الرئيسية » مقالات » ولنا كلمة – 19 –

ولنا كلمة – 19 –

هو سؤال طالما أنهكنا البحث عن الإجابة له ضمن أداء الحركة الحزبية الكردية في سوريا، ومنذ عقود من الزمن، ترى على أية رؤية أو أية قراءة سياسية تتفاعل هذه الحركة مع الاستحقاق الانتخابي، وأعني هنا انتخابات مجلس الشعب ..؟ .
فلو نظرنا إلى برامج ومواقف العديد – بل كل – الأحزاب والحزيبات الكردية، لوجدنا أنها تدعو إلى التغيير الديمقراطي، بأشكال ومسميات ومصطلحات وأجندات مختلفة، وهي تقر من حيث المبدأ، أنه وبغياب سلطة الديمقراطية واحتكار الحزب الواحد لكل البلد، لا يمكن لقوى المجتمع أن تأخذ دورها في القيام بواجباتها حيال مجمل المسائل الوطنية، ومنها المشاركة في رسم القرار، والمساهمة في وضع آليات الخروج من الوضع المأزوم، الذي هو من فعل النظام، والذي جعل من المواطن لا حول له ولا قوة، بل لا إرادة له في كل ما يجري، وذلك بحكم الكابوس الذي يسيطر عليه من خلال الأحكام العرفية وقانون الطوارئ، إضافةً إلى أن بعض القوى قد بدأت في الآونة الأخيرة، بالحديث عن عدم إمكانية الإصلاح من داخل مؤسسات السلطة، بل عبرت عن موقفها من الأزمة التي تلف الوطن، من خلال الدعوة إلى التغيير الوطني الديمقراطي، والذي لا بد أن يبدأ من وضع دستور جديد للبلد، يقر بالتعددية السياسية والقومية، ويفسح المجال للتداول السلمي للسلطة، إلى جانب سن قانون عصري للعمل السياسي، وقانون ينظم شكل وآلية الانتخابات، سواء من حيث نسبة التمثيل، أو من حيث النزاهة والشفافية، بعيداً عن كل أشكال وألوان الوصاية من أية جهة أو طرف، وفوق كل هذا وذاك، دعوة الأحزاب الكردية إلى أن يضمن الدستور، الإقرار بوجود الشعب الكردي كثاني قومية في البلاد، وأن يكون نسبة التمثيل الكردي في البرلمان بحسب تواجده ومناطقه التاريخية، إلى جانب حل قضية الإحصاء وإعادة الجنسية إلى المجردين الكرد، بمعنى آخر، وبالعودة إلى برامج الأحزاب الكردية نفسها، نستنتج بأن الوضع السائد في البلد لا مكان فيه للإصلاح، ولا توجد إمكانية لأن يأخذ الحراك السياسي دوره في تغيير الوضع، وأن المسألة لا تقف عند حدود دخول مواطن كردي إلى البرلمان، وإن كان الشكل المتبع في النضال هو ديمقراطي سلمي ..
وبالترافق مع هذه الرؤى والخيارات السياسية، وضمن سياقات الدعوات المتلاحقة من جانب معظم – بل كل – الحركة الكردية إلى التأسيس لمرجعية كردية، نحن أمام بدايات قديمة – جديدة لانفراط (العقد) بين الكيانات الحزبية الكردية، وهي تقف على بوابة انتخابات مجلس الشعب، والتي – هذه الانتخابات – يبدو أنها ستفعل فعلها في التأسيس لاصطفافات جديدة داخل الجسم الحزبي الكردي، وستنسف العديد من النقاط التي كنا نعتبرها؛ قواسم مشتركة بين أطر وكتل سياسية، سواء من جانب تلك التي قاطعت الانتخابات من الباب وتحاول الدخول إليه من الشباك، أو تلك التي شاركت وتدعوا الشارع إلى إبداء رأيها من العملية الانتخابية ضمن طرحها لاستبيانات على بعض المواقع الإلكترونية ..؟.
وإذا ما كنا من دعاة التعددية ومن أنصار احترام الرأي والرأي الآخر، لكان مفروضاً علينا أن نحترم مجمل المواقف التي تقف على مسافات متباينة من قضية المشاركة أو المقاطعة إزاء انتخابات مجلس الشعب، ولكن؛ ولكوننا نتفاعل مع مفردات الفعل السياسي، ومشمولون بمسألة الاستبيان كسائر الأشخاص الذين لديهم إمكانية التواصل مع الانترنيت، كون الاستبيان مطروحاً عليه، كان لنا أن نعيد قراءة الاستبيان ونسجل عليه ما نملكه من بعض الملاحظات .
بدايةً؛ لو نظرنا إلى المسألة – موضوع الاستبيان – على أنها بحاجة إلى استبيانات وصناديق للاقتراع، وأننا كحالة كردية نمتلك المؤسسات التي تؤهلنا لأن نستفتي عبرها رأي الشارع حيال موضوع أو قضية، وأن نتائج تلك الاستبيانات ستأخذ طريقها إلى جهات فاعلة، لها من القوة والسلطة في أن تتحكم بالنتائج من حيث نشرها ووضعها حيز التنفيذ، لكان علينا المساهمة في نتائجها، أما وأن القضية – حسب قناعتي – قضية سياسية وخاضعة لقراءات سياسية، وعلى كل جهة – تلك التي تعمل في الحقل السياسي – أن تبدي برأيها عبر الموقف منها، وأن تعمل من أجل حشد الطاقات في سبيل الوصول إلى أهدافها، لكان علينا القول؛ بأن مثل هكذا مسائل تحتاج إلى موقف أكثر من حاجتها إلى استبيانات، كالتي انحصرت في قلة قليلة من الشارع الكردي، وعبر مواقع الانترنيت ..
ومن خلال قراءة سريعة لنص الاستبيان، أو الفقرة التي شكلت بالنسبة لها على أنها مقدمة، وتوقفنا أمام مقولة « على ضوء استفراد بعض أطراف الحركة الكردية تجاه انتخابات مجلس الشعب » يخال إلينا بأن هناك من سارع في التفرد برأيه وخرج من دائرة الإجماع، أو كان هناك إجماع وشيك حول النقطة وتم نسفه عبر المواقف المتسرعة، مع العلم أن الغالبية متفقة حول نقطة معينة، وأن هناك من عقد الندوات وساهم بشكل أو بآخر – وقبل أشهر من موعد الانتخابات – إلى طرح تصورات بصدد المشاركة، وخرج بمواقف نستنتج منها أن هناك إصرار على المشاركة، مع أن المسألة برمتها هي مسألة موقف، حتى بالنسبة إلى الذين أعلنوا عن المقاطعة، فلم نجد من الفعل سوى ذاك القرار ..
والمسألة الأخرى اللافتة للنظر هي الأسئلة المطروحة في الاستبيان، والتي جاءت على شكل أسئلة امتحانية « أملاء الفراغ التالي » بكلمة نعم أو لا، بما معناه؛ أن لا حاجة إلى قراءات سياسية حيال الموضوع، بقدر الحاجة إلى كلمة واحدة، وإن كنا ندرك موقف الشارع من القضية عبر صيرورة الزمن وانكسارات القضية الانتخابية، ومع ذلك يمكننا اعتبار هذا الشكل نوعاً من الرجوع إلى مرجعية الشارع، ولكن لو كان قد جرى قبل موعد الانتخابات بفترات زمنية، وليس بعد أن ترشح من ترشح وقاطع من قاطع، بمعنى أخرى ماذا سيؤثر نتائج الاستفتاء على القرار السياسي من جانب الجهة التي أعلنت عن موقفها، فهل هذا الاستبيان يشكل في حقيقته نوعاً من دفع الشارع إلى المشاركة في القرار، أم هو من آليات العقل السياسي الحزبي الكردي في اختلاق البدع، وبالتالي الاستخفاف بعقل الآخر، كل هذا مع ما نكنه من تقدير واحترام للأطراف التي تحاول أن تعالج المسألة عبر الاستبيان، ولكن ولاحترامي لعقول الناس أود أن أهمس في تداعيات القرار لأقول بكل ود واحترام؛ أن المسألة لا تعالج بهكذا عمليات جراحية أو هكذا نوع من الدعايات التي عفاها الزمن، مع كل الأمل في أن تقف المسألة ضمن سياقاتها ونطاقها، ولا تتجاوز حدودها لتهدم ما كان منجزاً من توافقات وتقاطعات، بين بعض الرؤى والمواقف التي شكلت بحق نقطة انطلاقة على أرضية قراءة جديدة لقضية شعبنا ضمن استحقاقات المستقبل ….