الرئيسية » التاريخ » ( تركيا) ….. الى أين؟ (6)

( تركيا) ….. الى أين؟ (6)

(تركيا) و أزمة الهوية و الإنتماء

إن الأتراك حديثو العهد في منطقة الشرق الأوسط، حيث أن بداية نزوحهم من أواسط آسيا (من منطقة “توران” الواقعة في جمهورية أوزبكستان الحالية) الى منطقة الأناضول، كانت في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، و التي تعني أنهم يقطنون في هذه المنطقة لمدة تزيد قليلاً عن تسعمائة سنة. كما أنهم كانوا يعيشون حياة البداوة في موطنهم الأصلي “توران”، حيث أن المنطقة صحراوية قاحلة، لذلك كانت لغتهم التركية فقيرة و بسيطة، تخلو من المفاهيم المجردة و أكثر مفرداتها مؤلفة من مقطع واحد قصير، توازي و تعكس حياة البداوة التي كانت تعيشها. بعد إنتقال الأتراك الى منطقة الأناضول، حيث أنه موطن الحضارات الكوردية و الأرمنية و منبع المدنية، عجزت لغتهم البسيطة عن تلبية متطلبات الحياة المدنية التي كانت قائمة في الأناضول و التواصل معها. تغلب الأتراك على مشكلة النقص في لغتهم بالإستفادة من اللغة الكوردية و العربية و الفارسية و إستعارة الكثير من مفردات هذه اللغات. لهذه الأسباب يشعر الأتراك بالغربة في المنطقة، حيث أنهم قوم طارئ في المنطقة، يفتقدون الى عمق و إمتداد تأريخي و حضاري و لغوي، يربطهم بالأرض التي يعيشون عليها. مشكلة إفتقار الأتراك لجذور تأريخية و ثقافية و لغوية في المنطقة، خلقت شخصية تركية قلقة غير مستقرة و شاعرة بمستقبل مجهول و ميل الأتراك نحو الإنطواء و العزلة.

الهوية الطورانية
الأتراك شعب مسلم، و في نفس الوقت، أنه بعد تأسيس الجمهورية (التركية) الحديثة بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى، قام كمال أتاتورك بتغريب الشعب التركي و حاول جعله جزء من العالم الغربي. نتيجة تعدد خيارات إنتماء الأتراك و عدم نجاحهم لحد الآن في إختيار إحدي هذه الولاءات، خلقت أزمة خطيرة للأتراك بسبب إفتقادهم للهوية و الإنتماء. تطغي المشاعر القومية على الفكر التركي الى درجة من العنصرية، حيث يرفع الأتراك شعار “الطورانية” الذي ينادي بوحدة الشعوب الناطقة بالتركية في العالم (شعوب كل من “تركيا” و كازاخستان و أذربيجان و تركمانستان و أوزبكستان و قيركستان و تاتارستان و تركستان). (تركيا) تأمل بتأسيس مؤسسة تربط بينها و بين تلك الدول، على غرار الجامعة العربية، بحيث تصبح هذه الدول سوقاً لمنتوجاتها و مصدراً للغاز و النفط لها(حيث أن هذه الدول غنية بهاتين المادتين)، بإمداد أنبوب نقل النفط و الغاز من هذه الدول الى الميناء التركي “جيهان” الواقع على البحر الأبيض المتوسط. الطموح التركي لخلق منظمة تجمع الدول الناطقة بالتركية، يجابه صعوبات كبيرة تقف في طريقه. البنية الإقتصادية و السياسية و التحتية المتخلفة جداً في الجمهوريات الناطقة بالتركية و التي إستقلت بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي، تحتاج الى إستثمارات ضخمة و وقتاً طويلاً للنهوض بها و إعمارها و السير بها نحو التقدم. من جانب آخر، فأن القدرات الإقتصادية المحدودة ل(تركيا) عاجزة عن تلبية الإستثمارات الكبيرة التي تحتاجها تلك الدول، حيث ذكر الرئيس الكازاخستاني “نور سلطان نزار باييف” مرة أمام رجال الأعمال الأتراك الذين كانوا في زيارة لكازاخستان قائلاً “أنتم تأتون بالمشاريع دون المال، أما الأجانب فيأتون بالمشاريع و المال معاً”. نظراً للثروات الطبيعية الضخمة، من نفط و غاز و معادن، المتواجدة في أراضي الدول الناطقة بالتركية و الموقع الإستراتيجي الذي تحتله هذه الدول، لقربها من كل من الصين و روسيا، فأن هذه الدول جذبت إهتمام الولايات المتحدة الأمريكية و بدأت ببسط نفوذها عليها. عودة روسيا للعب دور كبير في الدول الناطقة بالتركية، التي كانت في السابق تعيش مع روسيا في دولة واحدة، و إستعادتها لنفوذها و دورها في القفقاس و آسيا الوسطى، حيث أسست معها رابطة الدول المستقلة التي تضم جميع الجمهوريات الناطقة بالتركية و إستخدام روسيا الأقليات الروسية المتواجدة في هذه الدول كعامل ضغط لإرغام حكومات هذه الجمهوريات على التعاون و التنسيق مع موسكو. كما أن ألمانيا بقوتها الإقتصادية الضخمة تنافس (تركيا) على النفوذ و الإستثمارات في البلقان و آسيا الوسطى. إن الدول الغربية الأخرى و إسرائيل لا ترغب في توطيد العلاقات التركية مع الجمهوريات الناطقة بالتركية على أساس العرق و الدين. إستقلال الجمهوريات الإسلامية السوفيتية أوجد تنافس شديد بين إيران و (تركيا) لكسب التأييد و النفوذ في تلك البلدان. كما أن إنعدام تواصل جغرافي بين (تركيا) و تلك الجمهوريات يشكّل عقبة في طريق التكامل الإقتصادي و السياسي و الثقافي بين (تركيا) و الدول الناطقة بالتركية، حيث أن جمهورية أرمينيا تفصل بين الجانبين. كما أن وجود تلك الشعوب الناطقة بالتركية ضمن شعوب الإتحاد السوفيتي السابق لفترة طويلة و دون تواصل مع الشعب التركي، خلق هوة و تباعد ثقافي بين تلك الشعوب و الأتراك.


الهوية الأوروبية

تجابه محاولة (تركيا) الإنضمام الى الإتحاد الأوروبي عقبات و صعوبات كبيرة. يأتي الإقتصاد المنهك و الضعيف ل(تركيا) في مقدمة هذه العقبات، حيث أنه في حالة نجاح (تركيا) في أن تصبح عضوة في الإتحاد، فأنها ستُشكّل عبئاً كبيراً على الإقتصاد الأوروبي (ديون “تركيا” بلغت 75 مليار دولار في سنة 1996 و نسبة التضخم كانت حوالي 150%)، بالإضافة الى التخلف الإقتصادي و العلمي و التكنولوجي و الصناعي في هذا البلد و إنخفاض الإنتاجية فيها. التضخم السكاني، حيث أن نفوس (تركيا) قد تصل الى حوالى 80 مليون نسمة، يُشكّل عقبة أخرى ل(تركيا)، حيث أن هذا العدد الكبير من السكان سيسبب مشاكل إقتصادية كبيرة لدول الإتحاد، حيث سينتقل الملايين من الأتراك اليها نتيجة البطالة المتفشية في (تركيا) (نسبة البطالة فيها تتجاوز 20%) و المستوى المتدني للأجور في هذا البلد (يبلغ متوسط دخل الفرد في “تركيا” 1630 دولاراً أمريكياً في السنة، بينما يصل متوسط الدخل للفرد في ألمانيا 23630 دولاراً و في السويد 24830 دولاراً و في بريطانيا 17920 دولاراً و في فرنسا 19480 دولاراً و في إيطاليا 19620 دولاراً)، و عليه فأن أيادي عاملة تركية غير ماهرة ستنتشر في هذه البلدان و تصبح عالة على إقتصادها، بالإضافة الى بروز مشاكل و صراعات ثقافية و إجتماعية نتيجة التباين الحضاري و الثقافي بين الجانبين حين إنتقال الأتراك الى بلدان الإتحاد الأوروبي. للإتحاد الأوروبي معايير متقدمة لحقوق الإنسان التي يعجز الأتراك عن الوصول الى مستوياتها و الإيفاء و الإلتزام بها، حيث يتم إنتهاك حقوق الإنسان في (تركيا) و القوانين التركية تحد من حرية التعبير و الصحافة و التجمع و العقيدة و أن الجنرالات هم يمسكون بالسلطة الفعلية في البلاد. كما أن القضية الكوردية تُشكّل عقبة أخرى أمام إنضمام تركيا الى النادي الأوروبي، حيث أن أكثر من عشرين مليون مواطن كوردي محرومون من حقوقهم القومية و السياسية و الثقافية، بل أن حكومة (تركيا) تلغي الوجود الكوردي و تطمس الهوية الكوردية لكورد الشمال. عائق مهم آخر يقف في طريق إنضمام (تركيا) الى الإتحاد وهو مسألة الإرهاب، و خاصة بعد العمليات الإرهابية التي جرت في الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من أيلول سنة 2001 الميلادية و نمو الفكر الإسلاموي الإرهابي في العالم الإسلامي و الذي ينتشر هذا المد الإسلاموي بقوة في (تركيا)، يُعرّض الأمن القومي الأوروبي للخطر فيما لو أصبحت (تركيا) جزء من أوروبا، حيث سيكون هناك مخاوف مبررة و حقيقة للأوروبيين من إنتقال النشاط الإسلاموي الى بلدانهم و إنتشار العمليات الإرهابية الخطيرة في الساحة الأوروبية.

العداء التأريخي و الحضاري و الديني و التباين الثقافي بين الأتراك و الأوروبيين من العوامل المهمة التي تقف حجر عثرة أمام (تركيا) في طريقها الى الإتحاد الأوروبي، حيث أن الأتراك قد إحتلوا العديد من البلدان الأوروبية في عهد الدولة العثمانية، و وصلت القوات التركية الى أسوار مدينة فيينا. كما قام العثمانيون بقتل الكثير من الأوربيين و إختطفوا عشرات الآلاف من الأطفال الأوروبيين و إستعملوهم وقوداً لحروبهم بعد أن كبروا و أصبحوا جاهزين للخدمة العسكرية. تعتبر اليونان كلاً من إستانبول و إزمير و الجزء الأوروبي من تركيا و بعض المناطق الآسيوية التركية هي أراضي يونانية محتلة. اليونان تحتفل كل عام في الرابع عشر من أيلول ب”يوم الأراضي المحتلة” التي لا زالت (تركيا) تحتلها. وزير فرنسي سابق إسمه “جان فرانسوا دينيو Deniau” يذكر في كتابه المعنون “ما أؤمن به” من أن أوروبا ظلت حتى عام 1453 الميلادي (وهو السنة التي تم خلالها إحتلال القسطنطينية “مدينة إستانبول الحالية”) من قِبل العثمانيين مجرد مصطلح جغرافي. يستطرد الوزير الفرنسي في كتابه قائلاً: “منذ أن إحتل الأتراك القسطنطينية أصبحت أوروبا مصطلحاً سياسياً. على الرغم من مرور 541 سنة على ذلك الإحتلال فأن الأتراك لا يمكن أن يكونوا مقبولين داخل أوروبا”. كما أن هناك خلافات بين اليونان و (تركيا) حول بحر إيجه و المجال الجوي و المياه الإقليمية والجرف القاري للبلدين و حول قبرص التي تحتل (تركيا) القسم الشمالي منها و كذلك الإدعاء التركي بتعرض الأتراك اليونانيين، الذين يعيشون في تراقيا الغربية الواقعة في شمال شرق اليونان، للإضطهاد من قِبل اليونانين. العلاقات التركية – البلغارية تواجه مشاكل عديدة منها العداء التأريخي بين البلدين، حيث أن الأتراك إحتلوا بلغاريا لفترة طويلة أثناء الحكم العثماني، و بسبب الإختلاف الديني و مشكلة الأقلية التركية في بلغاريا و شكوك البلغاريين حول تجديد الدور العثماني في البلقان.

الإختلاف الديني بين (تركيا) المسلمة و أوروبا المسيحية عقبة كبيرة أخرى أمام حصول (تركيا) على عضوية الإتحاد الأوروبي، حيث أن الكمالية التي أصبحت شعاراً ونهجاً و مسلكية للمؤسسة العسكرية التركية، فشلت في خلق مجتمع علماني في (تركيا). لولا المؤسسة العسكرية الكمالية التي كانت و لا زالت تمثل سلطة سياسية و ثقافية مضادة لكل ما هو إسلامي، لكان الفكر الكمالي قد إختفى في (تركيا) منذ زمن بعيد. الكمالية أخفقت في (تركيا) و لم تستطع تحقيق الإزدهار و التقدم الإقتصادي فيها. يقتصر الفكر الكمالي في الوقت الحاضر على مدينة أنقرة و بعض المدن الأخرى، بينما لا زال القرويون و الريفيون محتفظين بثقافتهم الإسلامية. خير دليل على قولي هذا هو تسلم الإسلاميين الحكم في (تركيا) بأغلبية ساحقة من الأصوات في الإنتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها في السنين الأخيرة.

(تركيا) عضوة أيضاً في تكتل إقتصادي آخر هو منطقة التعاون الإقتصادي للدول المطلة و القريبة من البحر الأسود، الذي يضم دولاً مثل بلغاريا و جورجيا و رومانيا و و أرمينيا و أوكرانيا و روسيا.


الهوية الإسلامية

بحكم الموقع الجغرافي ل(تركيا) و كون غالبية شعبها مسلمة و الثقافة الإسلامية و الشرقية للشعب التركي و لأسباب تأريخية، فأن (تركيا) تجد نفسها جزء من منطقة الشرق الأوسط و العالم الإسلامي، حيث أنها عضوة في منظمة المؤتمر الإسلامي. عوامل عديدة تعرقل تكامل (تركيا) مع محيطها في المنطقة. من أسباب ضعف الوشائج التركية مع بلدان المنطقة هو إنقطاع التواصل التركي مع شعوب الشرق الأوسط منذ تأسيس (تركيا) الحديثة، حيث إتجهت نحو الغرب بإنتهاجها نظاماً علمانياً غربياً و محاولتها القضاء على الثقافة و العادات و التقاليد الإسلامية و العمل على تبني الثقافات الأوروبية و التي نتجت منها ضعف العلاقات الثقافية و السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية بينها و بين دول المنطقة. كما أن عضوية (تركيا) في الحلف الأطلسي ربطتها سياسياً و عسكرياً بالعالم الغربي. العداء التأريخي بين الأتراك و شعوب المنطقة، و خاصة العرب و الكورد عامل آخر يلعب دوره في التنافر بين الأتراك و هذه الشعوب، حيث تعرضت هذه الشعوب للإستعمار التركي خلال حكم العثمانيين و عانت هذه الشعوب من مظالم و بطش و تنكيل و تجويع و حروب لا نهاية لها على أيدي الأتراك. ضعف إرتباط الأتراك بشعوب المنطقة، أدى الى تدهور العلاقات التجارية بين (تركيا) من جهة و دول منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى، على سبيل المثال، بلغت صادرات (تركيا) الى إسرائيل في عام 1994 حوالي 67 مليون دولار فقط، و وارداتها منها حوالي 48 مليون دولار في السنة المذكورة و التي نرى أنها نسبة واطئة جداً. كما أن هناك تباين في التحالفات و العلاقات و المصالح بين (تركيا) و دول المنطقة.

بالنسبة للعلاقات الإيرانية و التركية، فأنها بالإضافة الى معاناتها بسبب العداء التأريخي بينهما منذ تأسيس الدولة الصفوية و العثمانية اللتين كانتا في نزاع و حروب مستمرة لبسط نفوذهما على المنطقة، فأن بينهما عداء طائفي، نظراً لإنتماء أكثرية الأتراك الى المذهب السُني، بينما تنتمي أكثرية الإيرانيين الى المذهب الشيعي، حيث لا يُخفى بأن هناك عداء تأريخي بين الطائفتين و الذي يمتد الى أكثر من 1400 سنة. إختلاف النظام السياسي في البلدين، حيث أن النظام في إيران هو نظام مذهبي ديني، بينما في (تركيا) فأنه نظام علماني يسيطر فيه العسكر على مراكز القرار، هو عامل آخر لسوء العلاقات بين البلدين.

مما تقدم، نرى أن الأتراك يجدون أنفسهم غرباء في المنطقة و يعيشون على أراضٍ تأريخية تعود للكورد و الأرمن و اليونانيين و البلغاريين و يفتقدون الى جذور تأريخية و ثقافية و حضارية تربطهم بالأرض التي يعيشون عليها و بالشعوب الساكنة في المنطقة. كما أنهم يجدون أنفسهم وحيدين محاطين بالأعداء من كل الجهات لأسباب تأريخية و حضارية و ثقافية و دينية و مذهبية و سياسية و إقتصادية. هذه الأسباب تجعل الأتراك قلقين، يشعرون بأن وجودهم مهدد في المنطقة كشعب و ككيان سياسي و هذا يدفعهم الى التلويح بالقوة و تهديد الغير و الإستيلاء على أراضي الآخرين و حكم العسكر للبلاد من وراء الستار للعمل على تقييد الحريات و الحد من الممارسات الديمقراطية في البلاد كوسيلة لضمان الأمان و الإطمئنان النفسي لحب البقاء و الإستمرارية. من جهة ثانية، تجد (تركيا) نفسها تفتقد الى الإنتماء، حيث أنها تائهة تعبة لا تعرف هل أنها دولة أوروبية أو تركية أو إسلامية أو شرق- أوسطية أو تنتمي الى الدول المطلة على البحر الأسود!! هذه مشكلة حقيقية تؤرق الأتراك و تهدد وجودهم في المنطقة لغربتهم عنها و لضياعهم بين إنتماءات عديدة، لا تتوفر فيهم شروط الإندماج في إحداها و كسب هوية محددة و إنتماء معيّن ينقذهم من الضياع و المستقبل المجهول.