الرئيسية » مقالات » إساءات باسم الإسلام

إساءات باسم الإسلام

ليس أحب إلى نفس كل مسلم أن يرى إنسانا يعمل ويجتهد، ويأكل لقمته من عرق جبينه بالحلال، ولكن ما يجعل الإنسان يضيق صدره، هو أن يكون التكسب والتربح عن طريق اتخاذ اسم الإسلام دعاية لتجارته وعمله، بحسن نية، أو بسوئها.
فهناك مجموعة مشاهدات يراها الإنسان تأكل الكبد تحرقا على هذا الدين، من أن يساء إليه من أبنائه دون أن يدري أو وهو يدري، فترى مثلا: بائع عسل نحل، فإذا به يعلن: اشتروا عسل النحل الإسلامي!! وهل هناك عسل نحل إسلامي، وعسل نحل غير إسلامي، وما الفرق بينهما؟ هل عسل النحل الإسلامي النحلة التي نزل منها هذا العسل كانت تذكر الله في الجامع الأزهر، أو في الحرم المكي والمدني، وعسل النحل الآخر كان نحله يعشش بالقرب من كباريه في شارع الهرم؟! العسل عسل، طعام وغذاء، ورد في فضله ما ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، لذات العسل، لا لأفضلية نوع عسل على نوع آخر.
ثم ترى وتشاهد إعلانا آخر عن الحجامة الإسلامية!! والحجامة أمر طبي، يفتي فيه الطبيب، وفتواه ليست فتوى شرعية، بقدر ما هي فتوى مختص، يقول عن الشيء: يصلح طبيا أو لا يصلح. حتى النصوص الواردة في أمر الحجامة فهي وردت ليس بصيغة التشريع، بل بصيغة التجربة الطبية النافعة. وقد تمشي فتجد جزارا وقد وضع لافتة على محل جزارته (الجزارة الإسلامية) ومعظم الجزارين مسلمون، ولا يوجد في البهائم بهيمة مسلمة وبهيمة كافرة! وقد رأيت منذ مدة ابنة أحد أصدقائي من المشايخ، وهي طفلة لا تتجاوز السابعة من عمرها، فقالت: يا عمو لقد اشترى لي أبي (مايوه) شرعي! فقلت: وهل هناك مايوه شرعي ومايوه غير شرعي؟! فلنقل: لباس تتحقق فيه ضوابط الشرع.
وقد رأيت موقفا عندما كنت مسافرا إلى لندن، لحضو المؤتمر التأسيسي لاتحاد علماء المسلمين، وكان بجواري مسلم، وقد مشت المضيفة بين طرقات الطائرة توزع على الركاب الضيافة من طعام وشراب، ومعظم من على الطائرة كانوا أجانب غير مسلمين، فطلب منها أحد ركاب الكرسي الذي خلفنا أن تفتح له زجاجة بيرة، وبينما المضيفة تفتح الزجاجة تطاير رزاز من الزجاجة، فاعتذرت المضيفة لنا، وسكت عملا بقول من أفتى من الفقهاء بعدم نجاسة الخمر، هذا إن كان من وقع علينا خمرا. ولكن الراكب المجاور لي أصر على تصعيد الأمر، وقام مغضبا، وانتفخت أوداجه، واحترمت فيه غضبته، فإذا أخذت برأي من قال بعد نجاستها، خاصة عند خطأ إنسان دون قصد، فليس لي أن أطالب غيري بالأخذ بنفس الموقف، وقال يتكلم بحدة، وأنه مسلم، وهذه نجاسة، وأصر على أن يحقق مع البنت، ويكتب شكوى ضدها، فقلت له: يا سيدي الفتاة قد اعتذرت، وجزاك الله خيرا على غيرتك، فهل لك أن أدلك على أمر يفيدك ويفيد دينك؟ ما المانع أن تخبرها أن ما وقع عليك نجاسة، وأن دينك يشدد عليك في طهارة ثيابك، ولكن هذا الدين هو دين رحمة، ويقبل التسامح، ولذا قبلت اعتذارها، بعد أن بادرت بقيامها بغسل ما وقع عليك، وهو رزاز لم يبتل منه ثوبك؟! فأبى ورفض، ولكن سرعان ما انتهى غضب أخينا، لأن كابتن الطائرة عرض عليه السكوت مقابل أن يغير له الكرسي في بقية رحلته، إلى الدرجة الأولى!! وانتهى الأمر وقبل ورحب! أين إذن الأوداج المنتفخة لأن ما وقع عليك نجاسة، وأنك مسلم، أي صورة ستنظر بها إليك هذه الفتاة غير المسلمة، وكابتن الطائرة غير المسلم، وأي تدين هذا الذي نغضب له ولا نقبل اعتذارا، ثم نرضى بمساومة مادية!!
وتستطيع أن تجد مشاهدات لا حصر لها، ينطبق عليها ما ينطبق على ما ذكرناه. وأنا أعلم أن من يفعلون هذه الأفعال يدفعهم لذلك أمران: الأول: عاطفي، وهو حب إضفاء كلمة الإسلام على كل عمل، وهم معذورون في نيتهم وعاطفتهم، بل مأجورون على هذه النية الحسنة، وهذا خطأ ينبهون إليه.
والأمر الآخر وهو ما نحذر منه ونحاربه بشدة: أن يستغل تعاطف الناس مع كلمة الإسلام، وأن نضفي الصبغة الشرعية على كل عمل يمثل شخصنا لا الإسلام نفسه، بغرض التربح، فهذا الصنيع لا شك يسيء إلى الإسلام، ويشوه صورته، ويعطي الناس انطباعا ليس محببا عن الإسلام.
يا سادة: تاجروا واكسبوا واربحوا، وكلوا واشربوا، ولكن نرجوكم نزهوا الإسلام واسمه عن أي أمر يصيبه بأذى من جراء ممارساتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *