الرئيسية » مقالات » حلبجة …..مجزرة ماثلة في الاذهان 2 ـ 2

حلبجة …..مجزرة ماثلة في الاذهان 2 ـ 2

حلبجة تلك المدينة المنكوبة التي تحولت في غضون ساعات الى اكبر متحف شمع في العالم … نام الاطفال والنساء والشيوح و الأرامل والحوامل والرضع، شابات وشباب بهدوء وحتى الامهات ابين ان يتركن اطفالهن الرضع رغم فقدان بصرهن، فقررن النوم معهم في نومهم الابدي ….
رقدت حلبجة بصمت وجفونها مسدولة ومحروقة , …. اما الانظمة العربية والدولية ، فكانوا يتفرجون على هذه الجرائم كأن شيء لم يكن باستثناء بعض الصحف العالمية التي كتبت عن المجزرة( 1 ) ….
لماذا هذا الصمت ؟ لماذا ؟؟ ان الانظمة العربية واجهزتها الاستخباراتية كانت على علم بمثل هذه المجازر والممارسات لهذا النظام ولكنها تسترت عليه لان لها مصلحة في بقائه ……..
نعم انهم لم يروا و لم يسمعوا ولهذا لم يتكلموا , … نعم سكتوا واعتبروا الفاجعة شانا داخليا لا يجوز التدخل فيه، وانها شؤون بلد ذي سيادة لان السموم مصنوعة في مصانع التصنيع العسكري العراقي وبامر من( قائد الذي دافع عن سيادة العراق ) ….. اذن السموم محلية لذالك يبقى الامر شأنا داخليا .!! …..
نعم لقد غضوا الطرف عن جرائم و مجازر وانتهاكات صارخة ارتكبت باسم الاسلام والعروبة حتى طالت القران الكريم واحاديث النبي … هل تعرفون ايها السادة الرؤوساء والملوك والشخصيات عربية واسلامية ان ضحايا الانفال هم مسلمون واكثريتهم من الأطفال والنساء والشيوخ ؟ هل تعرفون بان اول ما هُدم في تلك العمليات كانت الجوامع …وهل تعرفون ان اول كتاب حُرق كان القران الكريم ؟ وان اول من اسر كان خطباء الجوامع ؟ وهل تعرفون ان المقابر الجماعية التي اكتشفت في جميع انحاء العراق بعد سقوط الصنم ضمت جثث عشرات الألاف من العراقيين الابرياء اضافة الى كويتيين ومصريين ومواطنيين عرب اخرين ؟ ومع ذالك سكتم واعتبرتم الجلاد رمزا ومجاهدا للامة … اين كنتم ؟ واين كان العالم ؟ ولماذا هذا الصمت ؟
ان صمتكم هذا قد عمق الجروح وترك لوعة واسى في قلوبنا وقلوب ضحايانا …..ورغم السكوت الا اننا كنا نتلمس لكم الاعذار…… ورغم ان فاقد الشيء لايعطيه .. الاّ اننا كنا نؤمن بان سوف ياتي يوم الخلاص وتظهر كل الحقائق وتظهر الجرائم المرتكبة بحق القوميتين العربية والكردية والشعوب الاخرى وسوف تنتهى الحكايات الماساوية، مع انتهاء وسقوط الجلاد وعند ذالك لا يفيد الندم والاعتذار …وكنا نؤمن ايمانا راسخا بان مع سقوط الطاغية ستسقط معه الاقنعة والاوراق بما فيها ورقة التوت الاخيرة و حينها سوف يكون لنا حساب اخر …كنا نتوقع ان نسمع منكم بعد سقوط الطاغية واظهار الحق اعتذارا وخطابا جديدا ورؤية مختلفة و حضارية لطي صفحة الماضي ولكن وللاسف بقيت حليمة على عادتها القديم حتى بعد زوال الساحر وشعوذته …وهذا ما اثار المواجع والجروح وعمقها فعلا …!! ووضعنا على المحك لنسال انفسنا اولا هل فعلا نحن لا نستحق الحياة ؟ ولماذا هذا الصمت ؟
حلبجة ….. مجزرة تقشعر لها الابدان وتنفطر لبشاعتها القلوب , وطبعاً للذين يملكون قلوب وضمائر وليس كما في الروبوتات ….صور لا تنمحي من الذاكرة ….. اطفال بعمر الزهور كانوا يرفسون الارض بارجلهم واياديهم ولكن دون جدوى …. لقد خنقتهم السموم وهم في عقر دارهم .
لقد تمّ بامر من صدام المجرم المعدوم قصف المدينة المنكوبة ( 2 ) ….عكس ما ادعى المشعوذ طارق عزيز(3 ) احد مهرجي النظام البائد عندما تفوه بان ايران قصفت حلبجة وان تركيا هي التي هدمت القرى حسب الاتفاقية المبرمة بين العراق و تركيا … اضافة الى اكاذيب وعنجهيات كثيرة اخرى تفوه بها امام المحكمة محاولا خلط الاوراق وفي الاخير لم يبقى بيده شيء الا ان يهتف بحياة الدكتاتور حتى فقد القاضي صوابه وصرخ في وجهه واسكته………
قصفت حلبجة ….. وسكتت الجامعة العربية بعد ان اعتبرتها شانا داخليا لا يجوز التدخل فيه . تأنفل الشعب الكوردي , لم نسمع شجبا ولا استنكارا من الانظمة العربية لأعتقادهم وتواطئهم بانها كانت حملة ضد الخونة , صفق قسم منهم لصدام عندما احتل الكويت لانهم كانوا يومنون بان يجب ان يرجع الفرع للاصل وان الكويت هي المحافظة رقم 19 العراقية !.. وصفّق آخرون ومجدوه اعظم تمجيد عندما كتب القران الكريم بدمه الرخيص ….. باركوه وبايعوه عندما عنفص وزايد عليهم بتشكيل جيش القدس ليدافع عن الامة ومنجزاتها بعد ان دافع عن البوابة الشرقية !!!
ومن المضحك المبكي ان الجامعة العربية ركضت وما تزال تركض وراء سراب لا طائل منه، لتجميل وجه الدكتاتور ونظامه الشوفيني البغيظ واشراك ايتام وفلول البعث في العملية السياسية بحجة انقاذ العراق من حافة الانهيار وان التصريحات الاخيرة لامين عام الجامعة العربية في اجتماع وزراء العرب في (القاهرة ام الدنيا ) لاجراء اصلاحات دستورية وتوصيات كثيرة اخرى خير دليل على ذالك .
ان العراقيين بنظر سيد عمرو موسى وجامعته العربيه كانوا وما زالوا الضالين و المرتدين والخونة والا ماذا تعني هذه التصريحات غير المسؤولة ….وليس من السر بان العراق بعد سقوط الصنم واجه كل هذه الهجمات المعادية من بعض الانظمة العربية وللاسف ربما سيواجه هجمات اشرس لأفشال تجربتنا النادرة في المنطقة رغم سلبياتها ونواقصها الكثيرة …الا نها تجربة تحديثية نادرة في العراق والمنطقة برمتها …..
لقد سكتت بعض الانظمة العربية سكوت الموتى عن جرائم النظام البائد التي لا تعد ولا تحصى وعملت لارضاء الدكتاتور وحتى بعد سقوطه وانكشاف اوراقه الساقطة وازاحة القناع عن وجهه القبيح والأثبات بالدليل القاطع بان النظام المقبور كان عدوا للامة العربية والدين الاسلامي الحنيف وكل الاديان السماوية الاخرى الا انهم بقوا على عادتهم القديمة بل واكثر…
اعدم الريس شنقا حتى الموت كاحد مجرمي الحرب ..فرح الشعب العراقي و زغردت امهات الشهداء وصار العيد عيدين لان الاعدام صادف اول ايام عيد الاضحى ولكن الاعدام خيّب امال بعض الانظمة العربية حيث اعلنت الحداد واقامت مجالس العزاء للقائد الفالصو الذي لم يحفظه الله ولم يرعاه بسبب اعماله واكاذيبه ونفاقه ودجله وشعوذته وعنفصته ….
اما الفضائيات العربية فقد شهدت فورانا وغضبا داخليا وسرعان ما صبت جام غضبها على الشعب العراقي المظلوم وبدأت بصب الزيت على الناركعادتها بحملات السب والتشهير والأساءة للشعب العراقي وبرش السموم المدفوعة الثمن على شكل جرعات لتسميم عقل الانسان العربي البسيط الذي لا يعرف الكثير عن ماساة والام العراق والعراقيين ……………
لذالك لا استغرب من ازدواجية كل المستفيدين والطبالين من فاقدي الضمير والانسانية , بل كنت اتوقع اكثر بكثير من ما اسمعه اليوم فكيف لا تبكون نظاما كان على شاكلة انظمتكم في الاستبداد والتعصب والتخلف ؟ انها فعلا ازمة اخلاق كبرى في هذا الزمن الرديء …
تحية اجلال لحلبجة الجريحة …. تحية اجلال لحلبجة الجريحة ……تحية اجلال لحلبجة الجريحة و صبرا يا اهالي الضحايا لابد للخير ان ينتصر على الشر والنفاق والدجل …لابد ….ولابد مهما عظمت الخسائر وتقيحت الجروح ….. ستبقى حلبجة حية وماثلة في الاذهان …….وستبقى لطخة عار في جبين النظام البائد و كل من زوده بالأسلحة والسموم وكل من سكت عن جرائمه البشعة بحق الشعب العراقي وشعوب اخرى .
اللعنة على الصمت والصامتين …
اللعنة على المنافقين والطبالين ..
اللعنة على كل من شارك بتشويه الوجوه والعيون الجميلة …وترك على اجسام الابرياء بصمته الملعونة …..على الصمت الذي اصبح عنوانا وسلوكا واخلاقيات زمن السموم والقتل والابادة الجماعية ……
اللعنة على المجمعات القسرية المحاطة بالقضبان والاسلاك الشائكة والالغام والصواريخ المعبئة بالغازات السامة ..
اللعنة على قائد الانفال (على الكيمياوي الفسيخ ) الذي تنبعث منه رائحة الخردل العفنة التي تليق بوجهه القبيح، وجه صاروخ كيمياوي مزنجر ابى ان ينفلق فاخذوه ووضعوه في القفص ولكن نسوا ان يكتبوا على مقدمته ( احذروا …خطر … قابل للانفجار ) …… اخيرا لم يبقى لي الا ان انظر بشفقة الى كل هؤلاء المزمرين والمزورين الذين يزورون القفص ليلقوا النظرة الاخيرة على وحوش بشكل انسان من صانعي الانفال وام المهالك والقادسيات المشؤومة والسموم القاتلة واقترح على زائري القفص ان لا ينسوا اقنعة الوقاية من الغازات السامة وابر الاتروبين والمراهم ضد الحروق الشديدة اذ لا بد وانكم تعرفون تزورون من ؟ نعم بعينه انه هو … على الكيمياوي الفسيخ القابل للانفلاق والانشطار في اي وقت …فحذاري ..حذاري ..حذاري ……..اللهم اشهد اني بلغت …….
اخيرا انحنى اجلالا واكبارا لضحايا حلبجة والانفال والمقابر الجماعية ولكل ضحايا النظام الساقط ….. وانحنى امام كل من نجى من تلك المجازر الرهيبة واتمنى ان نزيح عنهم منظر القتلة الفسيخين وهم داخل القفص يواجهون مصيرهم المحتوم بعض شجون سنوات القحط والسموم والاختناق …….
كما نجدد عهدنا ان نبقى اوفياء لاصدقاء شعبنا ممن وقفوا معنا في محنتنا وكسروا زجاج الصمت بكلماتهم الرائعة النابعة من الصميم على سبيل المثل لا الحصر الخالد طيب الذكر الاستاذ الباحث والمفكر العربي هادي العلوي( 4 ) الذي قدم برائته لاطفال كوردستان بشكل عام وحلبجة بشكل خاص ….
ـــــــــــــــــــــ
1- كتبت بعض الصحف العالمية عن حلبجة خلال عام 1988 اي العام الذي قصفت فيه بالسموم من قبل النظام البائد , على سبيل المثل لا الحصر , صحيفة الديلي تلغراف البريطانية , صحيفة التايمس البريطانية , صحيفة الغارديان البريطانية , صحيفة هيرالد تربيون الاميريكية , مجلة جون افريك الفرنسية , صحيفة السانداي تايمس البريطانية وصحيفة داكس نيهيتريا السويدية حيث كتبت:ـ( بان الغازات السامة التي استخدمت ضد سكان حلبجة في كوردستان العراق تعود الى عام 1930 حيث صنعها هتلر للحرب وقد خزنت واخيرا بيعت للعراق) ,كما بثت القنوات التلفزيونية الأجنبية تقريرا كاملا عن مجزرة حلبجة وفي اخبارها الرئيسية ومنها القنوات التلفزيونية الاسكندنافية ….
2- اكد العميد الطيار المتقاعد جودت مصطفى النقيب , ان طائرات النظام العراقي هي التي قصفت مدينة حلبجة بالاسلحة الكيمياوية في اذار 1988 , وقال العميد الطيار جودت مصطفى النقيب , ان طيران النظام قام اولا بقصف المدينة بالقنابل العادية , ثم اغار عليها بالقنابل الكيمياوية , اوضح في حديث لاذاعة العراق الحر التي كانت تبث من العاصمة التشيكية في براغ , ان الطائرات التي شاركت في ضرب حلبجة بالاسلحة الكيمياوية , انطلقت من ثلاث قواعد جوية تابعة للنظام , هي (قاعدة البكر وقاعدة صدام وقاعدة كركوك) , كان العميد جودت مصطفى النقيب يشغل منصب مدير ادارة السلامة الجوية في القوة الجوية العراقية , قبل احالته على التقاعد في تموز 1988 وكان احد ضباط غرفة العمليات في اليوم الذي قصفت فيه حلبجة , وهو يوم 16 اذار 1988 .

3- المتهم طارق عزيز …. اسمه الحقيقي( طوبيا ميخايل حنا ) ولد في قضاء تلكيف القريب من الموصل عام 1936 لعائلة مسيحية كلدانية …. كان من احد اركان نظام صدام المقبور واحد اعضاء مجلس قيادة الثورة المنحل ,انخرط في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي في الخمسينات , كان من اقرب المقربين لصدام المعدوم , متهم بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية ……

4- هادي العلوي , مفكر و كاتب و باحث عربي عراقي وصديق لشعبنا الكوردي شانه شان اسماعيل البيشكجي و الجواهري الكبير وكاظم حبيب و منذر الفضل و شاكر خصباك واخرين، عبّر عن صداقته الاصيلة للشعب الكوردي بمواقفه الرائعة في الوقوف بجانب الحق و العدل و ضد استعمال الاسلحة الكيمياوية في كوردستان وكلنا نتذكر برائته الشهيرة لاطفال كوردستان بالضد من سياسات النظام الدكتاتوري ضد شعبنا الكوردي في عام 1988 وبالتحديد بعد جريمة حلبجة والتي مطلعها :- ( ايها الطفل الكردي المحترق بالغاز في قريته الصغيرة , على فراشه اوفي ساحة لعبه هذه براءتي من دمك اقدمها لك . معاهدا اياك الا اشرب نخب الامجاد الوهمية لجيوش العصر الحجري . ولا امد يدي الى واحد من انظمة العصر الحجري . اقدمها لك على استيحاء ينتابني شعور بالخجل منك و يجللني شعور بالعار امام الناس اني احمل نفس هوية الطيار الذي استبسل عليك وليت الناس اراحوني منها حتى يوفروا لي براءة حقيقية من دمك العزيز . انا المفجوع بك الباكي عليك في ظلمات ليلي الطويل . في زمن حكم الذئاب البشرية الذي لم نعد نملك فيه الا البكاء . اقبلها مني ايها المغدور فهي برائتي اليك من هويتي ) .

انتهى
2007-03-18