منه رائحة المناورة السياسية وخاصةً عندما نعلم بأن حزب الوحدة وبنفس التوقيت الذي أرسل بالرسالة تلك إلى (البارتي) دخل في حوارات مع (البارتي – جماعة نصر؛ مرة أخرى نؤكد احترامنا للأستاذ نصر الدين) وهو (أي حزب الوحدة) يعلم جيداً الحساسية التي بين الطرفين، فلو كان الأخوة في قيادة الوحدة جادون في قضيتهم هذه لأنجزوا الوحدة مع أحد الطرفين ومن ثم حاولوا مع الطرف الثالث، لا أن يحاور مع طرفين وهو يعلم جيداً بأن هناك تنافر بينهما. تلك كان من جانب ومن الجانب الآخر، ولو على سبيل الافتراض، بأن كتلة ما أو شخص ما نافذ في قيادة أحد هذين الحزبين عرقل جهود الوحدة خلال الشهور الستة هذه، هل يعني ذلك بأن إنجاز الوحدة بات من الماضي ولا يمكن تحقيقه مستقبلاً.

الشرط أو النقطة الثالثة والأخيرة والتي تحاول قيادة الوحدة إملاءها على (البارتي) هي مسألة (التمثيل النسبي) وهي الكفيلة وحدها بنسف كل الجهود الرامية إلى الوحدة؛ حيث يحاول الأخوة في حزب الوحدة ومن خلال هذا الشرط الإيحاء بأن حزبهم (قبيلتهم) هي (الأكثر) عدداً وبالتالي فـ(يحق) لهم أن يملوا شروطهم على الآخرين – البارتي هنا كمثال، مع العلم بأن هذا الشرط بات من الماضي لدى قيادة حزب الوحدة نفسه وذلك بعد هذا المد البارتوي وازدياد عدد رفاقه وفي كل المناطق وعلى الأخص منطقة عفرين والتي كانت تعتبر لفترةٍ قريبة (معقل) الوحدويين – وهكذا فإن شرط (التمثيل النسبي) وحده كان كفيلاً بعرقلة جهود الوحدة بين الحزبين ولأكثر من ستة سنوات وليس لستة شهور ونحن نعلم مدى نرجسية الانسان الشرقي وحبه في القيادة والسيطرة وبالتالي يكون قد تحقق الشرط الثاني في رسالة الأخوة في حزب الوحدة وعلى (وحدة) الحزبين السلام، بل ولربما (الحرب) وهذا تأكيد بأن الرسالة ليس أكثر من مناورة سياسية من قيادة حزب الوحدة لقطع الطريق على القواعد؛ قواعدها هي في بذل أي جهود من أجل وحدة الحزبين الحليفين.

ومع ذلك فقد قامت قيادة الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي) بتوجيه “الكتاب التالي: الأخوة والرفاق في الهيئة القيادية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا ((يكيتي)) تحية رفاقية وبعد. يسعدنا أن نجيب على رسالتكم الأخوية المؤرخة 2462006 مع إعلامكم بأن التأخير في الرد عائد لأسباب أصولية تنظيمية. نعتقد أن العلاقات الثنائية الودية التي كانت ولا تزال قائمة بيننا، تغني عن تشكيل لجنة تنسيق مشتركة بين حزبينا وفي مقدورنا الدخول في الحوار الوحدوي فوراً، وقد سبق للجنتنا المركزية أن اتخذت قراراً بهذا الخصوص وسمت لجنة من بين أعضائها لإجراء المباحثات الوحدوية، وقام سكرتير حزبنا بتبليغ رئيس حزبكم في دمشق بهذا الخصوص. نأمل أن تقوموا بتشكيل لجنة خاصة لإجراء مباحثات الوحدة أو إبلاغنا إذا ما كنتم ترون غير ذلك. وفقكم الله، وتقبلوا فائق تقديرنا”.

إن نظرة سريعة على الرسالتين ومن دون الخوض في التفاصيل والحيثيات والشروط وسياسات الإملاءات والتي تحاول ممارستها حزب الوحدة مع أطراف الحركة الوطنية الكوردية وفي أكثر من مناسبة وكان آخرها ما تم وحصل بصدد الاحتفال بعيد نوروز وخروج حزب الوحدة من الإجماع السياسي وعدم الالتزام بالقرارات التي اتخذتها هي نفسها مع بقية الأطراف في الإجماع، بل ومحاولة فرض إملاءاتها على الجميع وقد نجحت إلى حدٍ معين، ولكن وعندما بلغ السيل الذب – كما يقال – وقف الإجماع السياسي؛ (والذي ضم اثنا عشر فصيلاً ما بين كوردي وشيوعي) مُجتمِعً في طرف وبقي (حزب الوحدة) وحيداً محققاً معنى الاسم واللفظ وبأنه الوحيد والمنعزل وليس الواحد القهار.

نعم.. ومن خلال النظرة السريعة على الرسالتين السابقتين وقراءتهما بموضوعية يستبان وبوضوح بأن الأخوة في حزب الوحدة يدعون إلى “تشكيل لجنة مشتركة بين (الحزبين)، تمهيداً للدخول في حوار وحدوي ناجح”؛ وذلك بحجة “حرصاً.. على العلاقات الودية والعمل المشترك بين الحزبين الشقيقين”. بينما رؤية ودعوة (البارتي) هي: “أن العلاقات الثنائية الودية التي كانت ولا تزال قائمة بيننا، تغني عن تشكيل لجنة تنسيق مشتركة بين حزبينا وفي مقدورنا الدخول في الحوار الوحدوي فوراً، وقد سبق للجنتنا المركزية أن اتخذت قراراً بهذا الخصوص وسمت لجنة من بين أعضائها لإجراء المباحثات الوحدوية، وقام سكرتير حزبنا بتبليغ رئيس حزبكم في دمشق بهذا الخصوص. نأمل أن تقوموا بتشكيل لجنة خاصة لإجراء مباحثات الوحدة أو إبلاغنا إذا ما كنتم ترون غير ذلك”. ونعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى تعليق ولكن إلى توضيح فقط؛ بأن قيادة (البارتي) تؤكد على أن تلك الدعوة ما زالت قائمة كون الحزبان حليفان ويمكن توحيدهما بيسر وسهولة ودون الحاجة إلى لجان مشتركة للتمهيد للعملية وبالتالي فيمكن أن نتساءل وعند أي تأخير للعملية الوحدوية: من هو الذي يتهرب من توحيد الحركة الكوردية في سوريا وأليس دعوة هؤلاء لتكوين مرجعية كوردية إلا حبراً على الورق ونوع من المتاجرة السياسية؟.

جندريسه – 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *