الرئيسية » مقالات » هل يمكن اعتبار مؤتمر بغداد خطوة إيجابية على الطريق الصحيح؟

هل يمكن اعتبار مؤتمر بغداد خطوة إيجابية على الطريق الصحيح؟

في خضم الصراع ضد قوى الإرهاب في العراق والسعي لإيجاد آليات مناسبة لتوسيع قاعدة المشاركين في العملية السياسية وصولاً إلى المصالحة الوطنية مع القوى التي ما تزال نظيفة والتي سوف تستغرق وقتاً غير قصير, وفي زحمة العمليات الإرهابية الإجرامية التي نفذت بخسة وكراهية ضد الثقافة العراقية, ضد الخزين الثقافي العراقي في شارع المتنبي العتيد وضد الإنسان العراقي امرأة كانت أم رجلاً من جهة, والعمليات الإجرامية الأخرى التي مورست ضد زوار كربلاء في أربعينية الإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب وأخيه أبو الفضل العباس وفي مناطق أخرى من العراق من جهة أخرى, في هذه الفترة بالذات عقد مؤتمر بغداد للبحث في سبل مواجهة الوضع الاستثنائي الذي يعيش فيه العراق في المرحلة الراهنة وسبل دعم جهود الحكومة العراقية لإرساء دعائم الأمن والاستقرار وإيقاف نزيف الدم المتواصل والخراب الاقتصادي والدمار العمراني. وقد شارك في هذا اللقاء مسؤولون وسفراء من الدول المجاورة ذات العلاقة المباشرة بأوضاع العراق الداخلية وقوى إقليمية ودولية لها دور, بهذا القدر أو ذاك, في كل ما يجري في العراق سلباً أو إيجاباً. لقد تمكنت المبادرة الحكومية العراقية المهمة, التي استغرقت وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً وعقلانية في التحرك, تحقيق ما يلي:
• جمع كافة الأطراف ذات العلاقة باستمرار تردي الأوضاع الأمنية وعدم الاستقرار في العراق لتجلس معاً وحول طاولة واحدة لتتحاور في ما بينها وتفتح الطريق لمعالجة أوضاع العراق بطرق سلمية وديمقراطية.
• إقناع تلك القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على أرض العراق وعلى حساب الشعب العراقي وحياته ومستقبله, بحضورها مؤتمر بغداد والمشاركة في أعماله الخاصة بالعراق بعد أن كانت ترفض أن تلتقي أساساً وتضع شروطاً أي لقاء في ما بينها.
• كشف حساب حول العواقب الوخيمة التي يعاني منها المجتمع العراقي نتيجة تلك الصراعات واحتمالات فعلية في انتقال أو تصدير وانتشار دائرة العمليات الإرهابية من أرض العراق إلى أراضي الدول المجاورة وحتى تلك البعيدة عن العراق. ويمكن للمتتبع أن يجد بدايات ملموسة في هذا الصدد على صعيد العديد من دول الجوار وغيرها, ومنها إيران ولبنان والسعودية والأردن والمغرب, على سبيل المثال لا الحصر.
• تأكيد حقيقة أن من يرغب في إخراج القوات الأجنبية المحتلة من أرض العراق عليه أن يساهم في العمل الجاد والمسؤول لإيقاف الإرهاب الدموي الجاري في أنحاء مختلفة من البلاد, وخاصة العاصمة بغداد.
• اعتبار اللقاء خطوة أولى لعقد مؤتمر أوسع وأرفع مستوى ليبحث في تفاصيل ملموسة ومحددة لدعم العراق وإيقاف التدخل في شؤونه الداخلية ولجم قوى الإرهاب الدموي.
لهذه الأغراض المحددة عُقد مؤتمر بغداد في العاشر من هذا الشهر (آذار 2007) وليوم واحد فقط. والسؤال هو: هل حقق المؤتمر أغراضه؟ وهل يتوقع أن يكون المؤتمر القادم أكثر إيجابية ونجاحاً؟
النجاح والفشل مسألة نسبية ترتبط بالأهداف التي يضعها كل فرد لهذه الخطوة الأولى على الطريق الطويل لإحلال الأمن والاستقرار والسلام الأهلي في العراق. فالبعض اعتبر اللقاء فاشلاً وأنطلق من مواقع بعيدة كل البعد عن الواقع العراقي. ولم يكن هؤلاء السادة من معسكر واحد, بل كانوا من اليسار واليمين في آن واحد. كان البعض يتوقع, وربما يتمنى, الفشل ابتداءً, لأنه, كما يعتقد, بمثابة فشل للسياسة الأمريكية في المنطقة, في حين أن فشل المؤتمر يعتبر بمثابة مزيد من القتل للعراقيات والعراقيين ومن مختلف الأديان والمذاهب والاتجاهات, ومن مختلف القوميات, والمزيد من التدخل في شؤون العراق الداخلية, واستمرار بقاء القوات الأجنبية في البلاد. البعض الآخر بالغ في تصوير نجاح المؤتمر لأنه كان يائساً من عقده أصلاً, وبالتالي اعتبر عقد المؤتمر نجاحاً كبيراً للعراق وللسياسة الحكومية.
يبدو لي أن مؤتمر بغداد حقق الأغراض الأساسية التي عقد من أجلها وفتح باباً يمكن أن تتسع لحوارات سياسية عقلانية بين أطراف متصارعة حقاً وكرست صراعها الدموي في العراق والقتلى هم من العراقيات والعراقيين بشكل خاص. فما هي النتائج التي خرج بها مؤتمر بغداد؟
في الوقت الذي يفترض أن يشير الإنسان إلى أن المؤتمر لا يمكن أن يكون إلا خطوة مهمة, مهما كانت صغيرة, على طريق طويل يفترض أن ينتهج في السياسة الدولية والإقليمية والمحلية, سياسة ممارسة الحوار والمفاوضات السلمية ووفق آليات ديمقراطية وبمساعدة دولية لمعالجة المشكلات القائمة بين دول المنطقة والدول الكبرى, إذ لا سبيل لمعالجة أي مشكلة عبر التهديد والعنف واستخدام السلاح أو دعم الإرهاب وخوض الحرب, فالعمليات الإرهابية والحروب لا تحل المشكلات بل تزيدها تعقيداً. لقد تسنى للحكومة العراقية عبر دبلوماسية ذكية وهادئة أن تحقق للعراق ما يلي:
1. الاتفاق على عقد مؤتمر على مستوى وزراء الخارجية للدول المشاركة في نيسان/ابريل القادم (2007).
2. تشكيل لجان لإعداد مستلزمات نجاح مؤتمر وزراء الخارجية القادم, وهو خاص بالعراق أيضاً.
3. عرض وجهة نظر العراق حول التدخل الجاري في العراق من قبل مختلف الدول والقوى الإقليمية والدولية والعواقب الوخيمة لهذا التدخل على المجتمع بسبب دعمها المتواصل لقوى الإرهاب.
4. العواقب الوخيمة على ذات الدول التي تدعم الإرهاب الآن بأن هذا الإرهاب سينتقل إليها عاجلاً أم آجلاً, وبالتالي فأن من مصلحتها الكف عن التدخل في شؤون العراق والكف عن تقديم الدعم لقوى الإرهاب الدولي والإقليمي والمحلي, والتعاون الفعلي من أجل التصدي لقوى الإرهاب وإفشال مشاريعها العدوانية والظلامية.
5. المصارحة بين القوى المشاركة في التدخل في شؤون العراق الداخلية, بحيث أن الاتهامات المتبادلة لم ينفها أحد, بل سعى لاعتبارها ردود فعل لتدخل مقابل في شؤون تلك البلدان الداخلية. وقد برز هذا واضحاً في مداخلتي السفير الأمريكي في العراق والمندوب الإيراني المشارك في اللقاء.
6. عقد لقاءات قصيرة وجانبية بين الوفد الأمريكي ووفدي إيران وسوريا, وهما يمثلان الحكومة الإيرانية والحكومة السورية باعتباريهما بلدين متهمتين أكثر من غيريهما في المنطقة بالتدخل في شؤون العراق ودعم قوى الإرهاب.
7. التوضيح القاطع بأن الحكومة والمجتمع في العراق لا يريدان بأي حال استمرار وجود القوات الأجنبية أو قوات الاحتلال في العراق, بل يريدان خروجها بأسرع وقت ممكن, ولكن الشرط في ذلك هو الانتهاء من العمليات الإرهابية الدموية, إذ ليس في مقدور القوات العراقية مواجهة تلك القوى بمفردها حالياً. وأن الإرهاب الراهن هو المسؤول أولاً وقبل كل شيء عن وجود القوات الأجنبية في العراق.
8. ولا شك في أن الأطراف المختلفة المشاركة في مؤتمر بغداد أدركت بوضوح مدى التشابك الموجود في القضايا المعلقة في منطقة الشرق الأوسط, وخاصة في مسألة فلسطين والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربي في فلسطين والجولان ومزارع شبعا, وأهمية السير على طريق حلها أيضاً, إذ أن أي حل لها سيساهم في إضعاف قوى التطرف والإرهاب في المنطقة.
إن النجاح المناسب الذي رافق أعمال هذا المؤتمر ونتائجه الأولية يكمن بالأساس في تحريك الجو الإقليمي والدولي ودفعه نحو الحوار والمفاوضات لمعالجة الوضع في العراق, وأن التخشب والتخندق المتبادل ورفض الحوار لن يجدي نفعاً بل يزيد القوى المتصارعة تصلباً ويقودها إلى عواقب وخيمة, كما أن المقولة الشعبية تؤكد بأن في كل حركة بركة محتملة. وهو ما يتمناه الشعب العراقي بكل مكوناته. وعلى الجميع تقع مسؤولية التحضير الجيد لمؤتمر وزراء الخارجية القادم في اسطنبول ليكون أكثر ملموسية وأكثر تحقيقاً لنتائج إيجابية على الأرض العراقية ولصالح المجتمع العراقي بكل مكوناته, ولصالح شعوب دول المنطقة. 

آذار/مارس 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *