الرئيسية » مقالات » عدن والأحتفال بتأسيس الحزب الشيوعي العراقي

عدن والأحتفال بتأسيس الحزب الشيوعي العراقي

آذار 1979 

كانت الاوضاع قد تردت في العراق بشكل مخيف ، وكعادة البعث المتأصلة في الغدر و الخيانة، وكنهاية طبيعية لتحالفاته التي أستخدمها في بداية أستلامه السلطة، لمحو آثار جرائمه ووحشيته عند أستلامه السلطة لبضعة شهور في بداية الستينات، ولتثبيت دعائم حكمه الذي لم يكن يحضى بأي شعبية. لذا لم يكن غريباً أن ينتهي تحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي عدوه اللدود، وهو صاحب بيان رقم 13 في أبادة كوادره وأعضاءه.

دخل الحزبان في تحالف في بداية السبعينات، الا أن تلك المرحلة شهدت أوسع أغتيالات لقيادة الحزب الشيوعي وكوادره وبطرق مختلفة، وأزداد التصعيد مع تنفيذ حكم الاعدام بكوكبة من أعضاء الحزب في سجن أبو غريب في ليلة 8-9 من أيار 1977 وكان ضمنهم البطل بشار كابتن فريق الجيش العراقي والذي قاد الفريق الى الانتصار بكأس العالم لفريق الجيش تلك البطولة التي عقدت في أستراليا، والذي كان الشهيد البطل يفتخر بها والى آخر لحظات في حياته ويذكر العراقيين بفضله جعل العلم العراقي يرفرف عالياً في سماء الملاعب الاسترالية ،متناغماً مع السلام الوطني “الجمهوري” العراقي . كانت تهمته انه تبرع بمبلغ 150 فلساً (50 سنت ) للحزب الشيوعي العراقي. وبما انه كان لاعباً في فريق الجيش، فالقانون العراقي يمنع العمل السياسي في صفوف القوات المسلحة، لذا كانت عقوبته الاعدام ؟؟؟!!!!.

مع نهايات عام 1977 أشتدت الحملة على الحزب لتصل أوجها في عام 1978 ، لذا بدأت عملية هروب جماعية لقيادته وكوادره واعضاءه وحتى مناصريه وبأعداد كبيرة الى الخارج.

بدأ الشيوعيون يتدفقون على البلدان التي كانت من السهل الوصول اليها ، وبوجود حرية أكبر للتعبير عن أفكارهم ومعتقداتهم، وكذلك حيث كانوا يعتقدون أنهم سيحصلون على بعض التسهيلات بالاضافة على الحفاظ على حياتهم. لذا كانت من محطاتهم الاولى بلغارية ولبنان وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

أستخدمت طرق مختلفة للهروب البعض حصل على فرص عمل في بعض البلدان العربية كالجزائر وليبيا لذا كان من السهل لهم المغادرة بالطرق العادية، بينما البعض الاخر أضطر الى الهروب عبر الادلاء والمهربين وسيراً على الاقدام الى الكويت وخاصة أبناء المحافظات الجنوبية، بينما الاخر غادر متوجهاً شمالا عبر كوردستان، في نفس الطريق الذي اتخذوه في الستينات، قبل أن يدخل البعث ليخرب علاقة المصير المشترك الذي كان يربط الحزب الشيوعي العراقي بالحركة التحررية الكوردية.

في عدن، قلعة الاشتراكية الاولى والاخيرة في الوطن العربي في قرن العشرين. جمع قادته بين كرم العربي المعروف “بالكرم الحاتمي” ومبادئ اليسار. وقد كانت تكن حكومتها أحتراماً كبيراً لآكبر وأقدم حزب شيوعي في الوطن العربي والمعروف بحزب الشهداء، لما فقد من أعضاءه في درب نضاله الطويل ضد الحكومات المتعاقبة على حكم العراق.

لذا لم يكن غريباً أن تمد حكومة اليمن الديمقراطية يدها لمساعدة أخوانها من العراقيين في محنتهم الجديدة. رغم انها كانت تعاني حصاراً كاملاً في محيطها، وكانت تمر بأوضاع أقتصادية صعبة.

كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لغزاً للكثير منهم قبل وصولهم اليها. فالاخبار عنها كانت قليلة وخاصة الصادقة منها. لانها أيضاً كانت تتعرض لحملة أعلامية شعواء من الاخوة في القومية، لانها انتهجت نهجاً مغايراً لهم.

كان جنوب اليمن قد تحرر من الاستعمار البريطاني في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1967 بعد أربع سنوات من أندلاع ثورة عارمة ضد وجوده وضد ما كان يعرف بأتحاد أمارات الجنوب العربي وهي كانت تتألف من عدن و22 أمارة وسلطنة ومشيخة كانت تحت الاحتلال البريطاني. تلك الثورة أنطلقت من جبال ردفان في 14 أكتوبر (تشرين الاول) سنة 1963.

الجبهة القومية التي تسلمت الحكم اعلنت الاستقلال واعلنت معه قيام دولة يمنية جديدة حملت اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن.

بينما في الجزء الشمالي من اليمن وعاصمتها صنعاء، كانت حكم الامامة قد أسقطت نهائياً في 26 سبتمبر 1962، فشكلت حكومة موالية لمصر وأعلنت عن قيام جمهورية العربية اليمنية.

كان البعض يتوقع ان يتوحد جزئي اليمن بعد الانسحاب البريطاني من الجنوب، ولكن ذلك كان مستحيلاً نتيجة لأختلاف تطور جزئي اليمن لمرورهما في ضروف مختلفة، حيث حكم الشمال من قبل الامامة التي عزلت اليمن عن العالم الخارجي بحيث كانت “أمارة من قرون الوسطى تعيش في قرن العشرين” بينما كانت لطبيعة عدن الميناء الاكثر أنفتاحاً على العالم تأثيره، لذا كان التطور الفكري للطليعة السياسة في كلا الشطرين مختلفاً.

انتقلت السلطة تدريجياً في الشمال من القيادة العسكرية التي كانت تحظى بدعم مصري الى القيادة القبلية والقوى العسكرية المختلفة و نحو مزيد من المحافظة والتقليدية. لذا رفضت السلطة في الجنوب الوحدة اليمنية. وقد عللت ذلك برفضها الوحدة مع التيار الرجعي من وجهة نظرها ، وهو موقف ايدولوجي يجد اساسه في تبني النظام السياسي في الجنوب للايدولوجية الماركسية اللينينية. لذا لم تكن مفاجئة عندما خاضا حربين داميتين في الاعوام 72 و1979 وزاد التباعد مع توصل الحوار بين القوى السياسية الاساسية في الشطر الجنوبي والمؤلفة من الجبهة القومية وحزب أتحاد الشعب الديمقراطي الماركسي والمجموعة البعثية بقيادة أنيس حسن وعبد الغني عبد القادر الى تشكيل حزب طليعي هو الحزب الاشتراكي اليمني. وزاد الصراع بين الشطرين بالتدخل الخارجي نتيجة وقوعها في المنطقة صراع النفوذ بين القوى العالمية.

في تلك الظروف وصلت طلائع الشيوعيين العراقيين الى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

استقبل الشيوعيين الهاربين من بطش السلطة في بغداد أستقبال حافلاً، وأسكنوا في أفخم الفنادق وتكفلت اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني بكامل مصاريفهم من مسكن ومشرب، ثم تم تعيينهم في دوائر الدولة المختلفة وحتى قيل أن الرئيس اليمني الخالد الشهيد عبد الفتاح أسماعيل، كان يرسل عيون ليتابع أحوال العراقيين في حالة حصول اي شكوى أو مشكلة كانت تحل من حيث لا يدرون. وصلت أعدادهم الى مئات يتقاسم وجودهم ثلاث فنادق في منطقة التواهي بعدن بالاضافة الى فنادق في مناطق أخرى ككريتر. كان الوافدون معظمهم من الشباب ومن عوائل حديثة الزواج، لذا لم يكن غريباً، رؤية العراقيات الشابات الحوامل وهن يتمشين في المنطقة عصراً بأتجاه كازينو نشوان المطل على البحر.

في ذلك الشهر من آذار والجو كان خانقاً لارتفاع نسبة الرطوبة، لم يكن صعباً أن يلتم شمل أبداعات عراقية لتشكيل فرقة فنية للاحتفال بعيد المرأة والذكرى 45 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي. وخاصة مع وجود فنان الشعب العراقي فؤاد سالم وملحن المبدع المرحوم كمال السيد والمطرب المشهور سامي كمال والعائلة الفنية حميد البصري وشوقية وومبدع الشهيد ابو شمس والفنانة المسرحية أقبال محمد وزوجها الفنان التشكيلي جوشن والفنان العراقي الكوردي الفيلي جعفر حسن وآخرين، أعتذر هنا أن كانت الذاكرة لا تسعفني لتذكرهم جميعا.

أقيم أحتفال عيد المرأة في الهواء الطلق في ساحة فندق البحارة وكانت عريفة الحفل “أم مروج ” خريجة أكاديمية الفنون، بينما كانت الفرقة التي كانت تتكون من مجموعة من الوجوه الشابة تصدح بأغاني “لا له وطنة لاله” و “بغداد” و”شيلي تمر بالليل نجمة بسمانا” ” ويابو علي ” و”مكبعة رحت أمشي يمة” وأغاني أخرى أطرب الجمهور اليمني ، والذي كان يستمع اليها لاول مرة.

في اليوم الحادي والثلالون من آذار 1979 ، أمتلات قاعة المسرح الوطني في وزارة السياحة وهي أكبر قاعة في المدينة وواقعة في منطقة التواهي بالمدعويين من رجال الدولة والسلك الدبلوماسي وقيادة الاحزاب وحركات التحرر الوطنية العربية المتواجدة في عدن وجمهور غفير لمشاركة العراقيين في ذكرى الخامسة والاربعيين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، كانت فقرات الاحتفال وتنوعها مفاجأ للحضورحيث شملت الفقرة الاولى على البرنامج السياسي والذي القيت فيه كلمات من أحزاب وقوى مختلفة بالاضافة الى برقيات، و البرنامج الفني على أغاني ودبكات عربية وكوردية ومقطع مسرحي ومقاطع شعرية بين الفواصل.بينما كانت تشهد القاعة الخارجية عرضاً لمختلف الازياء العراقية ومعرض فني وصور، بالاضافة الى جمع تبرعات للحزب لتغطية مصاريف الحفل، وكان أعضاء الحزب الاشتراكي اليمني والمنظمات العربية اليسارية أكثر الناس سخاءاً.

كانت عدن تشهد أول وأجمل أحتفال أقامه العراقيين بأمكانيات جداً متواضعة وفي ضروف حديثة بالاغتراب وفي فترة أعداد قصيرة جداً. وما زالت ذكرى ذلك الاحتفال عالقة في الذاكرة رغم أقامة و حضور عشرات الاحتفالات بعدها.

بريطانيا
13/3/2006

تعليق واحد

  1. ابراهيم زاير

    ألأعزاء المحترمون في الموقع –الاخت المحترمة كاتبة المقال–تحيات حارة لكم—ليس عندي ملاحظات على مقالكم –ولكوني من المهتمين بتأريخ شعبنا الكردي –واكمالا واحتراما لتأريخ نضالات المرأة الكردية وتضحياتها أن يكتب مقال عن سيرة حياة أول أمرأة كردية ناضلت في صفوف (البيشمركه)–لاتسعني الذاكرة بمعرفة اسمها والتي استشهدت في كرستان العراق–مع تقديري العالي—احد انصار الحزب الشيوعي العراقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *