الرئيسية » مقالات » النفط العراقي سلاح في معارك بعيدة عن الشرف

النفط العراقي سلاح في معارك بعيدة عن الشرف

إننا كمجتمع مدني حين نقف بوجه هذا القوانين الجديدة للنفط بصيغتها التي قدمت للبرلمان، لا يعني إننا لا نريد لهذه القوانين أن تصدر فهي الأساس لأي عملية تطوير للنفط في البلد، كما ولا يعني إننا نقدم المسوغات لأوغاد السياسة بالتلاعب بمصير الوطن من أجل إسقاط الحكومة، لذا أجد من الضروري تبيان حقيقة مواقفنا من أنها وبالرغم من تصديها لقوانين النفط الجديدة، لكنها ليس ضد الحكومة، بل هدفنا الأساسي هو تقديم الدعم لها وهي تتصدى للإرهاب وتواجه أنواع الضغوط المسلطة عليها عالميا وإقليميا وداخليا سواء أطراف من داخل الحكومة أو المعارضة السياسية ضمن العملية السياسية، لأننا لا نشك أبدا أن الحكومة تريد للعملية السياسية النجاح وهو ما يجب أن نسعى إليه جميعا.
لم يكن الإسراع بكتابة قوانين تنظم العمل في القطاع النفطي وتوزع الثروة بشكل عادل بين العراقيين رغبة من حكومة المالكي وحسب، لكنها في الواقع رغبة عراقية مشتركة بين جميع الأطراف السياسية المخلصة للعملية السياسية برؤية إنجازات حقيقية في تطوير حقول جديدة وإعادة تأهيل القديمة المنتجة حاليا، وهي أيضا رغبة أمريكية معلنة، بل شرطا أساسيا وضعته أمريكا على المالكي ينبغي إنجازه خلال فترة زمنية محددة، وما تعلنه الإدارة الأمريكية إن السبب هو ضمان التوزيع العادل للثروة بين العراقيين، وبشكل خجول يطالبون أيضا بفتح هذه الصناعة على العالم.
لكن بعد أن خرجت علينا المسودات من غياهب الدهاليز المظلمة بشكلها هذا، جاءت الدعوة إلى تأجيل الموضوع برمته بعد إقرار التعديلات الدستورية كنوع أو محاولة للخروج من الأزمة وتعطيل إقرار القانون لأنه يفرط بحقوق الشعب العراقي، وهناك من يجزم، بأنه في حال إقرارها، ستكون السبب بتفتيت الوحدة الوطنية وبالتالي رسم خارطة للعراق المقسم، الحدود فيها أنهارا من الدم بين أجزاءه المتناحرة.
فما الذي يدفع حكومة المالكي نحو إصدار هذا القانون بهذه العجالة؟ وهي الحكومة الوطنية التي عرف عنها الاعتدال والحرص الشديد على أمن الوطن وحقوق العراقيين ومستقبل الوطن؟ فهل هي أمريكا لوحدها من يدفع نحو إصدار هذا القوانين الكارثية؟ أم أن هناك أطرافا أخرى لها مصلحة بإصدارها فيشكلها الحالي؟ أسئلة كبيرة أحاول الإجابة عليها من خلال هذه المقالة القصيرة.
أنواع الضغوط التي تجبر الحكومة على إصدار هذه القوانين الكارثية:
هناك معركة كبيرة تضغط على الحكومة، وهي الحالة الأمنية المتردية والحرب المعلنة على الشعب العراقي من قبل الإرهاب المتمثل بالقاعدة والتنظيمات السلفية الأخرى وتلك العناصر المسلحة التي تسمي نفسها بالمقاومة الشريفة، هذه المواجهة تضع الحكومة أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما القبول بالشروط المفروضة على الحكومة أمريكيا بإقرار مسودة القوانين سيئة الصيت، أو استمرار إهدار الدم العراقي البريء، لأن وكما هو معروف أن عمل المقاومة “الشريفة جدا” كما الصلاة في حظيرة الخنازير بلا وضوء، لأن من الطبيعي أن يكون هدف المقاومة وطنيا وليس تفريطا بحقوق الشعب والوطن لمن تحاربهم تلك المقاومة الغبية، لكن المقاومة العراقية “الشريفة جدا” تدفع الحكومة للتفريط بثروات العراق مقابل الأمن الذي يمسك بزمامه الأمريكان.
هناك أيضا من يقول أن دوافع الولايات المتحدة بوضعها هذا الشرط على المالكي ليس رغبتها بالتوزيع العادل للثروة النفطية كما تدعي، لأن الدستور يضمن ذلك بشكل لا لبس فيه من أن النفط ملك للشعب العراقي، بغض النظر عن محاولات البعض تفسير هذه المادة الدستورية على هواهم، يبدوا الهدف واضحا من وراء هذا الإصرار الأمريكي، وهو أن يكون لشركاتهم دور الشريك في إنتاج النفط العراقي، وهو ما يضمن تدفق النفط بشكل مستمر إلى الولايات المتحدة، وتحقيق أرباح خيالية لشركاتهم، وأخيرا التحكم بأهم مصدر للطاقة في العالم وفي أهم منطقة منتجة له من حيث حجم الاحتياطي وحجم الإنتاج.
في الواقع إن هذه الرغبة ليست كباقي الرغبات الأمريكية بل هدفا أساسيا تريد الولايات المتحدة تحقيقها بعد أن احتلت العراق وأبقت على الدولة العراقية الجديدة مجردة من السلاح، أؤكد على أن الدولة مجردة من السلاح، وهو أول الشروط الخمسة التي وضعتها أمريكا على المالكي لكي تستمر بدعم حكومته، وها هي الصيحات الأمريكية تتعالى اليوم وتعلن “أن الوقت بدأ بالنفاذ وإن على الحكومة العراقية الحالية الوفاء بهذه الالتزامات، لكي لا يسحب الدعم عن حكومة المالكي”، أو بالأحرى فإن البدائل جاهزة وعلى أهبة الاستعداد لتشكيل حكومة “الإنقاذ الوطني” التي طالما بشر بها البعض!
خلاصة القول هنا، إما أن يكون قانون النفط جاهزا ويضمن مصالح أمريكا ويحقق أحد أهم أهدافها، أو يأتي البديل المدعوم من قبل دول المحور الذي يعد الأقرب لأمريكا في المنطقة. في الحقيقة من الصعب اعتبار مثل هذا التحرك السياسي نزيها بأي حال كونه يشكل أكبر ضغط على الحكومة لكي تقدم النفط هدية لمن يعد نفسه لنهبها بقوة القانون، وهنا ليس القصد أمريكا فقط، فهناك الكتل السياسية الأكبر في الدولة والتي تحث بهذا الاتجاه وتطالب بحصص لها أيضا، وهكذا وضعت الحكومة أمام خيار صعب جدا، فإما القبول بهذا التفريط الواضح للعيان لحقوق الشعب بملكية نفطه، أو أنها تختار لنفسها التراجع للوراء والقبول بالانتحار السياسي في حال تم تنصيب حكومة “الإنقاذ الوطني!” والتي يسميها آخرون حكومة “الإنقاذ البعثي” وإعادة تأهيله لكي يقود العراق من جديد، وبعد حين، نحو جحيم آخر.
من الواضح إن الحكومة قد اختارت أن تبقى بالسلطة قابلة التحدي على حساب مصالح الشعب وحقه بملكية النفط، هذه الملكية التي سوف لن يبقى لها معنى سوى أنها مادة دستورية وقانونية مستباحة، لذا أقرت هذا القانون الذي قدم للبرلمان بصيغته التي رفضها الجميع حتى الذين يحابون الحكومة أو يجاملوها بعبارات إعلامية جوفاء.
أسئلة كبيرة:
هنا يأتي سؤالا، من يتحمل وزر هذا التفريط بالحقوق؟ هل هي الحكومة التي كتبت وأقرت هذا القانون أم الجهات التي اختارت الوقت الغير مناسب لتزايد على الحكومة الحالية بدعم من أصدقاء أمريكا في المنطقة؟ هذا على اعتبار حسن النوايا، من أنها فقط أساءت التوقيت، لكن هناك من يقول أن هذه الفئة ما هي إلا تلك العصا الغليظة التي تلوح بها أمريكا على الصعيد العراقي الداخلي لتكسب أكثر ما يمكن على حساب مصالح الشعب.
تحليل سياسي دقيق:
من البديهي أن يكون هناك صراع على السلطة في المجتمعات الديمقراطية، لكن علينا النظر للمسألة من خلال مصالح الدولة رغم الخلافات والصراعات بين الأطراف السياسية، لكن هل ينبغي جر الصراع نحو الساحات الدولية المعادية مستغلين بذلك الوضع الإقليمي السيئ بالمنظور العراقي على حساب الثوابت الوطنية من أجل كسب المعركة السياسية في هذا الصراع؟
في مقابلة له مع الفضائية العراقية جرت مؤخرا، يجيبنا على هذا السؤال السياسي العراقي المتزن حميد موسى سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بقوله “التدويل مأساة وخطأ سياسي كبير يرتكبه السياسيون حينما يهربون من الحل الوطني إلى تدخلات خارجية لن تكون بريئة في كل الأحوال والظروف، لا يوجد شيء يسمى براءة، سندخل في دوامة قسمة المصالح وقسمة المنافع الدولية على حساب مصلحة الشعب العراقي، فالتدويل، بهذا المعنى، هو تجريد البلد وقوى البلد وشعب البلد من حق رسم مستقبله على أساس مصلحته الخاصة ومعرفته وعلى أساس مصالحه بعيدة المدى انه أمر خاطىء، رغم أن ذلك لا ينفي ولا يستبعد بل يستلزم أحيانا وفي ظروف معينة ونحن نعاني من ظروف معقدة، الاستعانة بالدعم الدولي وبالمساعدة الدولية المشروعة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وفق القانون الدولي، فهنا يوجد اختلاف بين أن ندول القضية، أي أن نسلم ونفوض امرنا إلى قوة خارجية لتصيغ وترتب لنا ونعلن بذلك عجزنا، وبين أن نقر أن كل بلد في هذا العصر وضمن هذا السياق من التشابك في العلاقات الدولية لا يستطيع أن يتجاهل وان يتعالى على قسمة العمل الدولية ولا على المساعدات الدولية سواء كانت ذات طابع سياسي على أساس احترام الاستقلال والسيادة العراقية أو ذات طابع اقتصادي، اجتماعي، تجاري، ثقافي، إعلامي أو غير ذلك. (انتهى حديث حميد موسى)، ومنه نستشف بأن ليس هناك براءة في مواقف من هذا النوع، وحتى لو أسميناها سذاجة سياسية فإن ذلك يعتبر نوعا من المحاباة لمثل هذه المواقف، وهي بلا شك مرفوضة موضوعيا وأخلاقيا ومخالفة لقيم المجتمع الديمقراطي التي تضع في المقدمة من أولوياتها مصلحة الوطن وعدم التفريط بحقوق الشعب مهما كانت الضغوط.
وبالرغم من أن الحكومة تنفي كل هذه الادعاءات والاستنتاجات التي نقدمها للقارئ بالرغم من أنها تدعم موقفها بوضوح، لأنها كمن أبتلع شفرة الحلاقة، لذا نجدها تعلن على لسان أحد قادة الائتلاف، حسن السنيد، الذي وصف القانون بأنه “انعكاس لرغبات عراقية”، وهو حقا وصف صحيح ودبلوماسي، لأن فعلا هناك قوى عراقية متمثلة بأعضاء وقيادات الكتل السياسة الكبرى المشاركة في السلطة تضغط على الحكومة باتجاه إصدار هذا القانون، حيث اعتبرته هذه الكتل نصرا مؤزرا لها ويحقق كامل حقوق الأطياف التي يمثلوها!! تصور عزيزي القارئ يعتبروه نصرا مؤزرا رغم أنه يهدر حقوق الملكية للشعب ويفرط بما تبقى له من ثروة، السبب بفرحهم العظيم هذا هو أنه يحقق مصالح شخصية لهم في الدرجة الأولى!!
الموقف الوطني من القضية:
فهل نلوم الحكومة على إصرارها لإصدار هذه القوانين المجحفة أم نعطيهم الحق ونقبل بهذا التفريط في الحقوق؟ ففي الحقيقة إن الضغوط المسلطة على الحكومة من داخلها ومن داخل العملية السياسية ومن خارجها وذات أبعاد وطنية وإقليمية وعالمية، ضغوط من هذا النوع وبهذه الكثافة بحجج وذرائع ومسوغات بعيدة عن المنطق، كلها تتسلط على حكومة هشة، لا يمكن تبريرها بأي حال، خصوصا بالنسبة لمن هم داخل العملية السياسية سواء كانوا من المعارضة للحكومة أو غيرهم، أما الخطأ الأكبر بنظري هو استعمال آخر ما تبقى للعراق من أسلحة لإعادة الحياة له وهو الثروة تختزنها أرض العراق، حيث بهذه الأسلوب الفج والبعيد عن الشرف بالعمل السياسي يدفعون الحكومة للتفريط بحقوق العراقيين ولا أحد يستطيع أن يلوم المالكي ويطلب منه أن يكون شجاعا أكثر مما هو عليه، لأن أي موقف آخر تأخذه الحكومة يعتبر نوعا من الطوباوية بالسياسة، لذا أجد أن من يزايدون عليها بالوطنية أو الذين يبتزون المواقف الفئوية ويسعون لمنافعهم الشخصية على حساب مصالح الشعب ومستقبل أجياله هم الذين يتحملون وزر الخطا في الدرجة الأولى.
إننا كعراقيين لنا الحق بهذه الثروة، ولا يمكن أن نقف صامتين صاغرين أمام هذه الألاعيب الممجوجة، بل والقذرة، كما ولا يمكن أن نسكت للحكومة وهي تقدم على كتابة مثل هذا القانون الكارثي للعراق ومستقبله ومستقبل أجياله تحت تأثير الضغوط المتزايدة والقوية عليها.
قد تستطيع حكومة المالكي تحدي جميع هذه الأطراف وهي بهذه الهشاشة وتخرج بقانون يعتد به، لكن إذا فعلت ذلك حقا، فهل تبقى ثمة حكومة بعد أن تكالب عليها كل هؤلاء مرة واحدة؟ ومن أين لها مثل هذه الإرادة الجبارة؟ وهي تعرف تماما إن ما تقوم به يعني بما لا يقبل الشك أن نتيجة تسجيل هذا الموقف التاريخي يعتبر بمثابة انتحار لها ولما تبقى من الشرعية الدستورية في البلد المستباح حتى من قبل أبناءه المخلصين، هذا في حال اعتبرنا أنهم سذج من الناحية السياسية.
أليست هي ورطة حقيقية للحكومة والشعب العراقي على حد سواء؟
الكلمة الأخيرة للسياسيين جميعا وهي: أن تصارعوا ما شئتم، لكن بعيدا عن النفط، لأننا في النهاية سنكون جميعا من الخاسرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *