الرئيسية » التراث » ثنائية: (امرأة حية) من خلال الثقافة الشعبية المغربية

ثنائية: (امرأة حية) من خلال الثقافة الشعبية المغربية

لقد رأينا في مقال “صورة المرأة في الثقافة الشعبية المغربية وعلاقتها بسفر التكوين” كيف قرنت المرأة بالشر وبالشيطان، هذا الشر الذي تدخل فيه علاقتها بالأفعى (الحية) كرمز من رموزه، إلا أن الملفت للانتباه هو الانتشار الواسع لثنائية (امرأة / أفعى) بين ثنايا تراثنا الشعبي مما جعلني أخصص لها مقالاخاصا أرصدها فيه.

الأمثال الشعبية بالدارجة المغربية


– المرا لفعة ومتحزمة بإبليس
– صوت حية ولا صوت بنية
– جوج لفعات ما يتلقاوش في غار واحد

الأمثال الشعبية بالأمازيغية

إبنكَالْ ن – لبورْ – يوف إنبورْ (1)
(أفعى برية أفضل من فتاة عانس)


حليما تاكزالت توف كار ناضكالت(2)
(الأفعى القصيرة (نوع خطير) أفضل من الحماة الشريرة)


مصطلح “إبنكال” بالأمازيغية يدل على الأفعى البرية السامة، أما مصطلح “حليما” هو اسم علم، عادة ما يطلق على المرأة، إلا أننا نجده هنا يطلق ويراد به نوع من أنواع الأفاعي الخطيرة، ومن ثم فالمثل يفضل سم هذه الأفعى على سم الحماة وشرها. وظاهرة تسمية الحيوان باسم الإنسان متعارف عليها في المجتمع الأمازيغي فمثلا هم يطلقون:
بومحند: يراد به القنفد.
الطالب علي: يراد به الثعلب.

وللاستدلال على أن مصطلح “حليما” يراد به الأفعى، نأتي بهذه الأبيات للشاعر علي بن إبراهيم الذي حرض القبائل المجاورة على الامتناع عن دفع ضريـبة “تامزوغت” ضريـبة الأذن، فقبض عليه الطاغية ووضعه في جب ثلاثة أشهر، وفي صبيحة يوم عيد أمرهم بالإتيان به مغلولا، وأن يضعوا الصينية أمامه ليصنع الشاي ويقول شعرا، فأجابه المقاتل المغلول بهذه الأبيات:

ءافوس ءيغ لان لكيد ءورنيت ءيقيم ءاتاي(3)
(اليد المغلولة لن تصنع الشاي)

نغاتاغ ءاندُّو دار ويلي يـى يورون
(اقتلني لأذهب عند من ولدوني)

نيحاغ طرزمت ندوا دار ويلي نيت ءوروغ
(أو اتركني لأذهب عند من ولدتهم)

ءيغ ءيموت بوسكا ها حليما تورونيت
(إذا مات الثعبان، فهاهي الأفعى قد ولدت)

ويصور المثل الأمازيغي الرجل الذي له زوجتين بمروض الأفعيين السامتين. كلما تصالح مع الواحدة إلا وتنـتفخ الثانية كالأفعى وتحاول الغدر به.

ءوسيغ ءافلان ح تاسلت ءيلكماضن سين (4)
(حملت يا فلان في السلة ثعبانين اثنين)

واناد نوسي ساغ ءيمدي واياض ءايوت
(كلما حملت واحدا إلا واستعد الآخر للدغ)

فالمتأمل لهذه الأمثال يجد أن المرأة شبهت بالأفعى في أحوال مختلفة، وهي فتاة صغيرة أو عانس لم تتزوج أو ضرة أو حماة، ونشير إلى أنه لا تهمنا هذه الصفات ومدى انطباقها فعلا على بعض النساء، مما يعطي للمثل مصداقيته الاستثنائية، ولكن الذي يهمنا ويثير فضولنا العلمي هو لماذا بالضبط هذه الثنائية (المرأة / الأفعى)؟

المعتقدات الشعبية الأخرى

يعتقد البعض أن المرأة إذا صادفت مكانا به حية، فماعليها إلا أن تـفتل شعرها إن كان مرسلا، أو ترسله إذا كان مجدولا، وذلك بهدف إبعاد شر الحية.فهناك علاقة تأثير بين الاثنتين، فإرسال شعر المرأة أو فتله يؤثر على الحية ويحد من شرها.

تفسير الأحلام

لقد فسرت رؤية الأفعى في الحلم بالمرأة أو العدو، حيث جاء في تفسير الأحلام المنسوب لابن سيرين ما يلي:
39- حية: الحية في المنام تدل على العدو وعلى الزوجة وعلى المرأة وعلى الحياة(5)



ثقافة الأبراج

يصادفنا على ظهر غلاف “برج العقرب” رسم لامرأة تقف على ظهر عقرب بينما تلاعب بين يديها أفعى، وتحيط بها مجموعة طلاسيم، وتـتكرر هذه الصورة على ظهر أغلفة جميع الأبراج.

الكتب الصفراء المنتشرة

تنتشر مجموعة من الكتيـبات الصغيرة والصفراء التي عادة ما تكون بضاعة لبعض الباعة المتجولين، فهي رخيصة الثمن وسريعة الانتشار، وغالبا ما تشكل ثقافة العامة، حتى أنه تعنون أحيانا ببعض العناوين الغريبة والمثيرة، ومن بين هذه الكتب نجد كتاب يحمل عنوان “كبائر النساء وصغائرهن وهفواتهن” ويحمل على غلافه صورة امرأة تلتف عليها حية سامة من رأسها حتى رجليها، وقد يراد بمثل هذه الصورة المخيفة ترهيب النساء والدفع بهن إلى الالتزام بأمور الدين والحشمة والوقار، فإلى أي حد تحقق هذه الصورة هذا المبتغى.

اللباس أو الزى

عادة ما نجد لباسا يصنع من جلد الحيوانات، إلا أن الغريب في الأمر أن يصنع لباس المرأة بالضبط دون لباس الرجل من جلد الأفعى، فبدخول محل بيع الملابس النسوية إلا وصادفتك عروض مصنوعة من جلد الأفعى كالأحذية والبنطلونات والحقائب اليدوية وغيرها.

الحلي والعطور

تتخذ بعض حلي النساء شكل أفعى سواء منها تلك التي تزين العنق (قلادة) أو الأذنين (حلقات) أو الرسغين (أساور، خواتم).
كما نجد بعض العطور الخاصة بالنساء تسمى باسم الأفعى.

الفلكلور الشعبي

لدينا في جنوب المغرب، بالضبط منطقة “هوارة” رقصة فلكلورية تعرف بـ “الدقة الهوارية” وهذه الأخيرة تشارك فيها إلى جانب مجموعة من الرجال امرأة واحدة تدعى “فاطمة الشلحة”.
فاطمة الشلحة هذه ترقص رقصة خاصة تقلد فيها طقس صيد الأفعى،حيث تخرج من صف الرجال إلى حلقة واسعة في مواجهة أحدهم، فتقفز قفزات عالية وملتوية تشبه قفزات الأفعى، بينما يحاول الرجل المواجه لها أن يصطادها فيقفز كما تقفز في انسجام مع نغمات الدقة، مما يضفي على الرقصة جمالية خاصة.
فلماذا بالضبط المرأة هي التي تقلد الأفعى ولا يقلدها الرجل.

بعد هذه الجولة السريعة مع “المرأة الشر” في دواليب ثقافتنا الشعبية – الشبيهة بما جاء في التوراة – نشير بأن التعامل اليومي مع المرأة في مجتمعنا عادة ما تحكمه هذه الصورة، إذ غالبا ما نجد ثقافة معلنة – تحرير المرأة – وهي غائبة في واقعنا، وثقافة مضمرة محكومة بهذا الموروث الغير المعقول وهي السائدة.

____________________________________________________


1- المستاوي محمد، تيفاوين، سلسلة من الثقافة الشعبية، جمع دراسة للأمثال والحكايات الأمازيغية ببادية سوس، رقم الإيداع القانوني بالخزانة العامة للكتب والوثائق بالرباط 251 – 1985، ص18
2-المرجع نفسه ،ص،18
3-جمعية الجامعة الصيفية باكادير، أعمال الدورة الأولى، غشت، الثقافة الشعبية الوحدة في التنوع، ص:31-318 .
4-المرجع نفسه، ص،25
5- محمد ابن سيرين، تفسير الأحلام، تأليف وتحقيق أحمد الصباحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *