الرئيسية » شخصيات كوردية » مولانا إدريس البدليسي ودوره في لم شمل الكورد

مولانا إدريس البدليسي ودوره في لم شمل الكورد

بعد واقعة جالديران سنة 1514م الشهيرة والتي قسمت أراضي كوردستان ولأول مرة بين إمبراطوريتين الصفوية في إيران والعثمانية في أستانة(اسطنبول) ودخول القوات العثمانية إلى مدينة تبريز عاصمة الدولة الصفوية و جرح الشاه إسماعيل الصفوي(1487م ـ1524م) في المعركة وهروبه من ساحة المعركة. وبعد السيطرة على المقاطعات الخاضعة للشاه. فكر السلطان سليم ببسط سيطرته على قلاع الكورد، فوقع اختياره على الشيخ إدريس البدليسي لقيامه بهذه المهمة الصعبة والشاقة لاعتبارات عدة (1)
1ـ كون الشيخ إدريس البدليسي كان في بداية أمره موظفاَ(يعمل سكرتير الدولة عند يعقوب بن اوزن حسن الطويل الاق قوينلو من بلاد الجزيرة واحد مدعي التاج الإيراني وكان واحداَ من نوابغ عصره في العلم والأدب ويتمتع بنفوذ ديني ودنيوي واسع وهو صاحب القدرة الإدارية العالية في تنفيذ القرارات.(( تدرج في الترقي حتى تسنم كرسي الوزارة وقد زار في هذه الدولة السلطان بايزيد خان الثاني وألف له كتاب (هشت به هشت ـ الجنان الثمان) ثم تولى منصب التوقيعي لدى الشاه إسماعيل الصفوي وأخيرا لما رأى انتصارات الدولة العثمانية انحاز إلى جانب الدولة العثمانية ولازم السلطان سليم إلى بلاد العرب برتبة قاضي عسكر ودعا أمراء الكورد أن يخضعوا للحكومة العثمانية على أن يتمتعوا باستقلال إماراتهم الإداري)) (2) واستطاع أن يصل للبلاط العثماني بعد أن أعجب بقدراته السلطان سليم الأول الذي صحبه معه في حربه ضد الشاه إسماعيل الصفوي فقدم خلال هذه الحرب وما بعدها خدمات جلية للعثمانيين)) (3)
2ـ كان قائداَ عسكرياَ لامعاَ، ومؤرخاَ، ورجل الدولة،أي رجل السياسة (4). ورجل الدين وله مكانة دينية وتأثر كبير لمكانته والولاية الدينية لدى الكورد التي كان يحمل لواءها والطرق الدبلوماسية التي اتبعها. وتم إرساله عدّة مرات إلى كوردستان والعمل على إثارة عشائر الكورد على الدولة الصفوية (5) رغم أن جميع السكان في تلك المناطق من إقليم الجزيرة وكوردستان كانوا ينتظرون ساعة الخلاص من الحكم الصفوي وهكذا أخذت المدن المهمة في تلك المناطق تثور الواحدة تلو الأخرى (6). وتم تعيينه من قبل السلطان في منصب رفيع قاضي دائرة أناضول المسماة بدائرة عسكر العرب. وله آثار تاريخية منها(هه شت به هه شت،الجنان الثمان) وله أيضا آثار شعرية مشهورة في اللغتين الفارسية والعربية (8) لهذه الاعتبارات ندب الشيخ إدريس البدليسي للعمل على أثارة أمراء الكورد ورؤساء العشائر وحكام المقاطعات على حكم الشاه إسماعيل الصفوي والعمل إلى أرضاء الكورد واستمالة قلوبهم نحو الدولة العثمانية. وفي وقت بدأ البدليسي أعماله هذه كان السلطان قد خرج من أماسية في حملة، قاصدا كيماخ(KEMAH) التي افتتحها وفي ربيع سنة 1515م نجح إدريس البدليسي باقناع أمراء ورؤساء الامارات الكوردية بالانضمام إلى الدولة العثمانية وتقديم الطاعة والولاء لها طواعية وعن رضا مقابل تمتع الكورد بإدارة شؤونهم الداخلية من خلال أنظمة إدارية صالحة تتفق ورغبة الأهالي نوعاَ ما. وتم توقيع المعاهدة بين مولانا إدريس الذي كان يمثل السلطان ووقعها باسم السلطان وأمراء كوردستان في سنة 920هـ ـ 1515م منهم شرف بيك البدليسي في بدليس وأسرة بدرخان في جزيرة ابن عمر وأمراء هكاري والعمادية وأمراء اربيل وكركوك وخلفاء أسرة بابان في السليمانية والبيك الكوردي في دياربكر وأمراء حصن كيف وتمكن أن يقيم تسع ولايات كوردية. وكانت هذه المعاهدة تحتوي على المواد الآتية:
1ـ الاحتفاظ باستقلال وحرية الإمارات الكوردية مقابل دفع الكورد الضرائب وقيام الطرفين بالدفاع عن بعضها.
2ـ أن تنتقل الإدارة عند خلوها من شاغلها من الأب إلى أولاده(الذكور طبعاَ) أو يتصرف فيها حسب الأصول المحلية القديمة. فيصدر فرمان سلطاني بالموافقة على ذلك.
3ـ يساعد الكورد، الترك في جميع حروبهم
4ـ يساعد الترك الكورد ضد الاعتداءات الخارجية .
5ـ يدفع الكورد الصدقات والرسوم الشرعية لبيت المال الخاضع للخليفة( 9 )
وقعت هذه الوثيقة بفضل ودراية مولانا الشيخ إدريس البدليسي وسياسته الرشيدة وشعوره القومي لتأسيس كيان قومي للكورد على الرغم من إن الإمارات الكوردية حينذاك كانت تحكمها قيادات عشائرية إقطاعية فضلا عن تفشي الأمية والجهل في أوساطهم لذلك بقي الشعب الكوردي مجزأ وان هذه التجزئة في أوساطهم جعلتهم فريسة سهلة للقضاء عليهم وعندما رأت الدولة العثمانية مشهد الكورد بهذه الصورة وهشاشته الضعيفة، نقضت شروط هذه المعاهدة بعد خمسة عشر عاماَ من التوقيع عليها. وقامت بإخضاع إلامارات الكوردية إليها بالقوة واحدة تلو الأخرى حتى أتت على آخر إمارة كوردية. ولأجل إعطاء القارئ الكريم فكرة عن مدى العلاقة التي كانت قائمة بين إدريس البدليسي والسلطان سليم العثماني ونوعية تلك العلاقات أود الإشارة هنا إلى مقتطفات من رسالة السلطان العثماني سليم الموجهة إلى إدريس البدليسي في أواسط شهر شوال سنة 931هـ/ 1515م وجاء فيها:ـ أعمدة الأفاضل وقدوة أرباب الفضائل والسالك مسالك الطريقة والهادي إلى مناهج الشريعة ، كشاف المشكلات الدينية وجلال المعضلات اليقينية وخلاصة الماء والطين مقرب الملوك والسلاطين برهان أهل التوحيد والتقديس مولانا حكيم الدين إدريس أدام الله فضائله ليعلم عند وصول الفرمان العالي الهمايوني إن كتابكم وصل الآن إلى سدتي السعيدة مفيداَ بشرى تسببكم في فتح ولاية(دياربكر) كلها على مقتضى حسن ديانتك وأمانتك وفرط صداقتك واستقامتك كما هو المأمول منك بيض الله وجهك وان شاء الله الأعز تكون سبباَ فعالاَ في فتح سائر الولايات وأنواع عناياتي العلية الملكية متوجهة إليك ومبذولة في حقك. وقد أرسل مع مخصصاتكم إلى آخر شهر شوال المبارك ألفا جنيه ذهب(فلوري) وفروة سمور وأخرى وشق و( مربعان ثوبان) من الصوف وأثمان من الجوخ وكذا كول من الصوف مبطنا بفروة سمور واخر مبطنا بفروة وشق وسيف مذهب بغلاف مكسو بجوخ افرني تتسلمها بالصحة والسلامة وتصرفها في نفقاتك ودمت متمتعاَ بما أنت جدير به من أنواع تعطفاتي الملكية الجليلة ، تقديراَ لخدماتك ومكافأة لاستقامتك وإخلاصك.. وأرسلت أيضا أوراق بيض متوجة بالعلامة الشريفة السلطانية لأجل إرسالها إلى أمراء يلزم إرسال كتب استمالة إليهم فتحرر كتب الاستمالة على الصورة المناسبة وترسل إليهم مع الملكية…هذا وقد أوفد الآن إسماعيل الضلالي ابن الشيخ الاردبيلي المدعوين حسين بك وبهرام أغا من رجاله بسفارة إلى سدتي السعيدة، يعرض بواسطتهما تقريراَ وتحريراَ من أنواع الخضوع والطاعة ويتضرع ويتلمس بضروب من الملق والدهان عقد الصلح والسلامة، قائلاَ انه يقبل جميع ما اطلبه وابتغيه من ذلك الطرف بلا قيد ولا شرط ولكن لا يجوز الاعتماد على قوله وخلوص نيته، فلذا أمرت بحبس الرسولين المذكورين في قلعة(ديمترقة) وحاشيتهما في قلعة(كلبد البحر) فيجب عليك أن تقوم بدورك في اتخاذ أحسن التدابير من جانبك في شأن المقهور المذكور وفي الختام أرجو أن تظهر منك ضروب من الآثار الجليلة والمآثر الحميدة (10)
الهوامش 1ـ سيار كوكب الجميل ، دراسات في السيطرة العثمانية على الموصل وإقليم الجزيرة سنة 1516م وبدايات الصراع العثماني ـ الإيراني(الصفوي) في عهد السلطان سليم الأول ، بين النهرين (مجلة) السنة الثامنة، العدد(31)، 1980 ، ص 327 ؛ الموصل ؛ محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن ، ترجمة محمد علي عوني الجزء الأول ، ط2، بغداد، د.ت ، ص165.
2ـ شرفخان البدليسي، الشرفنامة ، ترجمة جميل الروزبياني ، بغداد ،1952، ص 372
3 ـ سيار كوكب الجميل ،المصدر السابق، ص 326
4 ـ د. كمال مظهر احمد ، كوردلاى كه ردليفسكى ، كوفارى كورى زانيارى عيراق، ده سته ى كورد به ركى ده يه ه م ، جابخانه ى كورى زانيارى عيراق، به غداد، 1983، ل 236.
5 ـ محمد أمين زكي، خلاصة تأريخ الكورد وكوردستان ، المصدر السابق، ص 165.
6ـ سيار كوكب الجميل، المصدر السابق، 327
7ـ المصدر نفسه.
8ـ شعبان مزيري ، ولاية الموصل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، دراسة في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، بغداد ، 2006، ص8 ، من منشورات دار جيا للطباعة والنشر.
9 ـ محمد أمين زكي، المصدر السابق، ص 371 هامش.
10ـ محمد أمين زكي، المصدر السابق ، ص63 ،ـ 64.
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *