الرئيسية » مقالات » الآثار والهوية الاجتماعية

الآثار والهوية الاجتماعية

(1)تمثل الهوية الاجتماعية إجابة عن سؤال سهل- صعب في نفس الوقت وهو:
من أنت؟ أو أين تصنف نفسك؟ أو بمن تقارن نفسك؟
إن فكرة فستنغر ((Festinger مثلا للمقارنة الاجتماعية (Social Comparison )، تتمثل بوجود فهم ذاتي إيجابي يعد توظيفا نفسيا طبيعيا. وهناك دليل جيد جدا على تعاملنا بحيوية مع العالم الذي نحتاجه لنشعر بأنفسنا جيدا. إن فكرة المقارنة الاجتماعية هي نابعة من الحاجة لتقييم أنفسنا حيث نقارن أنفسنا مع الآخرين المماثلين لنا.
ولجون تيرنر (John Turner) وزملائه تطوير نظري أسموه ب(نظرية التصنيف الذاتي) وهي نظرية نفسية اجتماعية. وبتبسيط أدق فان هذه النظرية تفترض بأن المسلمات التي ندركها في أوقات مختلفة، ندرك من خلالها أنفسنا كأفراد وحيدين، وفي أوقات أخرى كأعضاء في جماعات. وإن هذين الإحتمالين هما تعبيران صحيحان على حد سواء للذات. ذلك أن هوياتنا الاجتماعية (إشتقاق من المجموعات التي ندرك بأنفسنا أننا أعضاء فيها) كحقيقة وأساس للنفس، وهوية شخصية (مشتقة من وجهة نظر شخص ما كفرد وحيد)، ونعرف أنفسنا من خلاله. أما المستوى الشخصي والمستوى الاجتماعي فكلاهما مرن وعدائي من الناحية العملية. (2) أي أن الإعتداد الفردي بالنفس يحمل في طياته في غالب الأحيان نرجسية تصل إلى حد التطرف. وبالمقابل فان الانتماء للجماعة أو الأنا الجمعي يحمل ذات التطرف والإقصاء للأخر.
وفي العموم فان التعريف بالهوية ينقسم إلى منحيين، الأول يتعلق بالهوية الاجتماعية والثاني بالهوية الشخصية، وذلك حسب الموقف الذي يجد الشخص نفسه فيه.
فالمقارنة الثنائية بين شخصين تنطوي على المؤهلات الفردية لكليهما. بينما يكون أمر الهوية الاجتماعية مقرونا بالطابع العام أو القومي أو للثقافة التي ينتمي لها الشخص.
إن الفكرة الأساسية هي كيف نستطيع رؤية أنفسنا من خلال مقارنتها مع الآخرين.
وعلى هذا الأساس يلجأ الشخص إلى مصادر مرجعيته الثقافية والتاريخية التي من ضمنها الإرث الحضاري الذي هو عادة عنوان بلده أو إقليمه الجغرافي.
وتتعزز نزعة التعلق بالآثار والالتجاء لها كمصدر فخر ومكون هام من مكونات الهوية الاجتماعية عندما يكون الشخص قد نشأ وترعرع بجوار معلم (بفتح الميم) أو أثر حضاري فنشأت بينه وبين هذا الأثر علاقة روحية وارتباط عاطفي بوعي أو لاوعي.
انظر ردة الفعل الدرامية بل التراجيدي التي تولدت لدى الكثير من المثقفين والمختصين وأبناء المناطق المجاورة للمواقع الأثرية والمتاحف التي تعرضت للنهب والتخريب عقب حرب عام 2003.
لقد تجسدت لدى البعض ممن شاهدناهم على شاشات التلفزيون، ومنهم إحدى مسؤولات المتحف الوطني العراقي التي صرخت باكية تنعى حال المتحف الذي بدا كبيت تربت فيه وأودعت ذكرياتها وأحلام طفولتها. أو أمثلة أخرى لممن إلتقيناهم أو حصل إتصال هاتفي بيننا وينهم، تجسدت ببكاء البعض وفورة غضب شديدة لا يمكن مقارنتها أو مقاربتها إلا بفقدان عزيز.

متى نلجأ للآثار؟
اعتدنا أن نلجأ للآثار لتعزيز هويتنا باعتبارها مصدر فخر عظيم عند التحدث عن أنفسنا أو التعريف ببلدنا للأجنبي. نلجأ للتاريخ لان فيه أهم إنجازاتنا وإنجازات البشرية جمعاء في مراحل مبكرة من حياتها. فالعراقي يفخر بان على أرضه سنت أول الشرائع والقوانين واخترعت العجلة والكتابة ونظم الري المتطورة وغيرها.

وفي داخل بلدنا أو عند الحديث عن هويتنا الاجتماعية المحلية بالمقارنة بين مدينتنا أو محافظتنا وأخرى، فإننا كأبناء الديوانية على سبيل المثال نفخر بان على أرضنا الصغيرة هذه كتبت أول شريعة وأول تقويم زراعي وأول صيدلية وأول مكتبة في التاريخ، وذلك في مدينة نفر (نيبور ).

تنسج أمهاتنا قصصا وخرافات ينصب معظمها على تصوير عظمة هذا الإرث الحضاري المادي خاصة الذي نجاوره وتنشا علاقة خاصة مع هذه المواقع الأثرية التي تهفو قلوبنا نحوها أينما حط بنا الرحال في العالم.
خذ مثلا أحد الأصدقاء الشعراء العراقيين من محافظة الديوانية (القادسية سابقا) الذي جاب العالم من صحراء رفحاء في السعودية إلى هولندا والمغرب وغيرها، فإنه ما أن نضجت موهبته الشعرية، حتى اختار أن يكون لقبه النفري (3) (نسبة إلى نفر) المدينة الأثرية المعروفة. رافضا أو متخليا عن إسم جده الذي يعد من كبار السادة وأصحاب الكرامات الذين يقسم بهم بعض أهل القرى والبلدات المجاورة. واسم عشيرته ذائعة الصيت والجاه خاصة في مرحلة عاد بها العراق سنينا إلى الوراء جراء الظروف التي مر بها.
هكذا إذن تقترن الآثار بالإبداع وتتحول إلى التزام أخلاقي ودافع للمزيد من التألق. لقد أصبح هذا اللقب عنوانا ودافعا له لإبداعه، وتعهد بأن يعطيه ولو جزء من حقه التاريخي كرمز لمدينة أعطت البشرية الكثير.

هكذا نلوذ بتاريخنا وبآثارنا في عمق الماضي بعد أن يبخل علينا الحاضر بما نفخر به أو العكس حيث بخلنا أو عجزنا نحن أن نعطي الحاضر مثلما أعطى إسلافنا الماضي.
هكذا نقدم أنفسنا ونعرف بذواتنا لنرسم هويتنا الاجتماعية ونفرز أنفسنا أمام الأخر، مرتمين بأحضان تلولنا الترابية أو “الإيشانات = مفردها إيشان” كما يسميها أجدادنا وجداتنا.

د. حميد الهاشمي
أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، عراقي مقيم في هولندا

——————————————————
(1)نص المحاضرة التي ألقيت على جمع من أساتذة وطلبة قسمي الآثار والاجتماع في كلية الآداب – جامعة القادسية- الديوانية- العراق، في18-12-2007. .

2 http://changingminds.org/explanations/theories/in-group_bias.htm
3 الشاعر هو مهدي النفري، من أجيال الألفية الجديدة يكتب بالعربية والهولندية ويترجم من والى كلا اللغتين كما كتبت عنه بعض الدراسات النقدية، لعل أبرزها دراسة الناقد وديع العبيدي: انظر موقع الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق: http://www.iraqiwritersunion.com/modules.php?name=News&file=article&sid=10756 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *