الرئيسية » مقالات » الصابئة المندائيون بين عذاب التهجير وغياب التمثيل

الصابئة المندائيون بين عذاب التهجير وغياب التمثيل

تحقيق وتصوير 
تعيش في العراق اقوام عديدة.. متعددة الاصول والاعراق.. اذ نزحت الى ارضه اقوام من شتى البقاع وتوطنت وعاشت فيه واكلت من خيراته وطائفة الصابئة المندائيين يرجع تاريخ وجودها في العراق الى حقبة زمنية تتجاوز الالف عام.. وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم.. ويتمركز المندائيون في المناطق المحصورة في عيلام والطيب وعلي الغربي والعمارة في الجنوب… ويتوزعون في طلب الرزق في انحاء عديدة من العراق. ًوالصابئة المندائيون اناس يمتازون بالطيبة والتسامح والخلق الكريم.. وقد عانوا كبقية ابناء الشعب العراقي من ظلم واضطهاد واهمال وانكار لحقوقهم القومية والدينية.. عمل العديد منهم في المهن الحرفية مثل صياغة الفضة والذهب وصناعة الادوات الزراعية في مناطق الريف.
واشتهر فيهم العديد من الشعراء الذين تميزوا بالاصالة والابداع.. ومنهم من اثرى التراث الغنائي الريفي والشعبي العذب وتميزوا بطور من الغناء سمي باسمهم وهو طور الصبي… (نسبة الى الصابئة). شاركوا المسلمين بجميع مناسباتهم -فكانوا يشاركون في المواكب الحسينية -والمناسبات الشعبية والوطنية…مشاركة صادقة وعفوية.
وقد كتب عنهم المستشرقون -عن حياتهم واعمالهم وطقوسهم ولغتهم- ولعل اشهر من كتب عنهم المستشرقة البريطانية الليدي دراور التي عايشتهم مدة تزيد من الاربعين عاما في اماكن وجودهم في بغداد وجنوب وادي الرافدين..
وقد ظل التاريخ المندائي عند الكثيرين مجهولا لايعرف عنه الا النزر اليسير جدا فقد حرموا من اي مصدر تاريخ يبحث بشيء من التفصيل والواقعية بالتاريخ المندائي وجذورهم. الزواج عند المندائيين
الزواج عند المندائيين من الامور الجوهرية في العقيدة والايمان.. فالمرء غير المتزوج يعتبر غير كامل دينيا وروحيا.. لان فلسفة الزواج تعني الاقتران بقصد التكامل في الطبيعة والحياة و(لغرض الانجاب وديمومة العنصر). والمندائية تحرم اشد التحريم الرهبنة (الامتناع الارادي عن الزواج) والمندائية لاتسمح بالزواج مرة اخرى بعد وفاة احد الزوجين. لانها تعتبر الارتباط الذي جرى بينهما اثناء مراسيم الزواج بالروح وليس بالجسد وتؤمن بان الموت هو انتقال من الحياة الى الاخرى.
ومازال الصابئة المندائيون الذين يقطنون بلاد ما بين النهرين -يرتادون شريعتهم ومندي الطائفة في بغداد والجنوب.. لغرض تكريس واجبهم المقدس في العرس المندائي وبقية المناسبات الدينية وطقوسهم في الشريعة الواقعة على امتداد نهر دجلة (قرب مدينة الاعراس) وفي المندي الواقع في حي القادسية في بغداد.. وبرغم صعوبة الوضع الامني والظروف الاقتصادية المتردية… فان الصابئة المندائيين هم جزء لايتجزأ من الشعب العراقي لهم ماله من حقوق وعليهم ما عليه من واجبات ومنذ القديم يرتبطون بوشائج عديدة وشاركوا اخوانهم العراقيين في كل المواقف وتقاسموا معهم السراء والضراء.. ونالوا ما نالوا من ظلم وجور والم..
الحياة الدينية عند الصابئة
حملنا في جعبتنا اسئلة واستفهامات كثيرة وغامضة وتوجهنا بها الى مندي الطائفة.. وكان في استقبالنا (الاستاذ عدي اسعد خماس) مدير المكتب الاعلامي والاستاذ غزوان واستاذنا سماحة الشيخ خلدون ماجد عبدالله.. اذ تم اجراء لقاء لتسليط الضوء على هذه الطائفة سماحة الشيخ: من اين جاءت تسمية الصابئة.؟ وهل هي فئة دينية عريقة؟
-نعم انهم فئة دينية عريقة واصيلة -ومع هذا ترى الكثيرين يجهلون فحوى المصطلح الديني (الصابئة) فكلمة الصابئة المندائيين مشتقة من الفعل الارامي المندائي (صبا) ويعني اصطبغ -تعمد- ارتمس في الماء -اما كلمة المندائيين فهي مشتقة من (الصابئة المندائيين) المتعمدين العارفين بدين الحق. وقد ورد اسم الصابئة في ثلاث سور مباركة من القرآن هي: سورة البقرة وسورة المائدة وسورة الحج. واللهجة المندئية هي احدى لهجات اللغة الارامية المتفرعة من اللغات السامية.. وجميع المخطوطات الدينية قد دونت بها.. كما انها اللغة المتداولة في اجراء الطقوس والشعائر الدينية حتى الان..
*يقال انكم تأخذون اجورا كرسوم للزواج..؟ فهل هناك اعفاء للعوائل المتعففة من الرسوم؟ -نعم.. نعم نحن متسامحون جدا في هذه الاجور وننطلق من مصطلح (زدقا بريخا) شرط ان تدفع الصدقة- وهي ما يهبه المندائي مما يملك لاخيه الانسان الذي لايملك ويمكن ان تكون عينية او مادية على ان لايفسدها بالتشهير… ولدينا صلاحية على ابناء الطائفة -نجبرهم على اداء الاجر والصدقة، مثل صندوق الزكاة عندكم.
*ما هي الاماكن المقدسة لدى الصابئة المندائيين؟
-المكان الوحيد الذي ليس له ارض او عنوان هو النهر او الانهار وهي الاماكن المقدسة اي ماء جار فهو مقدس وتقدم عليه الطقوس تحديدا وليس لدينا غير الماء لان الماء هو اصل الحياة..
*هل توجد اماكن عبادة في بقية المحافظات؟!
-تكملة لجوابي الماضي -ضرورات الحياة املت علينا ان نتخذ اماكن خاصة للعبادة فاضفنا الاحواض الجارية -لذلك تعتبر حالة حضارية -في كل محافظة وخاصة المحافظات الجنوبية والوسط.
* هل تبقى المياه على حالتها -ام تدفأ شتاء؟
-نعم تدفأ في الشتاء ولايوجد مانع ديني..!
*هل التعمد المندائي واجب مقدس..؟
-كلمة المقدس جاءت بعد المسيحية وبعد التعمد للسيد المسيح (ع) من قبل النبي يحيى (ع) نعم فهو واجب -وكمال يقال من قبل الاخوة المسلمين (هو فرض عين). )المصبتا) بعد ولادة الطفل المندائي الشهر الاول. والتعمد يشمل الحالات الاتية:
1- الطفل الوليد حديثا.
2- في حالة طلب المغفرة والرحمة بعد ارتكاب الاخطاء وهناك موجب اخر.
– 3في حالة الطقوس الدينية قبل الدخول الى طقوس راقية.
*ما هي الاعياد والمناسبات الدينية المندائية؟
– 1العيد الكبير (دهواريا) ويسميه الناس (الكرصة) وهو عيد رأس السنة المندائية ومدته يوم واحد.
-2العيد الصغير (دهواهنينا) وهو عيد الازهار بظهور الحياة على الارض بأمر الخالق سبحانه وتعالى ومدته يوم واحد.
3-عيد الخليقة (البرونايا) وفيه تمت عملية الخلق ومدته خمسة ايام.
4-عيد التعميد الذهبي (دهواديمانه) وهو عيد تعميد النبي يحيى (ع) ومدته يوم واحد… وهذا التعميد واحد.
* المصالحة الوطنية.. ما رأيكم بها ما مدى تعاونكم في طروحاتها؟
-في هذا المجال نحن ندخل بالسياسة…! ولكن اقول لكم الحقيقة المندائية ليس لدينا اي منهج الا السلام والاخوة بين البشر.. واضرب لكم مثلا بسيطا انه عندما نذبح طيرا محللا للذبح فيجب ان يقوم شخص طاهر بذلك ويجب ان يشهد شخص على عملية الذبح -وبعد هذا يتم الاستغفار عن عملية الذبح -والسكين يجب ان تكون قبضتها من خشب – حتى لاتكون العملية قتلا فكيف اذن لانريد المصالحة والسلام. ورأيت الشيخ خلدون يمسك بعصا طويلة -هي غصن زيتون وعندما رآني اتطلع اليها قال
: -هذه العصا -تسمى مركنة- وهي تمثل الماء الجاري كما نضع قصبة بجانب السكين حتى لاتصبح العملية قتلا.. كذلك هذه الخشبة (العصا) تعود للماء الجاري.. كما في هذه العصا الشريعة اذ لاتكتمل الا بواسطة وجود هذه الخشبة.. كأنما (وهي طبعا ملاك) لانها وجدت من اصل حي.. لذلك شريعة رجل الدين لاتكتمل الا بهذه العصا.. لانها صلة وثيقة بالماء الجاري..
*ما هي برامج عملكم في المندي… هل هي مدعومة من ابناء الطائفة من الداخل والخارج؟
-صندوق الزكاة لايكتفي واحيانا التبرع لرجال الدين لايتم الا قليلا اذ ان ثقافة الزكاة عندنا ضعيفة..
* مدى تعاون الحكومة العراقية معكم في شؤون الطائفة؟
-الرعاية من قبل الحكومة لنا محدودة جدا او قل معدومة.. وان الحكومة جاءت بانتخابات وطنية وديمقراطية… ولكن للاسف الشديد اعمالها مازالت شكلية ونحن نعذرها بسبب المهمات الكبيرة التي تتحملها في مواجهة التحديات الجسيمة والارهاب.
* هل تقام هنا في المندي- مؤتمرات وندوات وورش تعليمية؟
-نعم كنا نقيم مثل هذه الندوات.. ولكن مع الاسف الشديد المعاناة الامنية قلصت- وبسبب الاوضاع الصعبة اختفت في وقتنا الحاضر فمثلا لدينا مدرسة مندائية لكن لانجازف في احضار بناتنا وابنائنا الصغار.
* هل للطائفة ممثل في مجلس النواب؟
-نعم كان لنا ممثل في الجمعية الوطنية -والان لايوجد والسبب هو المحاصصة الطائفية-وقلنا ان الديمقراطية ضد مسالة الطائفية ونطالب بفصل الدين عن الدولة وفصل السياسة عن الدين. ثم توجهنا الى سماحة خلف بالسؤال الاخير:
*ماذا تمثل العلامة او راية المندائيين؟!
-قال سماحته: هي عبارة عن قطعة قماش حرير طبيعي منسوج يدويا في الازمنة السابقة -وكان النساج هو الذي يحوك هذه القطعة- وهي رمزية فنسجوا منها علماً بطريقة معينة.. اتخذها ابونا يحيى عليه السلام.. كعلم فاكتسب القدسية.. وذلك بتثبيته امام منصة التعميد -وبمرور العصور اصبحت هذه الراية المقدسة كعلم للاطائفة لكن الغريب فيه عن بقية الاعلام ان هذه الراية تنصب على سارية ذات خشبتين (شبيهة بالصليب) ومن هنا حدث التباس بين الراية… والصليب المسيحي المقدس وان كان الصليب اداة تعذيب علق عليها السيد المسيح (ع) ولكن بالنسبة لنا المقدس هو الراية او قطعة القماش نفسها..
-واخيرا يناشد ابناء الطائفة المندائية السادة والقادة الشرفاء ان يلتفتوا بسرعة لوضع حد للابادة المنظمة ضد الصابئة المندائيين وخاصة ان اعدادهم بدأت بالتناقص بشكل مخيف وهجرتهم الى الدول المجاورة دليل على هذا الاضطهاد الذي لحق بالطائفة رغم قلتهم.
وتطالب الطائفة بوقفة جادة وحملة وطنية لمناصرتهم وحمايتهم قبل فوات الاوان.. اذ ان الخسائر اصبحت قاسية ومؤذية ومؤثرة بحقهم ولامن مغيث ولا من سامع ولامن مهتم بامرهم.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *