الرئيسية » مقالات » وطن وقضايا

وطن وقضايا

لن ندخل في سرد تاريخي عن التنوع الأثني – العرقي في سوريا، لكي ندعي من خلاله عن أقدمية التواجد والتنوع السكاني – الحضاري لهذه المنطقة، ولكن وبالعودة إلى التلال الأثرية وما أكتشف فيها من رقم وألواح ومن خلال أبحاث الأركيولوجيون عليها، نستنتج غنى هذا البلد وأقدمية الحضارات التي انبثقت عليها. وهكذا تعتبر سوريا واحدة من البلدان التي احتضنت مهد الحضارات القديمة؛ وكفاها أن دمشق أقدم عاصمة مأهولة، وأن أريحا التي في فلسطين والتي كانت جزءاً سوريا الكبرى (القديمة)، تعتبر أقدم مستوطنة في العالم، ولن ندعي ونقول بأن أقدم أبجدية انطلقت من سوريا ولكن السوريون كانوا من أولائك الأوائل الذين عرفوا الأبجدية ونظموا المدن عن طريق الخرائط الأولية كمدينة حبوبة الجنوبية القديمة والواقعة على الفرات على مقربة من سد تشرين الحالي.
إن هذه المقدمة الاستهلالية عن دور ومكانة وأقدمية سوريا كنواة حضارية في المنطقة، لا بل العالم، ليس نوعاً من الافتخار أو الادعاء الأجوف، لا على الصعيد الشخصي – المعرفي ولا على المستوى العام – الحضاري. وإنما لنبين للآخرين ولأنفسنا؛ نحن جموع المكونات الحضارية العرقية في هذا البلد العريق حقيقة وليس فقط شعاراً أيديولوجياً فارغاً كما يفهم منه اليوم نتيجة لاستهلاكه من قبل البعض، بأن هذا البلد الذي يضمنا قد عرف وعايش عشرات إن لم نقل المئات من الأعراق والحضارات القديمة والحديثة، كما هي حال جل الجغرافيات إن لم نقل جميعها؛ كون الحياة الرعوية والقبلية ومسألة الغزو والإغارة على الآخر كانت سمة الحياة الحضارية آنذاك، وبالتالي فلا يمكن لأحد أن يدعي أن هذه الأرض أو تلك الجغرافية هي ملك أبدي “بصكوك الغفران” له. هذه من الناحية التاريخية الحضارية، أما من حيث الوقائع على الأرض، فلا يخفى على أحد؛ من ذوي البصيرة أو عدمه، بأنه في سوريا الحالية مجموعة كبيرة ومتنوعة من التكوينات الاجتماعية وذلك من حيث الاختلاف العرقي أو الديني أو المذهبي وأخيراً الأيديولوجي، ولكن يجمعنا وطنُُ ُ واحد وإن تعددت القضايا.
وهكذا، وباختصار شديد؛ ليس أمامنا إلا قبول الآخر، كونه كائناً ووجوداَ حضارياً – تاريخياً وواقعاً وتجاوراً على الأرض من جهة ومن الجهة الأخرى، كون إن كل المسائل والمشاكل يمكن أن تحل بالحوار والحوار وحده؛ إن توفرت الأرضية والمناخات الملائمة وأيضاً الرغبة والإرادة والوعي الحر الليبرالي الديموقراطي. وبالتالي فليس أمام المكونات السورية وخاصة الأغلبية العربية، إلا العودة إلى طاولة الحوار والبحث بجدية وعقلانية وموضوعية في كل هذه القضايا التي تعاني منها البلد، وأولها مسألة الديموقراطية وحقوق الإنسان، أي ما يتعلق بالجانب السياسي من المسألة، فلا إصلاح ولا تغيير في البلد وفي أي جانب من جوانب الحياة، من دون إصلاح سياسي حقيقي كمدخل وبوابة أولية لها. أما مسائل الرتوش أو التزيينات والترقيعات الخارجية فلن تجدد الثوب الرث وسوف لن تحل قضايانا ومشاكلنا عن طريق محاسبة هذا المسئول الفاسد أو البدء بإصلاحات اقتصادية والحفاظ على الركود والقوانين السياسية الاستثنائية والتي تقيد الحراك الديموقراطي في البلد.
وهكذا فإن “موضوع الأقليات في الوطن وخاصة القضية الكردية” تعتبر واحدة من جملة المسائل والقضايا الديموقراطية في سوريا مع ما لها من خصوصية، وذلك من النواحي التاريخية والجغرافية والسكانية والحقوقية؛ حيث أن تاريخياً وكما قلنا في أكثر من مناسبة وأكثر من موضع، بأن هذه الأرض والجغرافية لم توهب من الأزل وإلى الأبد لمجموعة عرقية من قبل “إله” خالد؛ كما يدعيه المغالين والمتطرفين من الإسرائيليين، وهي أيضاً لم تكن ومنذ آلاف السنين أرضاً ووطناً تاريخياً لمجموعة عرقية – أثنية من دون سواها، وذلك كما يدعيه المغالين والقوميين العرب، بل إنها – وكما قلنا سابقاً – احتضنت وما زالت تحتضن العديد من الحضارات والشعوب. والكورد واحدة من تلك الشعوب التي استوطنت، كما غيرها من العرب والسريان والآشوريين والآراميون والحثيين والميتانيين وإلى غيره من الأقوام والأعراق، على هذه الأرض والجغرافية، ولن ندعي ونقول منذ آلاف السنين كما يفعله بعض الأخوة من العرب المغالين عندما يدعون بأن هذه جغرافيتهم منذ زمن “آدم وحواء” وينسون بأن التاريخ البشري لم يعرف الانتماءات العرقية والأقوامية إلا في مراحلها المتأخرة وليس منذ فجر التاريخ.
وهكذا يمكننا القول إن هذه الجغرافية التي تعيش عليها الكورد في سوريا هي كوردستان أو جزء من كوردستان الكبرى؛ كون الكورد مقسمين ومجزئين بين دول عدة. فهي؛ أي كوردستان، من الناحية التاريخية قد سكن وعمر من قبل هذا الشعب ومن حيث الواقع على الأرض فما زال الكورد يقيمون عليها، وكما تعرف باكستان وأفغانستان وكازاخستان وغيرها من الدول التي تحمل أسم ساكنه من الناحية الأثنية العرقية، فإن كوردستان لا تشذ عن هذه القاعدة.
أما الأسباب الأخرى والتي تعطي بعض الخصوصية للمسألة الكوردية في سوريا، فهم؛ أي الكورد في سوريا ومن حيث الحجم والتوزع الديموغرافي والذي هو بحدود ثلاثة ملايين كوردي ويتوزعون في ثلاث جغرافيات مناطقية كبرى؛ ألا وهي القامشلي وعفرين وكوباني، يشكلون أكبر مكون سكاني سوري من بعد العرب، هذا من جانب ومن الجانب الآخر ما تعرض ويتعرض له الكورد، وخاصة من قبل المشاريع العنصرية – القومجية؛ من حزام وإحصاء وتعريب للمناطق الكوردية والفصل التعسفي للطلبة والموظفين الكورد والملاحقات الأمنية لكل كادر سياسي ومثقف كوردي وغيرها من المضايقات والملاحقات الأمنية بالإضافة إلى حرمان الكورد من أبسط الحقوق الإنسانية؛ من سياسية وثقافية واجتماعية، والتي كفلتها كل المواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان وحيث وقعت عليها كل دول العالم ومنها بلدنا، تعطي القضية الكوردية في سوريا هذه الخصوصية. ناهيك عن أن الكورد لم يقصروا في الذود عن الوطن وخاصة عند المحن ويكفيهم فخراً؛ أن أول من أطلق الرصاصة الأولى في وجه المحتل الفرنسي كان كوردياً.
ولكن طرحنا أو بالأدق حقيقة وجود القضية الكوردية في سوريا على أنها قضية أرض وشعب “لا تفسد للمسألة من ود” ولا تعني على أنها نزعة انفصالية عدائية تجاه الوطن أو أن الكورد “يريدون اقتطاع جزء من الوطن وإلحاقه بدولة أجنبية” – من دون أن يسموا تلك الدولة – وذلك كما تدعيه الأجهزة الأمنية وبعض المتطرفين من الأخوة العرب من مثقفين وسياسيين عروبيين قومجيين، لا يجدون في الآخر إلا “عدواً” ويجب دحره وإلغاءه من الوجود. إن هذا الاعتراف بالحقيقة الكوردية لا تعني “العداوة” تجاه الآخر كما لا تعني بالضرورة القطيعة والانفصال، وهذه ليست مجاملة أو “خطاب تقية” كما أسماها بعد “فقهاء السياسة العروبية”، بل إننا نقول ونؤكد؛ أنه من مصلحة الكورد كما من مصلحة كل المكونات والطيف السوري المتنوع أن يبقوا ضمن بلد ووطن واحد، لا بل إنه من مصلحة مجموع هذه الشعوب التي تتجاور في الشرق أن تتحد على غرار الإتحاد الأوربي ككتلة اقتصادية – اجتماعية وسياسية وبحيث تراعي مصالح كل تلك المكونات، لا أن تكون مزرعة لفئة على حساب بقية المكونات الأخرى لها، كما هي الحال في معظم بلدان الشرق.
وهكذا نكون قد أسسنا أوطان حقيقية وتكون بداية انطلاقتنا للمستقبل، أما هذه العقلية الإلغائية الإقصائية والسائدة خاصة في العالمين الإسلامي والعربي، فلن تنتج إلا المزيد من العنف والدمار في بلداننا وتجعل من الآخر المهمش والملغى والمختلف معنا؛ أي مع الأكثرية العربية أو السنية أو البعثية، إلا أكثر تمترساً خلف خصوصياته العرقية والدينية والمذهبية والسياسية وأخيراً أو أولاً الجغرافية، فلذلك إن الانفتاح وخاصة من قبل الأكثرية على المكونات الأقل كثافة وحضوراً سوف تخلق أريحية لدى هذه الأقليات في التعاون معه، وبالتالي تؤسس مناخات سياسية حقيقية بأن نتعايش ضمن أوطان تحقق العدالة الاجتماعية ولمختلف المكونات. وهكذا نعتقد وحسب قراءتنا للتاريخ والواقع الراهن، أنه لا طريق أمام الأغلبية العربية غير الإقرار والاعتراف والحوار مع هذا الآخر الكوردي، الآشوري و.. وأنه سيوصلنا إلى بر الأمان و إلا فسوف تكون هناك المزيد من الخراب والدمار وإن الطوفان سوف يجرفنا جميعاً أقليات و.. أكثريات.
أما ما يتعلق بمسألة “العلاقة بين الداخل والخارج على مستوى المعارضة”، فلا نعتقد أن خروج الابن من دار والده تفقده “الابنوية”؛ من الابن أو أسم العائلة. فهذه المعارضة التي في الخارج ولم نقل المعارضة الخارجية؛ فهم من جهة أبناء هذا الوطن وما زالوا يحملون الهوية السورية، بل ويؤكدون على ذلك من خلال اهتمامهم وعملهم في الشأن السياسي العام في البلد، ومن جهة أخرى هم لم يختاروا العيش في الخارج بل فرض عليهم، على الأقل جلهم لظروف سياسية أو معيشية، ونحن هنا لسنا في معرض الحديث عن هذه الأسباب ولكن كل مهتم بالشأن السوري يدرك تماماً الظروف التي دعت إلى خروج هذا الطيف الواسع من أبناء البلد والتشتت في الخارج، وعليه فإن الكثير من هذه التنظيمات والأحزاب وخاصة الفاعلة منها على الساحة السورية عامة والكوردية خاصة، لها حضورها في الداخل والخارج معاً ويعتبر جسماً تنظيمياً واحداً، وهنا نسأل أصحاب نظرية “المعارضة الداخلية وطنية والخارجية عميلة” ما رأيهم بهؤلاء، هل نصفهم عميل والنصف الآخر وطني.
إن الجغرافية لا تحدد مقدار الوطنية، وما هذا التقسيم الجغرافي من قبل الذين يتحكمون في مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية في البلد، ليس إلا لضرب صف المعارضة ومحاولة منها لتزيد من تفتيت وحدتها المفتتة أصلاً، وبالتالي إضعافها وتشتيت قواها وجعلها “قميص عثمان” في وجه من هم في الداخل وهكذا تخوينهم وإدانتهم وذلك عند أي محاولة لرص الصفوف وتوحيد الجهود من أجل إصلاحات حقيقية في البلد. وهكذا تكون قد حيدت قوى أساسية وفاعلة من المعارضة، هذه من جهة ومن جهة أخرى تكون قد أعطت لنفسها المبرر القانوني والدستوري لمحاكمة أي معارض في الداخل يتعامل أو يتصل بمن هم في الخارج، كما تفعلها الآن، وهذه أيضاً تنصب في مصلحة من يريدون فرملة عجلة الإصلاح والتغيير في سوريا.
ولذلك فإننا لا نؤمن بمفهوم المعارضة الداخلية وطنية والخارجية عميلة؛ على أنها تستقوي بالخارج وأن خطاب الذين في الداخل خطاب وطني مع أن الجميع يدرك أنه خطاب تقية إن لم يكن في كلها ففي جلها على الأقل، و إلا ما معنى أن يكون خطاب هؤلاء “وطنياً” وهم في الداخل ولكن وبعد نزولهم في أول مدرج أجنبي ينقلبون على خطاباتهم تلك ويطرحون برامجهم ومشاريعهم الحقيقية، وهكذا نستنتج إن خطابهم في الداخل كان “خطاب تقية” وتحت سقف “الخطوط الحمر” وما أكثرها. وعلى هذا الأساس نؤكد أن هناك معارضة سورية واحدة إن كانوا في الداخل أو الخارج، وبالتالي علينا أن نعمل معاً لأجل خدمة هذا البلد مهما كانت تبايناتنا في وجهات النظر ولكن على أسس وطنية تخدم مصالح كل المكونات السورية وتجد في الجميع على أنهم شركاء حقيقيين في هذا البلد وليس على أساس أن بعضهم أسياد البلد وما الآخرين إلا عبيد وأرقاء أو على الأقل “وافدون وأقزام” على حد تعبير أحد المثقفين المحسوبين على المعارضة والموقعين على “إعلان دمشق” والذي؛ أي الإعلان، “لا يغني من جوع” وإنما هي خطوة على الدرب ولكنها خطوة كسيحة.
وأخيراً وما يتعلق بالنظام أو الجهاز الإداري “المؤسساتي” والعلاقة معه، فإنها تعتبر من أكثر النقاط حساسية أو أكثر النقاط الإشكالية الخلافية بين الأطياف والمكونات السورية وعند الطرفين؛ المعارضة والموالاة – والموالاة نعني بها أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية”، وعلى ذكر الجبهة وأحزابها نقول إنها تتحمل مسؤولية كبرى بما آلت إليه الأوضاع في البلد كونها جبنت وسكتت عن سياسات وأخطاء حزب البعث وتفرده بالسلطة في البلد – وذلك نتيجة لغياب الوعي الديموقراطي الليبرالي الحر ومؤسساتها الفاعلة من جهة ومن الجهة الأخرى نتيجة حكر واستلاب السلطة من طرف سياسي وحيد وهو حزب البعث وذلك بموجب قرار استثنائي ضمن “مشروع قانون الطوارئ والأحكام العرفية” والذي حول بموجبه البلد إلى دولة ما قبل المدنية أو الدولة الأمنية، كما تطرح في الخطاب السياسي للمعارضة، ولن نقول الدولة القبلية الطائفية الحزبية العائلية.. الخ. مع إننا نجد كل هذه النماذج في واقع المؤسسة الحالية، بهذه الدرجة أو ذاك، وهذه تعبر عن واقع الحال للتركيبة السكانية لسورية ومستوى الوعي المدني لمجتمعاتنا الماقبل مدنية. لكننا لسنا بصدد شرح مواقف هؤلاء أو أولئك وتبايناتهم التنظيرية على هذا الصعيد أو ذاك في هذه المسائل والقضايا الإشكالية، لذلك سوف نبدي وجهة نظرنا ككاتب ومثقف كوردي “مستقل”.
إن النظام أو القائمين عليه هم جزء من الواقع السياسي والمناخ المعرفي الثقافي العام والسائد في المنطقة والتي بلدنا جزء منه، وهم لم يأتوا من فضاءات ومناخات أخرى؛ ببساطة نقول بأنهم لم يصدروا إلينا من كواكب أخرى؛ بل هم يمثلون الواقع الثقافي السياسي الراهن أو على الأقل يمثلون جزء من المكون أو الطيف السوري والذي هو بدوره؛ أي ذاك الجزء الذي يمثلونه مهما كان حزبياً – بعثياً، دينياً – إسلامياً، طائفياً – علوياً، عشائرياً.. فهو نموذج ماكيتي معماري عن البنية الفكرية والعقلية في الشرق الذي ما زال يعاني ويعيش تحت هيمنة الفكر الشمولي الاستبدادي؛ أي ما معناه ليس صحيحاً إنه ومن خلال الإطاحة بهذا النظام واستبداله بغيره من هؤلاء والذين يعتبرون من رموز المعارضة نكون قد أوجدنا أو وصلنا إلى نهاية هذه الدوامة من الفكر ألإلغائي والعنف الاستبدادي، بل إننا على يقين تام بأنهم سوف يمارسون نفس أعمال وتصرفات هذه السلطات وإن لم تكن أكثر استبداداً، وقد رأينا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي نتائج الانقلابات العسكرية في سوريا وما أدت إليها.
وبالتالي فالعلة والخلاف ليس مع هذه الشخصية أو الحزب أو الطائفة أو الدين أو القومية أو تلك، وإنما هي في مجموعة القوانين والنظم التي نسير بها حياة مجتمعاتنا؛ بل هي في تلك المبادئ والقيم والقناعات والأيديولوجيات والأعراف والنصوص التي نعتمد عليها في رسم ملامح استراتجياتنا السياسية المستقبلية؛ إنها بالإطلاق أسس ومبادئ ما قبل الدولة المدنية الحديثة، تلك الدولة التي تجعل من اعتمادها على الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الإنسان وكافة القوانين والدساتير التشريعية بحيث تجعل من مواطنها أعلى قيمة اعتبارية وقانونية وإنسانية، فالدولة التي تجعل من الإنسان أرخص شيء وبحيث يحتل المرتبة الأخيرة في سلسلة الأشياء والتي ذو قيمة، لا يستحق أن يسمى وطناً. الوطن يجب أن يكون الحاضنة التي تشعرني بالأمان والكرامة بل بالحرية أولاً وأخيراً، أن يكون بديلاً عن الحاضنة الأولى للحالة الجنينية للإنسان، بديلاً عن بطن الأم لجنينه يربطه بها تلك الصرة والتي تؤمن له / لها الحياة والحماية وأيضاً الكرامة الإنسانية.
ولذلك واستناداً على تلك القناعات إننا نقول: خلافنا ليس مع الأشخاص أو الجهات التي تدير هذه الحكومات والسلطات أو “المؤسسات” وإنما وكما قلنا قبل قليل، مع القوانين والدساتير التي نعمل بها وبالتالي فلو أتينا وعلى سبيل الافتراض وليس فعلاً احتلالياً؛ من الاحتلال، وحتى لا نتهم بأننا ندعو لاحتلال بلدنا ولا نعتقد أنه يوجد شخص عاقل في العالم يدعو لاحتلال بلده، مع أن وفي ظل الظروف الدولية الجديدة تغير الكثير من الأمور والوقائع على الأرض ومنها مسألة الدولة الوطنية والداخل والخارج وبالتالي يجب أن تتغير مفاهيمنا ومصطلحاتنا عنها أيضاً وهذا بحثاً آخر، ربما نخوضه في أماكن ومناسبات أخرى. نعم إننا نقول لو أتينا برئيس دولة أوربية واسكندينافية وجعلناه رئيساً وحاكماً في بلداننا وفي ظل هذه الدساتير والقوانين التي تحكمنا، فلسوف نجعل منه سيداً أبدياً وحاكماً مستبداً على شاكلة حكامنا.
وبالتالي وكخلاصة لهذه الآراء والقناعات نقول؛ علينا بتغيير دساتيرنا وقوانيننا التي نعمل وفقها، ومن قبلها علينا بتغيير نصوصنا “المقدسة” أو التي تقدست مؤخراً، وذلك كي تتلاءم مع ظروف ومناخ الواقع والحالة الإنسانية في القرن الجديد.. إن الحياة في حركة تصاعدية تقدمية مستمرة بينما “نصوصنا” توقفت عند مرحلة تاريخية معينة، وهنا تكمن أزمتنا وعلينا إيجاد المخارج و إلا فإننا نحكم على مجتمعاتنا بالفقر والتخلف والتبعية والمزيد من العنف والاستبداد والفكر الطائفي القبلي والمذهبي السياسي و.. والتي تجعل من ذواتنا أنات متسرطنة “إلهية” لا ترى في الآخر إلا إبليساً ملعوناً وعلينا أن نطرده من فراديسنا، أحزابنا.. أوطاننا.
إننا هكذا نرى القضية والعلاقة مع الآخر؛ مهما كان ذاك الآخر.

جندريسه – 2006