الرئيسية » مقالات » الهولوكوست والعرب… حقائق منسية

الهولوكوست والعرب… حقائق منسية

هل أنقذ وساعد العرب اليهود خلال المحارق النازية “الهولوكوست The Holocaust؟ يجيب هذا الكتاب بالإيجاب على هذا السؤال بعدما قام كاتبه بقضاء ما يقرب من أربع سنوات مسافرا ومتجولا ومحققا في دول شمال أفريقيا وجنوب أوروبا.
وعلى الرغم من وجود مؤسسات لتخليد ذكري من قاموا بمساعدة اليهود في فترة المحرقة النازية إبان الحرب العالمية الثانية مثل معهد “ياد فاشم Yad Vashem، والذي قام وحده بتكريم حوالي عشرين ألف شخص ممن قاموا بإنقاذ أرواح الكثير من اليهود، فإن المعهد لم يكرم أيا من العرب الذين قاموا بعمليات بطولية لإنقاذ الكثير من اليهود في نفس الفترة. وكانت حقيقة غياب أي أسم عربي دافعا لروبرت ساتلوف للبحث في هذا الموضوع. ويرى ساتلوف أن مثل هذا الموضوع قد يساهم في تغيير الصورة التي ينظر بها اليهود إلي العرب، والعرب إلى اليهود، في محاولة لسد الهوة بينها عن طريق عرض حقائق تاريخية أغفلها المؤرخون إما عمدا وإما تقصيرا منهم.

وبمناسبة طرح الكتاب تحت “Among the Righteous: Lost Stories from the Holocaust’s Long reach into Arab Lands”
عقد معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ندوة لمناقشة الكتاب الجديد ودور العرب في إنقاذ اليهود، وتحدث فيها ساتلوف الذي يشغل منصب المدير التنفيذي للمعهد المذكور، وهو أحد أقرب المراكز البحثية المدافعة عن حقوق إسرائيل بالعاصمة الأمريكية، ويعرف بقربه من منظمة آيباك. وتحدث كذلك السيد أكبر أحمد رئيس قسم الدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية والسفير الباكستاني السابق لدى بريطانيا، وجريج ريكمان المبعوث الخاص لمراقبة ومكافحة معاداة السامية لدى وزارة الخارجية الأمريكية…وفيما يلي ما تم عرضه في هذه الندوة.

روبرت ساتلوف: الهولوكوست قصة عربية توحي بالأمل!
يرى ساتلوف أن من بين جميع أشكال معاداة السامية في المجتمعات العربية يعد إنكار الهولوكوست أو المحرقة النازية واحدا من أكثر هذه الأشكال إيذاء وأوسعها انتشارا. وبوجه عام يتخذ هذا الإنكار واحدا من ثلاثة أشكال:
1 إنكار صريح.
2 تمجيد للهولوكوست.
3 تصغيره أو تتفيهه.

ويضيف قائلا: “لا يسدى أحد للعرب معروفا حين يعفيهم من الاعتراف بتاريخ الهولوكوست أيا كانت صلته بنزاعهم السياسي مع إسرائيل، ولأن نظريات الجهاديين تستهدف ائتلاف الصليبيين واليهود”. واستثناء العرب من تاريخ الهولوكوست لا يفيد الولايات المتحدة بشيء. ويرى ساتلوف انه في الوقت الذي لا يميل المتطرفون إلى تغيير آراءهم، ما يزال لدى ملايين العرب رؤى غير كاملة عن هذه الحقبة التاريخية”. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يمكن الاقتراب من هذا الجمهور العربي إذا ما أراد الشخص تغيير هذه الرؤى العربية الناقصة عن الهولوكوست. ويرى ساتلوف أن أحد الحلول يتمثل في تقديم هذه القضية على أنها قضية عربية إيجابية مليئة بالأمل، لذا بدأت بالبحث عن عرب ممن ساهموا في حماية وإنقاذ يهود أثناء مرحلة الهولوكوست.

وعلى الرغم من أن الهولوكوست قصة أوروبية بكل المقاييس، إلا أنها قصة عربية أيضا. فقد سيطر الألمان وحلفائهم على شمال أفريقيا، وهو ما كان موطن لأكثر من نصف مليون يهودي. ولكن أثناء فترة السيطرة هذه التي امتدت من يونيو 1940 إلى مايو 1943 قام النازيون وشركاؤهم من حكومة فيتشي الفرنسية وحلفاؤهم من الإيطاليين الفاشيين بتطبيق عدة أمور للتضييق على اليهود، ولم تقتصر هذه الأمور على القوانين التي تحرم اليهود من الثروة والتعليم وأسباب العيش وحرية الانتقال فحسب، بل امتدت لتشمل التعذيب وعمالة العبيد وعمليات الترحيل وتنفيذ أحكام الإعدام. ولم يكن هناك معسكرات للموت بل كان يتم إرسال آلاف اليهود إلى أكثر من مائة معسكر للأعمال الشاقة أكثرها كان معد لليهود خصيصا.

ولم يهلك إلا واحد بالمائة فقط من اليهود في شمال أفريقيا- أي ما بين 4000 إلى 5000 يهودي- أثناء سيطرة دول المحور على شمال أفريقيا، وهو رقم ضئيل مقارنة بهلاك أكثر من نصف يهود أوروبا. ولو لم تقم القوات الأمريكية والبريطانية بإخراج قوات المحور من القارة الأفريقية في مايو 1943 لكان قد واجه يهود المغرب والجزائر وتونس وليبيا وربما حتى يهود مصر وفلسطين نفس مصير يهود أوروبا دون أدنى شك.
وفى خضم ذلك لعب العرب دورا رئيسيا. في الواقع لم تختلف أفعال العرب كثيرا عن أفعال الأوروبيين، ففي ظل الحرب الدائرة حولهم تمتع البعض منهم باللامبالاة، وشاركت نسبة منهم وشملت الموظفين العرب في المحاكم الملكية والحراس العرب في معسكرات العمل وهؤلاء ممن فتشوا البيوت للبحث عن اليهود. ولولا المساعدة التي قدمها العرب المحليون على جميع المستويات لكان من المستحيل فعليا اضطهاد اليهود. ورغم ذلك كان هناك من العرب من خاطروا بكل شيء لمساعدة اليهود.
لقد رحب العرب باليهود في بيوتهم وقاموا بحراسة نفائسهم مما أعجز الألمان عن مصادرتها وشاركوهم في مؤنهم الضئيلة، كما حذروا القادة اليهود من غارات السفن الألمانية. وقد قدم سلطان المغرب وباى تونس دعما معنويا وأحيانا مساعدة عملية لرعايا اليهود. وفى الجزائر العاصمة التي كانت تحت سيطرة حكومة الفيتشى الفرنسية، كان الوعاظ المسلمون في شعائر يوم الجمعة يحرمون على المؤمنين الاستيلاء على ثروات اليهود المصادرة، ولم يشارك عربي واحد في الاستيلاء على ثروات اليهود.
وهناك أيضا قصص جديرة بالملاحظة عن عمليات إنقاذ اليهود، ومنها قصة “سى على السقاط” الذي فتح مزرعته لستين يهوديا من الفارين من معسكر عمل المحور وخبأهم إلى أن جاء التحرير على يد الحلفاء. وهناك أيضا “خالد عبد الوهاب” الذي انتشل العديد من الأسر في منتصف الليل وأخذهم إلى عزبته بالريف ليحمى أحد نسائهم من افتراس ضابط ألماني كان عاقد العزم على اغتصابها.

وهناك دليل قوى على أن العربي الأكثر تأثيرا في أوروبا السيد “سى قادور بن غابريت” رئيس جامع باريس العظيم قد أنقذ ما لا يقل عن مائة يهودي حيث جعل الموظفين الإداريين بالجامع يقومون بإعطائهم شهادات هوية إسلامية تمكنهم من تجنب إلقاء القبض عليهم وترحيلهم. هؤلاء الرجال وغيرهم كانوا أبطالا حقيقيين.
ويطرح ساتلوف سؤالا هاما وهو لماذا التردد في الاعتراف بهؤلاء الأبطال؟ أحد أسباب ذلك هو الصراع مع إسرائيل خلال الخمسين عاما الماضية، ولكن ليست إسرائيل وحدها من قامت بإشعال معاداة العرب للسامية. ومع ذلك إذا كان العرب قد ميزوا تمييزا واضحا بين اليهود والصهاينة، فلماذا إذن أجبر 99% من اليهود في الأراضي العربية على المغادرة في أعقاب تأسيس دولة إسرائيل؟ من المهم الإشارة إلى أن هذه الطوائف الصغيرة المتبقية من اليهود والتي ما تزال تعيش في الأراضي العربية هم أنفسهم من أقل الذين يرغبون في التحدث عما حدث في الحرب العالمية الثانية لخوفهم من إثارة مشاعر عداء إضافية.
هذه القصص، قصص الأبطال العرب وكذلك الأشرار ذات أهمية قصوى والعرب في حاجة إلى سماعها وخاصة من معلميهم ووعاظهم وقائديهم. وعلى الأمريكيين أيضا مسئولية مساعدة العرب على فتح عقولهم على هذا الفصل المنسي من تاريخهم. وفى فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر يعد الاستثمار في التسامح داخليا وخارجيا قضية أمن قومي من الدرجة الأولى.

أكبر أحمد: ضرورة معرفة التاريخ
جاءت كلمات أكبر أحمد حماسية بخصوص هذا الكتاب حيث عد الكتاب إنجازا بارزا، كما أنه أدى خدمة عظيمة لهؤلاء ممن يتطلعون لإحداث طفرات في الحوار. وبمساعدة ذلك الكتاب يمكن لغير المسلمين أن ينظروا إلى المسلمين كبشر وليس كأنماط كرتونية، كما يمكن للمسلمين أن يرووا أنفسهم كبشر بكل ما في الكلمة من معنى، يتصرفون ببطولة وشجاعة حينما تتطلب الظروف، ولامبالاة وحتى بقسوة أحيتنا أخرى.
ويرى أكبر أن إنكار الهولوكوست أمر تافه وجاهل وغير مقبول، كما يجب محاربة معاداة السامية حيثما وأينما وجدت. ويتطلب محاربتها بكفاءة فهم ما يسمى “فوبيا الإسلام” والتي تغذى معادة المسلمين للسامية. كما يجب أن تبذل المزيد من الجهود المتضافرة لمد الجسور وتحويل الغضب والكراهية إلى صداقة ومصالحة.
كثيرا ما يتحول الخيال إلى حقيقة، ويعمل هذا الكتاب كوسيلة هامة لتدمير الأنماط الثابتة. إنه يروى قصصا تاريخية لمجتمعات واقعة تحت الحصار وعلى حافة التغيير وفى الوقت نفسه يروى قصة العرب وهم يتغلبون على تحديات الاستعمار ويقدمون روايات لأفراد يخاطرون بحياتهم ويحدثون اختلافا.

جريج ريكمان: معاداة السامية حقيقية!
وجاءت مشاركة جريج ريكمان مفعمة بالواقعية حيث قال: “أشارت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى أن معاداة السامية هي أكثر من مجرد حقيقة تاريخية، بل إنها حقيقة في الوقت الحالي. وتتسم معاداة السامية اليوم بالعنف وربطها بنظريات المؤامرة وإنكار الهولوكوست. ومن خلال سرد قصص العرب الذين خاطروا بحياتهم لحماية اليهود، يسعى الكتاب إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها العرب إلى اليهود وإلى أنفسهم وإلى التاريخ.
ويرى ريكمان أن مسار العلاقات الإسلامية اليهودية لا يحتاج إلى اتخاذ طريق لولبى نحو الهاوية، فالوصول إلى تفاهم مشترك بين المسلمين واليهود ليس ممكنا فحسب بل تم الوصول إليه بالفعل من خلال الشجاعة وإنكار الذات العظيمين. إن الأجيال الجديدة في حاجة إلى التطعيم ضد التعصب وذلك من خلال التعليم المبنى على التسامح. ومن أجل أن تسود الحرية والديمقراطية يجب منع معاداة السامية بكل أشكالها، فقط من خلال الحوار المفتوح عن أوجه الاشتراك وأوجه الاختلاف بين العقائد يمكننا معالجة التوترات وسوء الفهم.

خلفية عن المحارق النازية الهولوكوست
تعد المحرقة النازية The Holocaust التي ذهب ضحيتها الملايين من يهود أوروبا غاية في الحساسية لدى الشعوب الأوروبية التي عانت منها. ويرى معظم المؤرخين أن الهولوكوست من أكثر حوادث العصر الحديث توثيقا بالصور والأفلام والوثائق، وإنه من غير المنطقي إنكار حادثة بهذه الضخامة.
وتعتبر ظاهرة إنكار الحقيقة التاريخية للهولوكوست جديدة على العالم العربي والإسلامي إذا ما قورنت بالتيار الغربي. في ديسمبر 2005 صرح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أن الهدف من “أسطورة” الهولوكوست كان إنشاء دولة إسرائيل. ومن الجدير بالذكر أن إنكار الحقيقة التاريخية للهولوكوست تعتبر جناية يعاقب عليها القانون في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وألمانيا والنمسا ورومانيا وسلوفاكيا ولتوانيا وبولندا وجمهورية التشيك.

المصدر: تقرير واشنطن