الرئيسية » مقالات » في ذكرى المولد النبوي الشريف

في ذكرى المولد النبوي الشريف

تحل علينا هذه الأيام ذكرى مولد سيد العرب والعجم،سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.هذه الذكرى العزيزة على نفوسنا، الكريمة على قلوبنا، المباركة لأنها تتصل نبي الرحمة،بما تحمل بين ثناياها من معان ودلالات ورموز نحن أحوج ما نكون إليها في صراعنا المركّب، وبما تجدد فينا من الأشواق لصاحب الذكرى، وتؤكد حسن التأسي بسيرته العطرة ، وبما تحمل من الآمال بغد مشرق وضّاء لأمة الإسلام،حيث الكرامة والسيادة المساواة والعدالة والتحرر من كل أنواع العبودية لغير الله،هذه المعاني السامية التي جاء بها الرسول الكريم معلّم البشرية وحاديها إلى كل خير وجميل،عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام.
إن الدين الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ،وهو آخر رسالة من السماء لأهل الأرض،كفيل بإسعاد البشرية وحل مشكلاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المستفحلة، نتيجة اختلال التوازن في ميزان القوى بين الشرق والغرب،أو بين الشمال والجنوب،وتغوّل الرأسمالية الغربية وشرهها الذي لا يعرف حدوداً،وبسبب من زهد أتباع محمد صلى الله عليه وسلم مما في أيديهم من الخير والنور والهداية،وبسبب من الانحراف ( أو الجهل أو سوء الفهم أو سوء التطبيق) الذي أصاب بعض المبادىء التي جاء بها صاحب الذكرى صلوات ربي وسلامه عليه في بعض الأزمنة أو الأمكنة.
وإذا كان من حق أقوام وأمم أن تحتفل بذكرى عظيم من عظمائها وتحيي يوم ميلاده أو تبوّئه لعرش أو منصب،فإن أحق الناس بالاحتفال والاحتفاء هو محمد بن عبد الله رسول البشرية وهاديها ومعلم الإنسانية الخير منذ مولده قبل 1468سنة وحتى قيام الساعة. فقد كان بناؤه للإنسان والمجتمع والدولة،وسيرته في قومه،قبل النبوة وبعدها،في السلم والحرب،مع أهله وأسرته وأتباعه وأعدائه وخصومه،في الرضا والغضب،في أيّ شأن من شؤون دينهم أو دنياهم أو آخرتهم،الأنموذج والمثال الذي يحتذى،ومازال الخير الذي جاء به قادراً على إسعاد البشرية وانتشالها من الوهدة التي صارت فيها،ولا عبرة بالانحرافات التي شابت التطبيق على يد بعض الفئات أو الحكام في بعض المراحل أو البقاع،فإن المنبعين الصافيين اللذين جاء بهما ( الكتاب والسنّة) ما يزالان محفوظين من كل انحراف أو تلاعب أو هوى.
إننا نعتقد ـ ونحن نستذكر في هذه الأيام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أن المسلمين في هذا العصر أحوج ما يكونون إلى العودة إلى دراسة سيرة نبيهم والاغتراف من نبعه الزلال والأخذ من ميراثه المبارك إذا ما أرادوا أن يصبحوا في الموقع الذي كان أجدادهم فيه،وإذا ما أرادوا بناء مجدٍ لهم ولمن بعدهم،فقد جرّبوا الاستجداء على أبواب الشرق والغرب فلم يحصدوا سوى الشوك والعلقم.
وإننا نعتقد أن شعوبنا بعامة،والشعب الكرديّ بخاصة،لا تقوم لها قائمة إلا إذا جعلت المنهاج الذي رسمها لها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم دليل سيرها في هذه الحياة،هذا المنهاج الذي يجمع ولا يفرّق، ويعزّ ولا يذلّ،ويرسّخ العدل والمساواة والحق،ويرفض كلّ أشكال التمييز والإلحاق،تحت أيّ مسمى كان.
ما أحرانا أن نتدبّر في هذه المناسبة العطرة قول الله تعالى : ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.وقوله سبحانه:” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً”. وقوله سبحانه:” لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم “. وقوله عليه الصلاة والسلام : ” لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض” . وقوله عليه الصلاة والسلام: ” إيّاكم والظنّ فإن الظن أكذب الحديث،ولا تحسّسوا ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا،ولا تدابروا،وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا ( ويشير إلى صدره) بحسب امرىء من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه،إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.متفق عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *