الرئيسية » مقالات » على هامش ندوة (الحوار المتمدن) الذكرى الرابعة لإنهيار الديكتاتورية والغزو الأمريكي وحلفائه للعراق- العراق الى أين؟

على هامش ندوة (الحوار المتمدن) الذكرى الرابعة لإنهيار الديكتاتورية والغزو الأمريكي وحلفائه للعراق- العراق الى أين؟

بادئ ذي بدء ينبغي التوقف عند سبب إختيار العراق لهذا الغزو السريع والخاطف، ولماذا تم إختيار نظام صدام بعد نظام ملا عمر في أفغانستان كي يكون هدفاً لأوساط متنفذة في المجتمع الدولي من أجل الإطاحة به. إنه سؤال يثير الجدل والحيرة والتناقض عند الإجابة عليه سواء من قبل الاوساط السياسية والاعلامية العراقية منها أو العربية و الدولية. إن تلك الأوساط التي تضررت من إنهيار هذين النظامين، وخاصة نظام صدام، تنظر الى الغزو بإعتباره جزء من مخطط لتدمير الدول الإسلامية أو العربية أو توجيه المهانة لها والسيطرة على مقدراتها أو مسعى ديني بحت موجه ضد الأسلام كما تصوره التيارات الدينية المتطرفة وتحديداً “القاعدة” ومريديها في الدول الاسلامية. أما الأوساط التي كانت متضررة من النظام في العراق، سواء على نطاق الدول الإقليمية أو ضمن نطاق محدود من الوسط الشعبي فيها، إضافة الى الغالبية الساحقة من العراقيين، فقد رحبت بإنهيار النظام الديكتاتوري دون أن تعبر بجهارة عن دعمها لما قامت به قوات الغزو في إسقاط كابوس صدام. فقد أنحصر الترحيب الصريح بالغزو في مناطق معينة من العراق والتي كانت أكثر عرضة لتجبر وهمجية النظام السابق. ولم تشارك هذه الاوساط الأخيرة بما ذهبت إليه الفئة الأولى في وسمها للغزو، حيث لم تعتبره لا مهانة ولا عمل موجه لتطويق وتطويع الدول العربية والإسلامية، خاصة وأن العديد من هذه الدول العربية شاركت في الغزو لوجيستياً أو وضعت قواعدها وأراضيها لخدمة هذا الهدف.
إن مطلب إسقاط “دولة” صدام حسين وسلطته و “جمهورية الرعب” كان حلماً شعبياً يكاد يكون ساحقاً في العراق نفسه، علاوة على كونه مطلباً إقليمياً، وإضافة الى كونه مطلباً دولياً بعد أن إستنفذ هذا النظام كل دوره التخريبي الذي خدم أوساطاً دولية وخاصة دول غربية وإقليمية.وشدد العامل الدولي والاقليمي على ضرورة التغيير بعد أن تحول هذا النظام بعرف هذه الدول الى “مرتد” تجاوز الخطوط الحمر المخططة له مما توجب إزاحته. ففي العراق لم تنج أي من الفئات الاجتماعية والسياسية العراقية بما فيها أوساط واسعة في حزب البعث من شرور هذا النظام. وكان الجميع يسعى ويتطلع الى التغيير وبكل السبل. وهكذا أضحى هذا النظام الغريب يعاني من العزلة الخانقة شعبياً، وتحول الى مانع جدي أمام اي تطور في البلاد وإزدهارها، والى عائق أمام توفير الأمان والطمأنينة بل ومصدر رعب لكل العراقيين. ويكفي هنا أن نشير الى ظاهرة إنتفاض غالبية المحافظات العراقية ضد هذه السلطة الجابرة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، ومساعي جمهرة من رموز الأجهزة العسكرية والأمنية والحزبية، ناهيك عن المعارضة الرسمية، للإطاحة بها وإحداث تغيير وأي تغيير، وما نتج عن فشل هذه المساعي من مجازر ضد من تجرأ على ذلك. هذه الاحداث والمساعي مازالت ماثلة للعيان ولا حاجة الى ذكرها. أما إقليمياً فأصبح هذا الكيان موجوداً نشازاًف ولم يبق له أي صديق أو حليف سواء بين الدول العربية أو غير العربية التي إستفادت مؤقتاً من عبثيته، وبعد أن حول هذا النظام المنطقة الى ساحة لحروب عبثية رهيبة وغزو لبلدان مجاورة، وما نتج عنها من حالة عدم الاستقرار و”بلوعة” لهدر الموارد المالية والاقتصادية. لقد أدت مغامرات النظام الى إتساع التدخلات الأجنبية في المنطقة مما زاد الوضع الإقليمي خطورة وتعقيداً. وهكذا أضحى النظام يشكل عبأ ثقيلاً على الجميع مما تطلب إزاحته وتغييره. فقد كان تدخل حكم صدام حسين في الشؤون الداخلية اللبنانية وفي عدد من الدول العربية الأخرى وتمويل كيانات سياسية بالمال والسلاح والدعم المتنوع ولجوء مخابرات النظام الى حملات الاغتيالات السياسية لرموز سياسية عراقية أو عربية يشكل مصدر عدم إستقرار وتشديد النزاعات السياسية والعنفية فيها. وكان لتلويح النظام بأسلحة الدمار الشامل وقدرته على إنتاجها وإستخدامه لبعض منها سواء ضد العراقيين أو في الحرب العراقية الإيرانية، مصدر قلق للمجتمع الدولي لإدراك هذه الاوساط الدولية أن نظاماً كنظام صدام الذي يصعب التنبؤ بأفعاله، لا يستبعد أن يطور أسلحة الدمار الشامل ولا يتردد في إستخدامها في منطقة حبلى بالأحداث العاصفة والمواجهات المدمرة. ولم تختلف الاوساط الدولية المتحكمة في مفاتيح الامور على اسقاط النظام بقدر ما كانت تختلف على إنفراد الولايات المتحدة وعدد من حلفائها بذلك وما قد يؤدي ذلك الى فقدان إحتكار دول مثل روسيا وفرنسا والصين من بعض ما كانت تمتع به من إمتيازات في مجال النفط او مبيعات السلاح او العلاقات التجارية مع العراق، وهو يشكل أساس هذا الإختلاف في الموقف إلى جانب عوامل ثانوية أخرى. إن جميع هذه الدول، وبضمنها دول عربية مثل سوريا العضو غير الدائم في مجلس الأمن آنذاك، وافقت على قرار إحتلال العراق من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ولم يتم إدانة هذا الإحتلال بل تم شرعنته في وقت لاحق من قبل مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة. ثم تحولت هذه القوات الغازية بموجب قرار آخر لمجلس الأمن الى قوات متعددة الجنسيات مهمتها تأمين الأمن في العراق والمساعدة على إنتقال السيادة الى أيادي عراقية.

لقد رفع الإحتلال الغطاء عن تناقضات وصراعات ومشاكل زرعها النظام بالأساس خلال سنوات حكمه العجاف. وفاجأت هذه المظاهر وحدّتها الجميع بما فيها النخب السياسية العراقية وأوساط واسعة من الشعب العراقي. لقد إنهارت الدولة أي “دولة صدام حسين” كما كان يحلو له أن يسميها “عراق صدام” ويديرها هو بنفسه وبكل تفاصيلها بالفعل، وليس عراق شعب عريق بحضارته وثقافته، هذا العراق الذي لم يكن موجوداً على الخارطة الا بالإسم فقط. فالإحتلال لم يفجر الصراعات السياسية، فهي كانت موجودة بأبشع صورها منذ شباط عام 1963 ومغطاة بالرماد، وتجلت بأوضح صورها خلال فترة حكم البعث الثانية وبعد تربع صدام حسين على كرسي الحكم. كما أن النزاعات القومية وجدت مع قيام الدولة العراقية وبلغت أشدها في ظل هذا النظام. وما مأساة حلبجة والأنفال وتهجير الكورد والتركمان والآشوريين من مناطقهم والإبادة الجماعية لهم الا مثال صارخ على ذلك، وهي أيضاً ليس من صنع المحتلين. أما الطائفية الدامية والتعصب المذهبي والديني والتمييز الطائفي، فهي سياسة ملازمة لتشكيل الدولة العراقية صاحبتها التهجير واسقاط الجنسية العراقية، وتبعاً لذلك تشكلت أحزاب طائفية مثل حزب الفضيلة في الثلاثينيات وقد فشل بسبب وعي رجال من أمثال المرحوم جعفر أبو التمن الى خطل هذا الخيار، ثم حركة الاخوان المسلمون ووريثها الحالي الحزب الاسلامي العراقي، والمجلس الاعلى وحزب الدعوة وغيرها وهي كلها أحزاب تعلن صراحة هويتها الطائفية وليس الهوية العراقية كرد فعل على المنهج الطائفي للسلطة في العراق. وبلغت الطائفية والتمييز الطائفي ذروته الدامية في عهد صدام حسين وأكدتها صحفه وإرشادات خير الله طلفاح المريبة المخجلة العلنية، وتشجيع النظام للتيارات التكفيرية بحجة “حملته الإيمانية” وتصفيته لكل التيارات العقلانية وبشدة، مما فاقم وقاد الى تنامي التطرف المذهبي والديني عند التيارات الطائفية بكل ألوانها في عهد النظام السابق. إن ما نشاهده حالياً ما هو الا تجلي لا يقل بشاعة عن ما كان يحدث سابقاً وإستمرار له وبنفس الاسلوب وبنفس الأيادي مع تجنيد أيادي جديدة من وحوش “القاعدة” والقوى التكفيرية، ومع فارق إن هذه المشاهد الهمجية تلتقطها يومياً عدسات التلفزة حالياً، في حين كانت حلقات هذا المسلسل البغيض تتم بشكل “منظم” وسري وليس عشوائي وفي أقبية التعذيب أو في الصحاري وبقرارات حكومية رسمية مطبوعة عرضت أثناء جلسات محكمة الجنايات العليا العراقية. إذن هذه الصراعات كانت موجودة وليس نتيجة للإحتلال بل هي ممارسة رسمية لدولة صدام حسين، وكان الإحتلال قد رفع الغطاء عنها وليس هو من إفتعلها كما يردد بعض العراقيون.
يقوم بعض الكتاب العراقيين والاجانب بقراءة خاطئة لما يجري في العراق. لننظر الى ما كتبه أحدهم ونشر على موقع “الحوار المتمدن”، حيث يقول:” ادى احتلال العراق الى تحول مجتمعه الى اكبر ساحة قتل واجرام وصراع بين قطبين ارهابيين؛ دولة امريكا وحلفاءها من جهة والاسلام السياسي من جهة اخرى. ادى اقتلاع الدولة في العراق نتيجة الاحتلال الى انهيار الامن وتفشي الميليشيات والعصابات الاسلامية والقومية وانهيار اركان المجتمع المدني ونشوب الحروب الطائفية والدينية وتفتت البنية الاجتماعية من مدنية الى طائفية وقبلية وانهيار واسع لحقوق الجماهير من عمال ونساء وشباب واطفال والى حرمان واسع وشظف عيش لعموم الجماهير”. وهذه صورة غير دقيقة. فالصراع الحقيقي والأساسي في العراق يجري بين العراقيين التواقين الى العدالة والحرية والديمقراطية وبين من يريد إعادة العجلة الى الوراء وفرض الاستبداد السابق أو فرض الاستبداد الهمجي المغلف بغلاف الدين على العراقيين وإقامة “الخلافة الإسلامية” الإرهابية. ويكفي أن ننظر الى ما يجري على الساحة لنتبين بوضوح إن قوى الردة تسعى وبشراسة وبإرتكاب أعمال وحشية الى عرقلة بناء دولة القانون في البلاد وحرمان الشعب من ممارسة حقوقه الدستورية في ظل نظام ديمقراطي وتمير كل البنى التحتية. كما أنه من الغريب أن يتحدث البعض عن إنهيار الأمن!! فهل كان الأمن للشعب مستتباً في العراق سابقاً، وهل كان العراقي يأمن على نفسه وماله وعرضه في عهد صدام؟؟، وهل كان البعثي نفسه مطمئناً على مستقيله من غضب الطاغية؟ أم ان ما كان مستتباً هو أمن صدام وحاشيته. فلو كان الأمن مستتباً للشعب فكيف لنا أن نفسر المذابح والإبادة الجماعية التي طالت مئات الألاف من العراقيين الذين تم قصفهم بإسلحة الدمار الشامل أوتم قبرهم في القبور الجماعية المنتشرة في كل أصقاع العراق. ومتى كان لدينا مجتمع مدني في ظل صدام كي ينهار مع الإحتلال كما ورد في المقال؟؟، وأين كانت الحقوق الواسعة للجماهير كي تنهار مع إنهيار دولة صدام؟؟. كما إن الوضع المعاشي للجماهير على سوءه الآن هو أفضل بمئات المرات وليس أسوء مما كان عليه في عهد الحكم السابق. إن هذا الإلتباس يطغي أحياناً على مقالات وسط غير قليل خاصة من الكتاب غير العراقيين؟.
ومع كل هذا وذاك، فهل هذا يعني أن يهلل العراقيون لإحتلال بلدهم، أو تجاهل جملة من الممارسات والأخطاء والإنتهاكات الخطيرة لعسكر الولايات المتحدة في العراق، وهي تخرج من خطأ ثم تدخل في خطأ آخر. بالطبع كلا، ولا يوجد بين العراقيين من يفكر على هذه الشاكلة. فسيادة البلد هو أمر عزيز على كل مواطن عراقي. ولكن من جاء بالإحتلال هو النظام السابق حيث أقحم في البداية الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى في الصراعات الجارية في المنطقة خاصة بعد أن غامرت دولة صدام حسين بالعدوان على الشعب الإيراني. وبادر النظام الى الإستجداء والإستقواء بالولايات المتحدة وبأطراف إقليمية ودولية أخرى للخروج سالماً من ورطته. وهذا ما عبد الطريق لتدخل أوسع لهذه الدول في الشؤون الداخلية العراقية وفي الشؤون الإقليمية. وعندما إنقلب الحكم على نهجه السابق وتصاعدت أحلامه الدونكيشوتية وبادر الى غزو الكويت، أصبحت الفرصة مهيأة كلياً للتدخل الخارجي في العراق من أبواب أوسع، وبعد أن أصبحت دولة صدام مدانة دولياً. وهكذا أخذ العامل الدولي بيده مسألة تغيير الحكم، بل وأصبح هذا العامل الأداة الوحيدة في أي عملية تغيير للحكم يسعى إليه الشعب العراقي أيضاً. فقد شلت يد الشعب وقواه الوطنية كلياً، وهذا ما أوضحته تجربة إنتفاضة آذار عام 1991، في تولي الشعب العراقي لعملية التغيير لأسباب عديدة. وأخذ الشعب يدفع تبعات مغامرات حاكمه، على غرار ما دفعه الشعب الالماني جراء مغامرات هتلر من تعويضات وتدخل خارجي وإحتلال وهو، أي الشعب العراقي كالشعب الالماني، لم يكن له أي رأي في كل هذه السياسة العدوانية، بل وكان معارضاً لها. وتحتم على العراقيين دفع التعويضات المادية والضحايا جراء الحروب التي شنت ضد النظام والكثير من التبعات المدمرة التي يتحملها النظام وليس العراقيين. ولكن الاطراف الدولية وفي القرارات التي إتخذتها لم تفرق بين الشعب وحاكمه المتجبر المعتدي، وهذا هو ما طبق أيضاً على شعوب أخرى دفعت فاتورة طغيان جبابرتها. وكان من الصعب مطالبة المجتمع الدولي بالتفريق بين الشعب وجلاده. ومما لعب دوراً في تكريس العمل الخارجي في أي تغيير هي تلك المجاميع الإرهابية التي كانت موجود حتى قبل الإحتلال، وبقايا النظام والميليشيات المسلحة العبثية، والتي تقوم الآن بكل ما من شأنه عرقلة إنسحاب هذه القوات وفقدان مبررات وجودها.
إن الوحشية التي يتعرض اليها العراقيون تأتي بالدرجة الأولى من المجاميع الارهابية وفلول النظام السابق وعصابات الجريمة المنظمة والميليشيات التي تنتهك كرامة الانسان العراقي وتغتصب النساء العراقيات وتدمير المدن وتفرض “خلافتها الدينية” والخاوات والأتاوات على بعض المناطق، وتجند الأجانب للدخول بأحزمتهم الناسفة لتودي بحياة الكادحين العراقيين وإرتكاب أعمال القتل على الهوية. بالطبع لا يعني هذا غض النظر عن إنتهاكات قامت بها عناصر في الجيش الامريكي والتي لا تشكل الا قطرة من بحر الاجرام الذي تشيعه قوى الظلام والردة في العراق بإسم “المقاومة”. إن عمل إنتحاري في دقيقو واحدة يؤدي الى إبادة العشرات وجرح المئات من العراقيين يومياً. إن هذه “المقاومة” التي يحلو لبعض الكتاب وللأسف أن ينعتوها بأوصاف مزورة بعيد كل البعد عن واقع الحال، حيث يقول أحدهم مايلي في موقع “الحوار المتمدن”:” فالمقاومة في هذه المرحلة تضم طلائع جميع فئات الشعب ولابد من صهرها في بوتقة النضال وتسليح قيادتها بالوعي الماركسي الثوري الذي يصونها ويضمن تطورها وانتصارها الحاسم”. فأية طلائع للشعب تشكل هذه الزمر؟؟وأي نضال تخوضه وهي تختص بقتل العراقيين البسطاء؟؟ وأي إنصهار لها في بوتقة الوعي الماركسي الثوري؟؟ الرحمة على روح ماركس الذي لم يحلم أن يُربط إسمه بقتلة وأشرار وصيّاع وصعاليك!!.
إن الاسئلة التي يطرحها موقع “الحوار المتمدن” على الكتّاب هي في الحقيقة تبتعد بقدر ما عن طابع الاسئلة المجردة، وتتخذ طابع الترويج وفرض رأي معين عند الإجابة على هذه الاسئلة، وهو أسلوب يحتاج الى التعديل من قبل إدارة الموقع. ولكن مع ذلك سنتحدث بإقتضاب عن بعض ماورد في هذه الاسئلة-الاجوبة. إن الحديث عن أن امريكا رفعت شعار الديمقراطية كراية لحملتها في العراق هو غير دقيق. فلو نظرنا الى تاريخ العراق منذ تأسيس الدولة العراقية لوجدنا إن الغالبية الساحقة من الاحزاب العراقية رفعت شعار الديمقراطية في صدر برامجها السياسية منذ تشكيل لدولة العراقية الحديثة وقبل أن ترفعه وتفكر به أمريكا بعقود. وأرتضت حتى التيارات المذهبية في الآونة الأخيرة وبشكل متأخر بالقبول بنتف من الديمقراطية كمنهج في إدارة الدولة العراقية. فهو ليس إذن شعاراً أمريكياً، الا إذا أريد أن يحشر قسراً ضمن مطالب الولايات المتحدة لغرض “تبشيع” الديمقراطية وأبعاد الناس عن المطالبة بها لكونها “بضاعة مستوردة” من الولايات المتحدة مستغلين إنعدام الود بشكل عام أزاء الولايات المتحدة في بلداننا لأسباب تتعلق بسياستها ودعمها خاصة في أثناء الحرب الباردة للأنظمة الديكتاتورية في المنطقة وموقفها من القضية الفلسطينية. إن الديمقراطية ممارسة جديدة في العراق ولم يكتب له الفشل كما ورد في السؤال. فلا يمكن أن تتحقق الديمقراطية في العراق بين ليلة وضحاها، فهي عملية مخاض تتخلها الكثير من العقبات ضمن صراع عنيف دموي بين من يدعو لها وبين من يخالفها. إن العملية الديمقراطية تتعثر الآن، ولكنها تكتسح يومياً الكثير من المفاهيم والقيم الاستبدادية والطائفية البالية، ولهذا نرى ردة الفعل العنيفة لقوى التخلف ضدها. وهنا يطرح “الحوار المتمدن” السؤال التالي: “هل بالإمكان أن معالجة حقوق الإنسان، المرأة والطفل، حقوق القوميات والأقليات، الثقافة والإعلام، التربية والتعليم والمجتمع المدني وقيم التحرر والمساواة في بلد محتل ..”؟؟ الجواب نعم يمكن، فألمانيا واليابان وإيطاليا وغالبية الدول الاوربية الغربية كانت محتلة بعد الحرب العالمية الثانية، وتوجد الى الآن قواعد أمريكية فيها، ولكنها إستطاعت بعد سنوات قليلة من الإحتلال وبمعونته أن تسن أكثر الدساتير ديمقراطية في العالم وخاصة الدستور الإيطالي. كما أن دولاً مثل كوريا الجنوبية وعدد من بلدان النمور الاسيوية سارت على طريق الديمقراطية بوجود قوات أجنبية في حين لم تستطع دول غير محتلة مثل مصر وسوريا والعراق وإيران وكوريا الشمالية..الخ ان تبني مؤسسات ديمقراطية، بل أنظمة إستبدادية. ولا أدري كيف نصف ممارسة المواطنين الأكراد والآشوريين والتركمان حقوقهم الأثنية الآن وفي ظل وجود القوات الدولية؟ هل هي بدعة ومؤامرة أمريكية ودليل على “وحشية الإحتلال” أم ممارسات سلبية؟ وهل هذه الممارسة هي توجه أمريكي لإثارة النزاعات العنصرية والقومية؟ أو أنها ترسيخ للقيم العشائرية وإشاعة الخرافات كما ورد في الأسئلة؟ وهل إن إحقاق الحقوق القومية للعراقيين بكل منحدراتهم الأثنية هي إستجابة لضغوط أمريكية أم تحقيق لإرادة شعبية ناضل من أجلها العراقيون وقدموا التضحيات الغالية ولعقود مديدة؟؟.
إن الأسئلة التي يطرحها “الحوار المتمدن” لا ترمي الا الى أظهار جوانب سلبية رافقت الغزو في 9 نيسان عام 2003. الا أنها لا تمس أية نتيجة إيجابية. وليسمح لي القارئ الكريم التوقف وبتجرد عند بعض ما تحقق نتيجة للإحتلال ووجود القوات المتعددة الجنسيات في العراق.
* إن الغزو قد أوقف والى غير رجعة مساعي النظام السابق الى الإبادة العرقية لمجاميع أثنية قطنت العراق منذ أن ولدت الحضارة في هذا الوادي بل وكانوا أحد أركانها. هذه الحملة من الأبادة أستخدم النظام فيها كل أشكال الأسلحة التقليدية وغير التقليدية والتي طالت عشرات بل ومئات الالاف من العراقيين، والتي أكدتها جلسات محكمة الجنايات العليا العراقية وأعترف بها حتى من شارك في الجريمة. وشمل هذا التطهير العرقي وسطاً كبيراً دفع قسراً الى خارج الحدود وبأعداد تصل الى أكثر من مليون عراقي، الذي هو الآخر قد توقف بعد الغزو. بالطبع ونتيجة لسوء إدارة الاحتلال وتخبطها لم تستطع هذه الادارة من الوقف الكلي للعنف وحملات التهجير وتخريب بقايا النظام لاحقاً، وإستمرت أعمال القتل والتخريب والتي يتم معالجتها ضمن الخطة الأمنية الجديدة.
*في ظل هذا الغزو تم إلغاء 80% من الديون التي أثقلها النظام السابق على العراق نتيجة لعنترياته ومغامراته. ولم يبق من هذه الديون الا تلك الديون التي تطالب بها “الدول العربية الشقيقة” التي مازالت تتردد في إلغائها. ويبدو وللأسف إن موقع العراق بين اشقائه كموقع يوسف بين اشقائه، حيث لم يمد الاشقاء العرب للعراقيين المساعدة والدعم اللازمين، واستلموا منهم فقط “هدايا” المفخخين ورسل الموت والتدمير. كما توفرت إمكانية كبيرة لإستلام مساعدات خارجية ضخمة لإعادة إعمار البلاد والتي لم يجر المطالبة بها بشكل جدي من قبل حكومتنا، ولم يمكن الاستفادة منها بشكل فعال بسبب الاوضاع الامنية. ومع ذلك تحسن الوضع المالي والاقتصادي والمعيشي في العراق رغم الفوضى الإقتصادية التي صاحبت الغزو والعوز والبطالة. ولعل أحسن تعبير عن ذلك ما أعلنه السيد سنان الشبيبي مدير البنك المركزي العراقي عن أن إحتياطي العراق من العملة الصعبة بلغ هذا العام 14 مليار دولار ولأول مرة ، وبعد عقود من إفلاس الدولة في ظل حكم صدام ومنذ عام 1980.
*ولأول مرة ومنذ تشكيل الدولة العراقية، وفي ظل الاحتلال، تتوفر فرصة للعراقيين في الخوض في ثلاث إنتخابات تمتعت بقدر غير قليل من النزاهة رغم الشوائب والمظاهر السلبية التي رافقتها أو النتائج التي أتت بها. فليس كل من جرى إنتخابهم قد برروا هذا الإنتخاب، إذ مازال البعض متلبس بثقافة العنف وممارسة “القنادر” في إقناع الآخرين. وقد إرتكب بعض العراقيين الخطأ في إختيار بعض ممثليهم، ولكنها الخطوة الأولى، وسيتعلم العراقيون تدريجياً إنتخاب الأصلح كي يمثلهم في المؤسسات التشريعية والتنفيذية. أما عن الأفرازات السلبية الطائفية والمحاصصة وغيرها فما هي الا إفرازات جاءت نتيجة للتشويه الذي طرأ على المجتمع خلال عقود طويلة وستزول مع ترسخ العملية الديمقراطية وسيادة الثقة والتكافل بين والتضامن بين العراقيين بدلاً من ثقافة الكراهية والموت الذي أشاعه النظام السابق ويحاول تكريسه أذنابه في المرحلة العصيبة الحالية.
*بعد الإطاحة بالنظام خرج العراق من عزلته الاقليمية والدولية، وشرع رويدا رويدا بالاندماج بالمجتمع الدولي كي يستفيد من ايجابيات هذا الاندماج، ولم يكن ذلك بمعزل عن الدعم الذي قدمته الدول المشاركة في غزو العراق.
*يحق للعراقيين توجيه اللوم والإدانة الى القوات المتعددة الجنسيات واسلوبها الخاطئ في المداهمات والمبالغة في استخدام العنف، كما يحق لهم التطلع الى استكمال سيادة البلد. ولكن هذه المطالب المشروعة تتخذ قدراً من التروي والعقلانية عندما يتعلق الأمر بطرح شعار الخروج الفوري للقوات الاجنبية، حيث تشعر الغالبية الساحقة من العراقيين، سواء في مجلس النواب المنتحب أو في الحكومة المنتخبة، إضافة الى تلك الاحزاب التي كان صوتها عالياً في رفض الإختلال، الى التروي لحين إستكمال بناء القوة الأمنية العراقية القادرة على حماية المواطن العراقي، وتفادياً لأية تداعيات في الوضع الأمني قد توفر الفرصة لإعلان “أمارات فاشية” أو عودة الفاشية السابقة الى الحكم. وتتوجه الاطراف العراقية بغالبيتها الى تلك القوى الامريكية والبريطانية المطالبة بسحب قوات بلديهما من العراق بالتروي لحين إستكمال بناء الاجهزة الامنية العراقية. ويشعر وسط واسع من العراقيين أن اللجوء الى الطريق السلمي في أعادة السيادة للعراقيين هو الطريق الافضل لحماية البلد وصيانة ارواح العراقيين بعد كل مآسي الحروب التي واجهوها، حيث أن لدى لعراقيين أدوات فعالة ممثلة في القرارات الدولية التي تبيح لأية حكومة عراقية منتخبة بطلب سحب القوات في اية لحظة ترتأيها ومتى ما إستتب الأمن في البلاد دون الاستعانة بقرقعة السلاح والشعارات التي لا طائل منها أو المزايدات في الوطنية أو السيادة وتخوين هذا أو ذاك وإحتكار الحقيقة من أي طرف أو “جيش” أو “كتائب”. فليس من حق أي جهة أن تنفرد بقرار التعامل مع وجود القوات الاجنبية في البلاد، وعلى شاكلة ما مارسه حزب الله من كوارث في لبنان وإنفراده بقرارات الحرب في البلاد.
نعم إننا نمر في مرحلة معقدة وأليمة وعصيبة، وهي مرحلة تقترن بأي إنعطاف عاصف في أي بلد، والحليم تكفيه تجارب شعوب أخرى. ولكنني على ثقة بقدرة العراقيين على تجاوز هذه المحنة وتصحيح مسار العملية السياسية وتنقيتها من الشوائب واستعادة الأمان للعراقيين وشد لحمتهم وإستعادة السيادة وبناء عراق ديمقراطي فدرالي مزدهر رغم كل الصعوبات او النفق الذي يبدو مظلماً للبعض الآن.
نوروز- 21 آذار 2007