الرئيسية » مقالات » محاضرة- للدكتور خالد يونس خالد – بعنوان: نظرة في الأتجاهات والأساليب النقدية

محاضرة- للدكتور خالد يونس خالد – بعنوان: نظرة في الأتجاهات والأساليب النقدية

نقاط البحث: اللغة، الشعر، الأدب، المنهج، الحرية، الذات والعنصر الفكري في النقد الأدبي

ضمن البرنامج الثقافي لعام 2007 نظّم إتحاد الكتاب العراقيين في السويد أمسية ثقافية يوم السبت المصادف 10 آذار في قاعة آلفيك بمدينة ستوكهولم، حضرها عدد من الكتاب والشعراء والمهتمين بالشأن الأدبي والفكري. وألقى الدكتور خالد يونس خالد المتخصص في الفكر والنقد الأدبي محاضرة بعنوان “نظرة في الإتجاهات والأساليب النقدية: اللغة، الشعر، الأدب، المنهج، الحرية، الذات والعنصر الفكري في النقد الأدبي”. يمكن الإشارة إلى ثلاثة محاور رئيسية باختصار شديد:

المحور الأول:
اللغة والشعر والأدب والمنهج والحرية والعنصر الفكري في النقد الأدبي
أشار المحاضر إلى المعنى الخاص للغة باعتبارها وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر داخليا وخارجيا، والمعنى العام للغة باعتبارها نسق من العلامات يمَكن من التواصل. فاللغة وعاء الفكر والثقافة الإنسانية، وهي ذاتية وموضوعية فردية واجتماعية فطرية ومكتسبة، كما أنها أداة لإنتاج الفكر وتبليغه في نفس الوقت. وهي تؤدي وظيفة آنية باعتبارها أداة للتواصل بين أفراد المجتمع ونقل الدلالات إلى المتلقي، ووظيفة زمانية تاريخية باعتبارها وسيلة لحفظ تراث المجتمع العلمي والفني والثقافي، ونقله إلى الأجيال المتعاقبة.
وذكر الدكتور خالد يونس خالد إشكالية العلاقة بين اللغة والفكر. فالفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت يؤكد على استقلالية العلاقة بينهما. في حين يرى آخرون ومنهم دي سوسير ومرولوبوتي أن العلاقة بينهما علاقة تلاحم وتداخل بحيث لا يمكن أن نفصل أحدهما عن الآخر، على أساس أن الفكر لا وجود له إلا في شكل لغوي، ولا وجود للغة خالية من المعنى و الدلالة.
وبحث المحاضر التعريفات المختلفة للشعر والأدب طبقا للخلفية الثقافية للشخص، لأنه لايمكن فهم النقد الأدبي بمعزل عنهما. وأشار إلى المفكر والناقد الفرنسي هيبوليت تين في كتابه History of English literature عن سرده نقاطا مهمة في منهجه التاريخي “الجنس والبيئة أو المحيط والعصر” بهذا الصدد. وقد استخدم طه حسين هذا المنهج في رسالته “ذكرى أبي العلاء المعري”.
الشعر عند طه حسين مثلا هو “الكلام المفيد بالوزن والقافية والذي يقصد به الى الجمال الفني.” والشعر عند الشاعرة العراقية نازك الملائكة: “ظاهرة عروضية قبل كل شيء”، لأن نازك الملائكة “لا تحفل بدراسة الهياكل اللغوية والأسلوبية والبلاغية التي استحدثها الشعر الحر إلاّ حين تكون ذات علاقة بالعروض والوزن. كما أشار إليها الناقد سعيد الغانمي.
الأدب من وجهة نظر د. ميشال عاصي هو “بناء جمالي بالكلام، يبدعه الإنسان في القطاع العقلاني، ويجسّده بألفاظ اللغة المتصفة بصفات فنية إيحائية، في مفرداتها وتراكيبها ومضامينها المعنوية”. في حين يعتبر طه حسين الأدب “مأثور الكلام نظما ونثرا، وإن هذا الكلام المأثور لايستطيع أن ينهض الأديب بفهمه وتذوقه إلاّ إذا اعتمد على ثقافة عامة قوية، وعلى طائفة من العلوم الاجتماعية التي لابد منها.” بينما يرى كمال اليازجي أن مفهوم الأدب: في مصطلحنا النقدي الأدب مأثور الكلام الجميل الذي يعبر عن عاطفة ما تعبيرا قوياً.
وفسر المحاضر المنهج، والفرق بين منهج البحث والمنهج النقدي، وما للفكر من دور، معتبرا الفكر والفلسفة لونين
لنوع واحد من أنواع النشاط النظري في الأدب، بل فرعان لهذا النوع الأدبي. وأشار إلى وجهة نظر المفكر دي مان بقوله: “إن الأدب أصبح الموضوع الأساسي للفلسفة ونموذجا لنوع الحقائق (أوالحقيقة) التي تطمح الفلسفة لبلوغها”. فهناك مسالك واضحة سلكتها الفكرة الشعرية لعل أبرزها:
1- التعالي وتقديس القوة: أبو تمام- المتنبي.
2- الزهد والتأمل الصوفي: أبو العتاهية وابن الفارض.
3- الأستهتار وطلب اللذة: طرفة وأبو نواس
4- التسامي والأتجاه المثالي: الشريف الرضي ومهيار الديلمي.
5- التشكك والنظر الفلسفي: أبو العلاء المعري. شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء.
وبين المحاضر أن المنحى الفكري في النثر أقوى منه في الشعر، لأن النثر طليق من القيود التي تكبّل اللفظة وتتحكم بالفكرة. وقد قال طه حسين: النثر لغة العقل. ويمكن أن نذكر في هذا المضمار على سبيل المثال:
قضايا المجتمع: العدالة الاجتماعية- الحسن البصري. والتعاون الاجتماعي: اخوان الصفا
شؤون الفكر: التعليل العلمي-أبو حيان التوحيدي. والبحث الدبي – ابن خلدون وطه حسين (مثلا الشعر الجاهلي
موضوع أدبي صيغ في قالب علمي ومنهج فلسفي وتاريخي وتحليلي).
مباحث الفلسفة: النظر الفلسفي- الجاحظ. والانطلاق الغيبي- أبو العلاء المعري في رسالة الغفران.
مسائل السياسة: الفارابي والمعتزلة وابن خلدون وحسن البنا.

وتحدث المحاضر عن حرية الأدب والأديب، واقتبس قول عميد الأدب العربي طه حسين: “الأدب في حاجة إذن الى هذه الحرية، هو في حاجة الى ألاّ يعتبر علما دينيا ولا وسيلة دينية، وهو في حاجة إلى أن يتحرر من هذا التقديس، هو في حاجة الى أن يكون كغيره من العلوم قادرا على أن يخضع للبحث والنقد والتحليل والشك والرفض والإنكار. لأن هذه الأشياء كلها هي الأشياء الخصبة حقا، واللغة العربية في حاجة الى أن تتحلل من التقديس. هي في حاجة الى أن تخضع لعمل الباحثين كما تخضع المادة لتجارب العلماء. يوم يتحرر الأدب من هذه التبعية ويوم تتحلل االلغة من هذا التقديس يستقيم الأدب حقا ويزدهر حقا ويؤتي ثمرا قيما لذيذا حقا.”
ويقول الفيلسوف عمانويل كانت عن الأنوار “لا شيء يلزم لتلك الأنوار سوى الحرية. وبالحق الحرية مسألة من بين كل ما يمكن أن يحمل هذا الاسم، أعني حرية أن يستعمل المرء عقله علانية في جميع المجالات.”

النقد الأدبي
“النقد مذاهب وتيارات، تتصل بقواعد الفكر واتجاهاته عند كل ناقد، بهذا المعنى فالنقد كما عبر عنه ميشال عاصي “نوع من أنواع النشاط النظري في الأدب، قوامه البحث في نشاطات الانسان أية كانت، نظرية أو عملية، في الأدب أو في واقع الحياة، ابتغاء التحليل والدراسة، وبيانا لمواضع الخطأ والصواب، استنادا لوجهة نظر الناقد ومقاييسه ومفاهيمه”. والنقد عند محمد مندور فن تمييز الأساليب. ويعتبر طه حسين النقد الأدبي “في المحيط الانساني نشاطا عقليا هدفه التمييز بين ما هو جيد وما هو رديء. وما هو جوهري وما هو تافه. وعليه فالنقد هو عملية كشف الحقيقة من الباطل، والصحيح من الخطأ، وهو تحرير العقل من قيد التقليد ومن اللامبالاة لبيان ما هو مفيد ونافع.” وفسر مفهوم النقد الأدبي عن طريق وضع مقياس للنقد الأدبي لتحقيق الشعر والأدب فيما إذا كان صحيحا أو غير صحيح، هذا المقياس سماه “المقياس المركب”. ويفهم أناتول فرانس النقد الأدبي أنه “مغامرة يقوم بها العقل بين الآثار الأدبية”. ولكن في كل الأحوال فالنقد “لغة تنكب على اللغة. واللغة بطبيعتها تحمل معها قوانين فهمها التي يتفق على اختزانها وتمثلها كلّ من المتكلم والمستمع. والنقد من هذه الناحية أدب ينظر في الأدب، يحلله الناقد ويقيمه، ليبدي رأيه فيه.
وذكر المحاضر أدب النقد، وأشكال الأدب النقدي وأغراض النقد التي هي “جميع الأنواع الأدبية وأغراضها وأشكالها واتجاهاتها بلا استثناء”. وطرح السؤال الملِّح “هل غاية اللغة في الأدب أو غاية الأدب في اللغة؟” عند كل من طه حسين وميخائيل نعيمة.

المحور الثاني:
نظرة في بعض الإتجاهات والأساليب النقدية
تحدث المحاضر عن بعض الأتجاهات النقدية، وبعض الأساليب البالية في النقد الأدبي العربي، وكذلك بعض الأساليب الحديثة ومدى تأثرها بالفكر الأوربي، مؤكدا أنه يجب أن يكون النقد بعيدا عن المشاعر الشخصية والعلاقات والإيديولوجيات في نقد الناقد للأثار الأدبية. ومن هذه الأساليب والإتجاهات:
1. الأسلوب الفضفاض: وهو رصف الكلمات والعبارات دون دقة تؤديها ترجمة للغة ما أو توضيح لها، وكأن الناقد لم يفهم النص، لأن “ما يُدرَك جيدا يعبر عنه جيدا، وبوضوح” كما عبر عنه الناقد الفرنسي بوالو، وأن ما لايُدرك جيدا لايعبر عنه جيدا.
2. الأسلوب الغيبي: ناشىء عن اضطراب بعيد عن جوهر المعرفة الحقيقية. فيأتي الأسلوب غامضا
3. الأسلوب الشاعري
4. الأسلوب “البنيوي المتكلف
5. الأسلوب “الانطباعي التعميمي” أي عدم تحديد المفردة، وعدم ضبط المعنى من خلال دراسة منهجية متساوقة.
6. معالجة النص أو “نقد النص” مفسرا القصد من نقد النص وتحليل النص وشروطه.
7. “النقد البحثي” الذي يستخدم عادة في المجالات الأكاديمية.
8. التفكيكية والبنيوية: وتعارضهما. حيث بحث المحاضر تفكيك الارتباطات المفترضة بين اللغة وكل ما يقع خارجها، فيما إذا يوجد نظام خارج اللغة، مشيرا إلى وجهة نظر المفكر الفرنسي دريدا مؤسس التفكيكية بأنه “لايوجد شيء خارج النص”. وشرح الانتقادات التي توجه للتفكيكية من أنها اكتفت بالتقويض، لكنها تهدم كل شيء في التقاليد وتشكك في العلاقة مع اللغة ودور التاريخ.
9. أسلوب العبث والسخرية، مثال ذلك عند طه حسين وفولتير وأبي العلاء المعري
وشرح المحاضر مجموعة من الاتجاهات والمناهج النقدية في العراق كما بحثها الناقد العراقي سعيد الغانمي منها
– – نظرية الدفاع عن المؤلف
– – المنهج النَّصي
– – المنهج الانطباعي
– – النقد الاجتماعي
– – المنهج البلاغي
– – الإتجاه النصي
وأشار أيضا إلى بعض الملاحظات النقدية طبقا لوجهة نظر الناقد الأردني د. محمد القضاة:
– – اشكالية موضوعة التلقي في الفضاء النقدي العربي
– – الانشغال بالمشاريع الموغلة بالذاتية
– – اشكالية المجاملة والتحامل أدت إلى الهيمنة الأكاديمية على المجمل من الأنتاج المتداول
– – شروط الإبداع يجب أن تكون غير شروط النقد
– – حالة التصدع بين المثقفين بسبب الرقابة

المحور الثالث:
النقد الادبي واشكالية الذات- الجمعية والفردية
يتخذ مفهوم الغير في التمثل الشائع معنى تنحصر دلالته في الآخر المتميز عن الأنا الفردية أو الجماعية.إذا حددنا الأنا فلسفيا باعتبارها ذاتا مفكرة أو أخلاقية ؛ فإن مفهوم الغير يتخذ أبعادا متنوعة يمكن حصرها في المماثلة أو الاختلاف. فالفيلسوف الألماني عمانويل كانت أو كانط يماثل بين الأنا والغير، باعتبار الوجود الإنساني وجودا يتسم بالحرية والإرادة. وعند جون بول سارتر يكون الغير أنا أخرى ليست أناي الفردية. وعند أرسطو يكون الغير مقابلا ل هو.
كان الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت أول مَن حاول إقامة مفارقة بين الأنا الفردية الواعية وبين الغير، رافضا كل استعانة بالغير في أثناء عملية الشك، فوجود الغير في إدراك الحقيقة ليس وجودا ضروريا، إلى درجة أنه حاول إقصاء الغير. في حين يرى الفيلسوف الألماني هيغل أن الذات تكون من خلال اعتراف الغير بها، ووجود الغير بالنسبة إلى الذات وجودا ضروريا. ويقول هيغل أيضا: “نحن قبل أن نفكر في الأنا، إننا نتمظهر إلى “النحن” الجماعية بشكل يتجاوز الأنا بصيغة المفرد النحوي كما لو كنا نجمع في ذواتنا مجموعة من الذوات الأخرى المغايرة تبعا لتغير الآخرين.”
وشرح المحاضر إشكالية الذات عند بعض الأدباء والنقاد العراقيين، وبحث أسباب هذه الاشكالية، ولاسيما المآسي التي شهدها الشعب العراقي، والمناخ الثقافي الذي تعرض لكثير من الرقابة والاستبداد، مما أدى إلى البدايات المتكررة للحركة النقدية في العراق. فالشاعر العراقي معروف الرصافي صاحب الذات الجمعية أو الأنا الجماعية باعتبار أنه كان “راهب النقد الملتزم” طبقا لوجهة نظر الناقد العراقي سعيد الغانمي. و”الشاعر الفيلسوف” جميل صدقي الزهاوي المعجب بفيلسوف القوة نيتشه، كان من أنصار الذات الجماعية كالرصافي. أما بدر شاكر السياب فقد أعاد اكتشاف الذات الفردية الشاعرة في الشعر العربي. فالذات لم تعد عنده “الذات الجمعية” كما كانت لدى الرصافي والزهاوي، بل صارت الذات لديه “ذاتا فردية” مطالبا بأسطورة الفرد الثوري أو البائس. وكانت ثورة السيّاب والذين معه ثورة في العروض وفي المنظور والرؤية بدافع الآيديولوجيا والأسطورة.
ملاحظة: لم ندرج هنا أسماء المصادر والمراجع لأنه عرض موجز للمحاضرة التي تضم أكثر من ثلاثين صفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *